أكتوبر 29, 2026
1001845412-4

الحكمة

يجعل الإنسان العاقل من الحكمة مناراً يضيء له الطريق لبلوغ غاياته الصحيحة؛ فالحكمة تستند إلى المعرفة التي توسع مدارك الإنسان وتمنحه البصيرة، وتجعله أكثر وعياً لتلافي المخاطر وتجنب الأخطاء. فكما يمتلك الإنسان الحواس ليدرك احتياجاته في سبيل ديمومة حياة أفضل، فإنه يمتلك المعرفة العقلية لتمييز الأمور، بالإضافة إلى “الحدس” الذي ينشأ نتيجة التركيز العالي في دقائق الأمور، وهو بمثابة إلهام حسي يمنحه اطلاعاً مسبقاً على حقائق الأشياء، ودليلاً على وجود قوة عليا تتحكم فيه، وهي الإرادة الإلهية.

وعند النظر إلى علاقة الحكمة بالأنبياء والصالحين، ندرك أن معرفتهم ليست وليدة تجربة حسية مستمدة من الواقع فحسب، بل هي معرفة ربانية مكتسبة نابعة من الاستدلال الإلهي، وليست وليدة فهم بسيط؛ إذ لديهم القدرة على استقراء الأمور دون استنباط، وهذا ما أكده القرآن الكريم في مواضع عديدة، مثل قوله تعالى: “وآتيناه الحكمة صبياً”، وقوله: “وعلّمناه الكتاب والحكمة”، وقوله: “ومن يُؤتَ الحكمة فقد أُوتي خيراً كثيراً”.

تعدّ الحكمة السند القوي للمؤمنين؛ فهي الدليل الصادق على حنكتهم في أمور الدنيا، مما يميزهم في إدارة شؤون الأمم بمنطقٍ تحكمه الإرادة الإلهية والعدل الإلهي لتجنب الأخطاء البشرية وهداية الناس إلى ما هو أحسن. ولذلك، يسعى أتباع العقيدة الشيطانية إلى محاربة المنطق والعقل وكل ما يرتبط بالفكر والفلسفة، التي تعني في أصلها اليوناني “حب الحكمة”. وقد عمد البعض إلى حصر الحكمة في السنن النبوية لعزلها عن العقل، وربطها بكتب التراث لتقييدها؛ في حين أن الحكمة هي السلاح الأمثل لتنمية الشعوب، ووصولها إلى بر الأمان، وإنقاذها من الضياع والتفكك؛ ولذا فقد ذكرها الباري في كافة الكتب السماوية.
بقلم
عصام الصميدعي .. منظر الفلسفة التجريدية