أكتوبر 29, 2026
1000151022

سعد جاسم الكعبي
كاتب عراقي

أثارت الفنانة العراقية آلاء حسين جدلاً واسعاً حين سُئلت: العقيدة أم الوطن؟ فأجابت بعبارة واحدة قلبت الطاولة: “العقيدة أنقذت الوطن”.
قامت الدنيا ولم تقعد، ليس لأن الجملة غامضة، بل لأنها كانت واضحة جداً ومباشرة جداً.
أولاً: ماذا قصدت آلاء حسين؟
لم تكن تتحدث عن عقيدة مجردة. كانت تقصد تحديداً العقيدة الجعفرية. وهي حقيقة تاريخية لا يمكن إنكارها مهما حاول البعض تزييف الوعي.
في صيف عام 2014، سقط الوطن كمفهوم وكدولة. سقطت مؤسساته الأمنية في الموصل وتكريت والأنبار، وانسحب الجيش، وانهارت الشرطة، وسقط ثلث مساحة العراق بيد تنظيم داعش الإرهابي. لم يكن هناك وطن قادر على حماية نفسه.
الذي أنقذ الجغرافيا والدولة والعاصمة بغداد لم يكن شعاراً وطنياً، بل كان فتوى،فتوى الجهاد الكفائي التي أطلقها المرجع الأعلى السيد علي السيستاني، وهي ذروة الفعل العقائدي الجعفري. تلك الفتوى هي التي دفعت بملايين الشباب من أبناء الوسط والجنوب إلى جبهات القتال، وهي التي أسست للحشد الشعبي.
لولا العقيدة، لما بقي وطن يُختلف على اسمه اليوم. هذه هي الحقيقة التي قالتها آلاء حسين.
ثانياً: لماذا هذا الهجوم المنظم عليها الآن؟ الجواب الهجوم ليس فنياً، بل سياسي وعقائدي بامتياز، لسببين:
السبب الأول: موقفها المعلن. حضورها مراسم توديع المرشد الإيراني السيد علي خامنئي وتكريمها في إيران على مواقفها الوطنية، اعتُبر عند خصومها تهمة جاهزة. فالعقيدة الجعفرية في عرفهم مرادفة للتبعية، والاعتراف بفضلها خيانة لمفهومهم المشوه للوطنية.
السبب الثاني والأخطر: دفاعها عن أبناء الجنوب. خرجت آلاء حسين، وهي الفنانة المعروفة، لتكشف علناً عن سياسة إعلامية ممنهجة استمرت لسنوات طويلة، مارستها قنوات مثل قناة الشرقية وغيرها، تقوم على الإساءة لصورة “الشروگي” ابن الجنوب. حيث يُقدّم دائماً في الدراما بصورة الساذج أو البخيل أو المضحك بلهجته، أو الخارج عن القانون، في حين أن ابن الجنوب هذا هو نفسه الذي قدّم الدم في كل حروب العراق، من الحرب العراقية الإيرانية إلى حرب داعش.
وعندما كانت هذه الإساءة مستمرة، كان نفس المهاجمين اليوم يلتزمون الصمت، بل ويصفقون لها باعتبارها “فناً وحرية تعبير”.
ثالثاً: التناقض الفاضح وازدواجية المعايير، وهنا يكمن التناقض الذي يفضح النوايا.
فبالأمس، كان السكوت على إهانة الجنوبي واجباً، واليوم، أصبح الطعن بفنانة دافعت عنه واجباً.
وبدأ فصل جديد من الاستهداف: إنتاج أعمال تلفزيونية تلمّح لها وتشكك في نواياها وشرفها المهني، وتحاول فضحها والنيل من تاريخها.
ولم يكتفوا بذلك، بل فتحوا عليها جبهة تشويه متكاملة، لم تظهر إلا بعد إعلانها الصريح عن أصلها الجنوبي واعتزازها به:
تهمة البعثية: تم نبش صور قديمة لها من زمن النظام السابق، خلال مهرجانات رسمية كان جميع الفنانين العراقيين مجبرين على حضورها.
وهي صور يملك مثلها كل فنان عراقي عاش تلك الحقبة، لكنها لم تصبح دليل إدانة إلا عندما قالت “أنا جنوبية”. فكيف تُتهم ابنة الجنوب، التي عانت عائلتها من البعث، بأنها بعثية؟
أيضا تهمة الإساءة للأخلاق وفجأة، تحولت أعمالها التي كانت توصف لسنوات بأنها “دراما جريئة وراقية” إلى أعمال “مسيئة للأخلاق وخادشة للحياء”. نفس الملابس ونفس الأدوار ونفس الأداء، كان مقبولاً قبل تصريحها، وأصبح مرفوضاً بعده. وكأن شرف الفنانة يُقاس بموقفها المناطقي، لا بعملها الفني.
إن الرسالة الضمنية لهذه الحملة واضحة: مسموح لك أن تكون جنوبياً، بشرط ألا تتحدث بلهجتك، وألا تدافع عن بيئتك، وألا تذكر عقيدتك التي أنقذت البلاد. فإذا التزمت الصمت، فأنت فنان وطني، وإذا اعتززت بأصلك، فأنت بعثي ومسيء للأخلاق وتبعي.
الخاتمة: الحقيقة الموجعة
إن ما تتعرض له آلاء حسين ليس استهدافاً لشخصها فقط، بل هو استهداف لرمزية كاملة، هو استهداف للعقيدة التي أنقذت الوطن يوم سقط، واستهداف للشروگي الذي كان وقود تلك العقيدة ودمها.
لقد سكتوا حين كانت الدراما تهين أبناء الجنوب لسنوات، وهم اليوم يطعنون بالفنانة التي تجرأت وقالت كفى.
وهذا يثبت المقولة الموجعة التي بات يرددها أبناء الجنوب: “نحن نعيش وسط عقارب لا أقارب، وإخوة في الوطن بالهوية فقط”.
فالوطن بلا عقيدة تحميه، يُباع في ليلة واحدة كما بيع في الموصل. والعقيدة بلا رجال يؤمنون بها، كلام فارغ. وقد أثبت أبناء العقيدة الجعفرية أنهم هم الرجال الذين حموا الوطن.