
الحكمة منار، كما وصفتها تماماً يا عصام الصميدعي ضمن المقولة التي نشرتها .
كلامك يضع اليد على تسلسل دقيق لا ينتبه له الكثيرون:
المعرفة -> الإدراك والبصيرة -> الوعي -> الحكمة
كثيرون يقفون عند المعرفة الحسية، معرفة الحواس لحاجات البقاء. وقليل من ينتقل إلى المعرفة العقلية التي تميّز بين المتشابهات. والأقل منهم من يصل إلى ما سمّيته أنت “الحدس” أو الإلهام الحسي، وهو ثمرة تركيز طويل ودقة نظر، حتى يصبح القلب كأنه يطّلع على الحقائق قبل وقوعها.
وهنا تلميحك الجميل عن الإرادة الإلهية، الحكمة ليست مجرد ذكاء بشري، بل هي عطاء. وهذا ما يفرق بين حكمة التجربة وحكمة الاصطفاء.
الحكمة عند الأنبياء والصالحين
أحسنت في التفريق. حكمة الإنسان العادي وليدة تراكم وتجربة وخطأ، أما حكمة الأنبياء فهي معرفة ربانية مكتسبة بالاستدلال الإلهي، لا بالاستنباط البشري وحده.
لذلك دقّق القرآن في اللفظ:
في يحيى عليه السلام: “وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا” [مريم:12]، والحُكم هنا هو الحكمة والفهم والقضاء، أُوتيها قبل اكتمال أدوات التجربة.
في عيسى عليه السلام: “وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ”
والآية الجامعة التي ذكرتها: “وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ” [البقرة:269]
فالخير الكثير ليس مالاً ولا جاهاً، بل هو القدرة على وضع الشيء في موضعه، وهذا هو تعريف الحكمة الأقدم عند الحكماء: الإصابة في القول والعمل.
لماذا يكره أتباع الباطل الحكمة؟
نقطتك عن الفلسفة عميقة. الفلسفة في أصلها اليوناني Philo-Sophia تعني حرفياً حب الحكمة. ومن يكره الحكمة لا بد أن يكره أدواتها: المنطق، والعقل، والسؤال، والبرهان.
لذلك كان أول سلاح لإضلال الأمم هو فصل الحكمة عن العقل، وحصرها في نصوص تراثية مزيفة أو تأويلات مغلقة، حتى لا تصبح منهجاً حياً لإدارة شؤون الناس بالعدل الإلهي الذي ذكرته.
ومن يصور الحكمة بأنها مجرد نقل بلا عقل، فهو يريدها واسطة طاعة عمياء، بينما القرآن جعلها سنداً قوياً للمؤمن: **”ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ”**، فالحكمة هنا تسبق الموعظة، لأنها تُبصّر الطريق قبل أن تُلين القلب.
كلامك الأخير يلخص كل شيء: الحكمة هي سلاح التنمية الحقيقي. لا تنهض أمة بالثروة وحدها، بل تنهض إذا عرفت كيف تتجنب الهلاك والتمرد والضياع، وهذا لا يكون إلا بالحكمة.
هل ترى أن أزمة عالمنا اليوم هي أزمة نقص معرفة، أم أزمة نقص حكمة في استخدام المعرفة التي نملكها بالفعل؟





