
رياض سعد
ليست العدالة التاريخية أن نبرّئ جماعةً كاملةً من كل خطأ، كما أنها ليست أن نحمل جماعةً كاملةً وزر أفعال بعض أفرادها.. , فالإنصاف يقتضي أن نضع كل واقعة في سياقها، وأن نميّز بين من دعا، ومن تراجع، ومن خذل، ومن أُكره، ومن قاوم، ومن قاتل، ومن أصدر الأمر، ومن امتلك القدرة على المنع فلم يفعل.. , ومن دون هذا التفكيك تتحول الذاكرة التاريخية من وسيلة لفهم الماضي إلى أداة لإنتاج خصومات الحاضر.
ومن هنا، فإن الحديث عن مقتل الإمام الحسين بن علي في كربلاء لا يجوز أن يتحول إلى محاكمة مفتوحة لكل أهل الكوفة، ولا إلى إدانة موروثة للعراقيين، ولا إلى تهمة مذهبية تُلقى على شيعة العراق جيلاً بعد جيل.. , وفي المقابل، لا يصح أن تتحول الرغبة في إنصافهم إلى إنكار ما ثبت تاريخياً من مشاركة بعض أهل الكوفة في جيش عمر بن سعد، أو في أجهزة السلطة الأموية، أو في ملاحقة أنصار الحسين ومسلم بن عقيل.
إن القضية، في جوهرها، ليست تبرئةً مطلقة ولا إدانةً مطلقة؛ إنها محاولة لإعادة توزيع المسؤولية على أصحابها، وفق ما تسمح به الروايات والقرائن، لا وفق ما تفرضه الخصومات المذهبية والسياسية القديمة و المتأخرة.
أولًا: الكوفة ليست كتلةً بشريةً واحدة، ولا موقفًا سياسيًا ثابتًا
إن أول خطأ يقع فيه بعض المتناولين لمأساة كربلاء هو التعامل مع الكوفة كما لو كانت شخصًا واحدًا، له إرادة واحدة وموقف واحد وضمير واحد.. , وهذا تبسيط لا ينسجم مع طبيعة المدن الكبرى، ولا مع واقع المجتمع الكوفي في القرن الأول الهجري، ولا مع ما تكشفه الروايات التاريخية عن تعدد القوى والولاءات والمصالح داخل المدينة.
تأسست الكوفة سنة 17هـ/638م، في سياق الفتوحات الإسلامية، بوصفها مدينة عسكرية وإدارية، ثم تحولت تدريجيًا إلى مركز حضري وسياسي بالغ التأثير.. , ولم تكن مدينةً قبليةً متجانسةً تستأثر بها قبيلة واحدة، بل ضمت جماعات قبلية قادمة من جهات مختلفة من الجزيرة العربية واليمن وغيرهما ، إلى جانب تحولات سكانية واجتماعية ارتبطت بالهجرة والاستقرار واتساع الدولة.. , وقد أشار الباحث مير ليتفاك، في مادة «الكوفة» المنشورة في الموسوعة الإيرانية، إلى أن المدينة لم تُبنَ على أساس هيمنة قبيلة واحدة، وأن التفاوتات الاجتماعية والاقتصادية داخلها أسهمت في اضطراب مواقفها السياسية وتبدل تحالفاتها.
وهذه الحقيقة ذات أهمية جوهرية؛ لأن المدينة التي تضم قبائل وأحياءً وطبقات ومصالح متباينة لا يمكن اختزالها في موقف سياسي واحد… ؛ فقد يكون في المدينة أنصارٌ مخلصون لأهل البيت، ووجهاء قبائل يوازنون بين السلطة ومصالح عشائرهم، وجندٌ مرتبطون بالعطاء الحكومي، وتجارٌ يخشون اضطراب الأمن، وأفرادٌ يناصرون السلطة، وآخرون يعارضونها، وفئةٌ تتردد بين الولاء والخوف، وأناسٌ لا ينخرطون في الصراع أصلًا.
ولا ينبغي أن ننسى أن الكوفة كانت قد تحولت، منذ انتقال الإمام علي بن أبي طالب إليها سنة 36هـ/656م، إلى مركز للخلافة وميدان للصراع السياسي والعسكري في الدولة الإسلامية… , وقد تركت تلك المرحلة أثرًا عميقًا في بنيتها السياسية والاجتماعية، وأسهمت في نشوء اتجاهات متباينة، من بينها أنصار الإمام علي، والخوارج، والقيادات القبلية التي ارتبطت بمؤسسات الحكم، فضلًا عن جماعات أخرى تشكلت مصالحها ومواقفها في ظل الصراع على السلطة. ويبين بحث مارتن هيندز عن الاصطفافات السياسية الكوفية في منتصف القرن السابع الميلادي أن هذه الاتجاهات لم تكن مجرد تسميات مذهبية، بل كانت أيضًا قوى سياسية واجتماعية لها جذور قبلية ومصالح وعلاقات بالسلطة .
وعليه، فإن وصف شخص بأنه «كوفي» لا يثبت أنه كان من أنصار الحسين، كما لا يثبت أنه كان من أعدائه.. , إنه وصف جغرافي أو اجتماعي في المقام الأول، ولا يتحول إلى حكم أخلاقي إلا إذا اقترن بفعل أو موقف محدد تثبته الرواية التاريخية.
وهنا ينبغي الفصل بين ثلاثة مستويات كثيرًا ما تختلط في الخطاب المذهبي:
1. الانتماء الجغرافي: أن يكون المرء من أهل الكوفة أو العراق، وهو وصف لمكان الإقامة أو المنشأ.
2. الولاء الديني والسياسي: أن يكون من أنصار أهل البيت أو من المعارضين لهم أو من أصحاب الولاءات المتغيرة.
3. المشاركة الفعلية في الجريمة: أن يثبت اشتراكه في التحريض أو إصدار الأوامر أو الحصار أو القتال أو القتل أو الاعتداء على أهل البيت وأصحاب الحسين.
ولا يجوز منطقيًا ولا تاريخيًا أن نستنتج المستوى الثالث من الأول، أو أن نساوي بين سكان مدينة كاملة وبين أفراد شاركوا في واقعة عسكرية محددة.. , فالجغرافيا لا تثبت الجريمة، والانتساب إلى مدينة لا يعني الاشتراك في كل ما يقع فيها.
ثانيًا: رسائل الكوفيين إلى الإمام الحسين؛ ماذا تثبت، وما لا تثبته ؟
تذكر المصادر التاريخية أن رسائل عديدة وصلت إلى الإمام الحسين بن علي في مكة، تدعوه إلى القدوم إلى العراق، وتعرض عليه النصرة والبيعة، بعد وفاة معاوية وتولي يزيد بن معاوية الحكم.. , وقد ورد في الروايات التي نقلها الطبري وغيره مضمون كتب أهل الكوفة، ومنها قولهم : إنهم لا إمام لهم، وإنهم يرجون أن يجتمعوا عليه، وأن يقودهم في مواجهة السلطة الأموية.
وهذه الرسائل ليست تفصيلًا هامشيًا في سياق الأحداث؛ بل تمثل أحد العناصر الأساسية التي تفسر توجه الإمام الحسين نحو العراق.. , فقد كان أمامه واقع سياسي مضطرب، وسلطة جائرة تطالبه بالبيعة، وجماعات عراقية تعلن رفضها للوالي الأموي وتطلب منه القدوم.. , ومن ثم فإن دراسة قراره لا تستقيم إذا عُزلت عن طبيعة تلك الدعوات وعن المعلومات التي وصلته بشأنها.
لكن الإنصاف يقتضي ألا نذهب إلى الطرف المقابل، فنحوّل الرسائل إلى دليل على أن جميع أهل الكوفة كانوا أنصارًا مخلصين للحسين، أو أن المدينة بأسرها كانت مستعدة للقتال معه… ؛ فالرسائل صدرت عن جماعات وأفراد، ولا تمثل بالضرورة كل السكان، كما أن التوقيع أو الدعوة لا يساويان بالضرورة القدرة على الوفاء بالوعد حين تتغير موازين القوة... ؛ وفضلًا عن ذلك، فقد ذاق أتباع الإمام علي بن أبي طالب، وشيعته ومحبو أهل بيته، الأمرَّين في ظل الحكم الأموي السفياني ؛ إذ تعرّضوا لهدم المنازل، وقطع العطاء من بيت مال المسلمين ، والسجن، والتهجير، والقتل، حتى لم يعد كثيرون منهم يأمنون على أنفسهم في حلّهم وترحالهم… ؛ وقد أسهمت هذه السياسات القمعية في إحداث تحولات ديموغرافية ومذهبية واجتماعية خطيرة في العراق، ولا سيما في الكوفة، التي أُغرقت بأجهزة المراقبة وعيون السلطة وجواسيسها، فضلًا عن أنصار بني أمية ومواليهم، ممن تولّوا رصد المعارضين وملاحقتهم، والإبلاغ عن تحركاتهم، والعمل على تفكيك شبكاتهم الاجتماعية والسياسية.
ومن هنا تظهر الفجوة بين الموقف المعلن والقدرة على تنفيذه.. , فقد يعلن الإنسان تأييده لقيادة سياسية أو دينية في ظرف يسمح له بذلك، ثم يتراجع عندما تصبح حياته أو أسرته أو ماله مهددة.. , وقد يكتب المرء رسالةً في ظل غياب القمع، ثم يجد نفسه أمام سلطة أمنية تملك السجن والقتل ومصادرة الأموال وتهديد العشائر… , وقد يختار بعض الناس الصمت، لا اقتناعًا بالسلطة، بل خوفًا من بطشها؛ بينما يختار آخرون الانضمام إليها طمعًا أو انتهازًا أو عداءً للخصم.
وهذه ليست محاولة لتبرئة كل من تراجع، وإنما هي محاولة لفهم الفوارق بين المواقف؛ إذ لا يستوي من خان عهدًا كان قادرًا على الوفاء به، بمن عجز عن الحركة تحت تهديد مباشر، ولا يستوي من قاتل الحسين، بمن لم يقاتل معه، ولا يستوي من دعا إليه ثم نكث، بمن لم يعلن أصلًا أي موقف.
إن التاريخ لا يُقرأ بالنتائج وحدها؛ بل ينبغي أن نعيد بناء الظروف التي سبقت النتيجة، وأن نسأل: من امتلك القرار؟ من امتلك القوة؟ من كان قادرًا على الفعل؟ ومن كان واقعًا تحت الإكراه؟ ومن استثمر خوف الناس لتحقيق غرض سياسي؟
ثالثًا: من ولاية النعمان بن بشير إلى ولاية عبيد الله بن زياد؛ انتقال الكوفة من التردد إلى القمع
تكتسب المقارنة بين ولاية النعمان بن بشير وولاية عبيد الله بن زياد أهمية خاصة في فهم انهيار حركة مسلم بن عقيل في الكوفة.. , فقد شهدت المدينة، قبل وصول ابن زياد، نشاطًا لأنصار الإمام الحسين، وظهرت فيها دعوات إلى مبايعته واستقباله.. , لكن وصول ابن زياد، بتكليف من يزيد بن معاوية، مثّل تحولًا في إدارة الأزمة، إذ اتجهت السلطة إلى فرض السيطرة الأمنية وملاحقة العناصر التي رأت فيها تهديدًا لحكمها.
لم يكن هذا التحول مجرد تغيير إداري بين واليين؛ بل كان انتقالًا من مرحلة لم تكن فيها المعارضة قد أُخضعت بالكامل إلى مرحلة استخدمت فيها السلطة أدواتها الأمنية والقبلية لتفكيك الحركة وإرهاب المترددين ومنع تجمع الأنصار… ؛ وقد ارتبطت هذه السياسة بملاحقة مسلم بن عقيل، وتفريق من اجتمعوا حوله، واعتقال بعض الشخصيات، والضغط على زعماء القبائل والوجهاء، فضلًا عن توظيف الخوف من العقوبة في تعطيل أي تحرك جماعي.
ومن المهم هنا ألا نختزل المشهد في ثنائية ساذجة تقول إن النعمان كان متساهلًا تمامًا، وإن ابن زياد كان وحده سبب كل ما حدث؛ فالروايات التاريخية تحتاج إلى قراءة متأنية، كما أن المدينة كانت تعاني أصلًا من انقسامات وتنافسات سياسية وقبلية… ؛ غير أن مجيء ابن زياد مثّل، في تسلسل الأحداث، عاملًا حاسمًا في تشديد القبضة الأموية على الكوفة وإجهاض الحركة المنظمة التي كان مسلم بن عقيل يقودها.
والفرق بين وجود التأييد وبين القدرة على تحويله إلى قوة سياسية يظهر هنا بوضوح… ؛ فالجماعة التي كانت تجتمع حول مسلم بن عقيل لم تكن تتحرك في فراغ؛ بل كانت تواجه واليًا يملك أجهزة الدولة، ووسائل الترهيب، والقدرة على استدعاء رؤساء القبائل وإلزامهم بمواقف تخدم السلطة.. , وحين تتدخل الدولة بهذه الأدوات، فإنها لا تواجه أفرادًا متفرقين فحسب، بل تعيد تشكيل المجال الاجتماعي كله: تجعل الاجتماع خطرًا، والتواصل مخاطرة، وإعلان الولاء سببًا للملاحقة، وتدفع بعض الناس إلى الانسحاب أو التستر أو تغيير موقفهم.
لكن ذلك لا يعني أن جميع الذين تراجعوا كانوا مكرهين، ولا أن كل من انضم إلى جيش السلطة كان ضحية لا خيار له.. , فالظروف القمعية تفسر جانبًا من السلوك، لكنها لا تلغي المسؤولية الأخلاقية والقانونية عن الأفعال التي ارتكبها أصحابها بإرادتهم أو بمقدار ما امتلكوه من حرية الاختيار.
وهذه هي النقطة التي ينبغي أن يقوم عليها البحث: القمع يفسر انهيار حركة سياسية، لكنه لا يحوّل كل مشارك في الجريمة إلى بريء، كما أن مشاركة بعض الأفراد في الجريمة لا تجعل المجتمع بأسره شريكًا فيها.
رابعًا: جيش عمر بن سعد؛ بين حقيقة المشاركة ومغالطة تعميم المسؤولية
من أكثر المسائل حساسية في هذا البحث مسألة تكوين الجيش الذي واجه الإمام الحسين في كربلاء.. , فبعض الخطابات التي تسعى إلى الدفاع عن شيعة العراق تذهب إلى أن غالبية الجيش جاءت من خارج الكوفة، أو أن أبناء المدينة لم يشاركوا إلا بأعداد قليلة، وتستند أحيانًا إلى أسماء القبائل التي ظهر رجالها في الروايات، أو إلى عدد الرؤوس التي نُقلت بعد المعركة، أو إلى روايات متفرقة عن أصول المقاتلين.
غير أن هذه الاستنتاجات تحتاج إلى تدقيق؛ لأن أسماء القبائل لا تثبت وحدها موطن إقامة أفرادها، ولا تعني أن كل من انتسب إلى قبيلة ما كان وافدًا من موطنها الأصلي.. , فقد كانت القبائل العربية قد انتشرت في الأمصار، واستقرت فروع منها في العراق، وتداخلت مساكنها وتحالفاتها بفعل الهجرة والفتوحات والتحولات السياسية.. , ولذلك لا يصح أن نقول إن المقاتل المنتمي إلى قبيلة يمنية، مثلًا، جاء بالضرورة من اليمن، أو إن الانتساب إلى قبيلة حجازية يعني أن صاحبها كان مقيمًا في الحجاز وقت الواقعة.
وتذكر مادة «عاشوراء» في الموسوعة الإيرانية أن الحسين وصل إلى كربلاء في الثاني من محرم سنة 61هـ، وأن القوة التي أُرسلت لاعتراضه بلغت نحو أربعة آلاف رجل، وكانت بقيادة عمر بن سعد، بأمر من عبيد الله بن زياد والي الكوفة.. , وتعرض مادة «كربلاء» في الموسوعة نفسها السياق العسكري والسياسي للمواجهة، وتربط إرسال القوة بقرار السلطة الأموية منع الحسين من مواصلة طريقه ما لم يقبل البيعة ليزيد .
وهذه المعطيات تضعنا أمام حقيقة لا يجوز إغفالها: أن القوة التي واجهت الحسين كانت قوةً أرسلتها السلطة الأموية، وأن قيادتها العسكرية والسياسية كانت مرتبطة بعبيد الله بن زياد، وأن عمر بن سعد تولى قيادة الجيش في الميدان.. , أما تحديد النسب الدقيقة لكل جندي ومعرفة قوميته وعشيرته ، ومكان إقامته، ودرجة اختياره، وطبيعة دوره، فمسائل لا يمكن حسمها بمجرد الأسماء القبلية أو الأرقام المتداولة في كتب المقاتل والتاريخ... ؛ وإن كانت هذه الروايات لا تمنحنا بالضرورة صورةً يقينيةً ومتكاملةً عن حقيقة ما جرى، فإنها تزوّدنا ببيانات وقرائن قد تكون أقرب إلى تصوير الواقع، أو على الأقل، إلى الكشف عمّا شاع وتكرّس في أذهان الناس في أعقاب الواقعة.
ومن الخطأ أيضًا تحويل عدد الرؤوس التي تذكر بعض الروايات أنها حُملت بعد المعركة إلى تعداد للعشائر أو إلى دليل على أن كل قبيلة شاركت بكاملها.. , فالرأس يمثل شخصًا مقتولًا، لا قبيلةً كاملة، وقد يحمل أفراد من جماعة واحدة رؤوسًا متعددة، كما قد ينتمي المقاتلون إلى قبيلة واحدة من دون أن يكونوا جميعًا من فرعها القريب أو موطنها الأصلي.. , إن الاستدلال العددي يحتاج إلى قوائم موثوقة ومقارنة بين الروايات، لا إلى تحويل الرمز إلى إحصاء.
وعليه، فإن الدفاع التاريخي الرصين عن شيعة العراق لا يحتاج إلى الادعاء بأن الكوفيين لم يشاركوا، أو أن جيش عمر بن سعد كان غريبًا عن العراق بأكمله.. , فمثل هذا الادعاء قد يضعف الحجة بدل أن يقويها؛ لأن الروايات تذكر مشاركة أفراد وقادة ارتبطوا بالكوفة وبالبيئة العراقية.. , والحجة الأقوى والأكثر ثباتًا هي أن مشاركة بعض الكوفيين لا تجعل كل الكوفيين مشاركين، وأن وجود أفراد من بيئة كوفية أو عراقية ضمن أجهزة السلطة لا يثبت أن تلك البيئة أو الجماعة بأسرها قد اتخذت موقفهم.
إن الجريمة تُنسب إلى من ارتكبها، وإلى من أمر بها أو أعان عليها أو أقرها بحسب درجة مسؤوليته، لا إلى كل من جمعته بالجاني مدينة أو قبيلة أو مذهب أو لغة.
خامسًا: معنى «الشيعة» في القرن الأول الهجري؛ ضرورة الحذر من إسقاط المفاهيم المتأخرة على الماضي
من المسائل التي تستوجب الانتباه عند قراءة أخبار كربلاء دلالة لفظ «الشيعة».. , فكلمة الشيعة في الاستعمال العربي والسياسي المبكر كانت تدل، في أصل معناها، على الأتباع والأنصار وأصحاب الولاء لاتجاه أو شخصية أو قيادة.. , وقد استُعملت في القرن الأول الهجري في سياقات سياسية تتصل بأنصار الإمام علي بن أبي طالب وأهل بيته، كما استُعملت في سياقات أخرى للدلالة على جماعات وفرق مختلفة.
ولا يعني هذا أن التشيع لم يكن له وجود أو مضمون ديني في تلك المرحلة، كما لا يعني أن الهوية الشيعية ظهرت دفعة واحدة في زمن متأخر؛ بل يعني أن تشكل الجماعات الدينية والسياسية كان عملية تاريخية تدريجية، وأن دلالات المصطلحات لم تكن ثابتةً على الصورة الاصطلاحية التي استقرت في العصور اللاحقة.
ويشير مارتن هيندز، في دراسته عن الاصطفافات السياسية الكوفية، إلى أن «الشيعة» كانت واحدة من القوى السياسية التي تبلورت في الكوفة بعد مقتل الإمام علي، إلى جانب الخوارج والقيادات القبلية، وأن هذه الاصطفافات ارتبطت بسياق سياسي واجتماعي محدد.. , كما يدرس نجم حيدر في كتابه أصول الشيعة: الهوية والطقوس والفضاء المقدس في كوفة القرن الثامن تطور الهوية الشيعية ومؤسساتها وشبكاتها في الكوفة، بما يبين أن تشكل الجماعة الدينية لا يمكن اختزاله في لحظة واحدة أو تعريف واحد جامد .
ومن هنا ينبغي أن نتعامل بحذر مع العبارات المنقولة في أخبار كربلاء، ومنها ما يُنسب إلى الإمام الحسين في مخاطبة جيش خصومه: «يا شيعة آل أبي سفيان». فحتى لو ثبتت الرواية في مصدرها، فإن فهمها ينبغي أن يكون في سياقها الخطابي والسياسي؛ إذ أن المراد بها أتباع السلطة الأموية وأنصارها، لا تقريرًا اصطلاحيًا عن مذهب ديني بالمعنى الذي استقر لاحقًا.. , ولا يجوز اقتطاع العبارة من سياقها، ثم تحويلها إلى دليل على أن كل من قاتل الحسين كان يحمل هوية مذهبية واحدة، أو أن كل من انتسب إلى التشيع في العصور اللاحقة يتحمل مسؤولية أفعال أولئك المقاتلين.
إن إسقاط التصنيفات المذهبية المتأخرة على أحداث القرن الأول الهجري من دون تمحيص قد يؤدي إلى أخطاء مزدوجة: فهو من جهة يشوّه فهم التكوين التاريخي للجماعات الإسلامية، ومن جهة أخرى يتيح للخطاب الطائفي أن يصنع استمراريةً متخيلة بين أفراد متباعدين في الزمان والمكان، ثم يحمل اللاحقين مسؤولية أفعال السابقين لمجرد اشتراكهم في اسم أو تقليد ديني.
والأصح أن ندرس كل جماعة في زمنها، وفق مفرداتها ومؤسساتها وشبكاتها الاجتماعية والسياسية، لا وفق التصنيفات التي استقرت بعد ذلك بقرون.
سادسًا: القمع الأموي وتفكيك البيئة الموالية لأهل البيت
لا يمكن فهم ما جرى في الكوفة قبيل كربلاء من دون وضعه ضمن سياق أوسع من سياسات السلطة الأموية تجاه المعارضين، ولا سيما أنصار الإمام علي وأهل بيته.. , فقد شهد العراق، منذ ولاية زياد بن أبيه وما تلاها، إجراءات سياسية وأمنية هدفت إلى إحكام السيطرة على المدن والقبائل، وإضعاف مراكز المعارضة الشيعية ، ومراقبة الشخصيات العراقية التي يُخشى أن تتحول إلى بؤر لتحدي الحكم الاموي .
وكانت الكوفة مدينة ذات ثقل سياسي وعسكري؛ فهي ليست مجرد تجمع سكاني، بل مركز لإدارة الجند، وتنظيم العطاء، وتوزيع النفوذ القبلي، وتوجيه الحملات والغزوات … ؛ ولذلك كان ضبطها مسألة استراتيجية بالنسبة إلى السلطة الأموية.. , فالمعارضة التي تنشأ فيها لا تبقى بالضرورة شأنًا محليًا؛ إذ يمكن أن تمتد آثارها إلى بقية العراق، أو أن تتحول إلى تهديد مباشر لشرعية الحكم.
وفي هذا السياق، ترد في كتب التاريخ أخبار عن نقل جماعات من أهل العراق والكوفة إلى خراسان في عهد زياد بن أبيه، وعن استخدام التهجير وسيلةً لإعادة توزيع السكان وإضعاف مراكز الاعتراض.. , لكن الأرقام المتداولة في هذا الباب، ومنها القول بنقل خمسين ألفًا، تحتاج إلى مراجعة أسانيدها وسياقاتها وتحديد المقصود بها: هل تتحدث الرواية عن رجال أم أسر؟ وهل تشمل البصرة والكوفة معًا؟ وهل الرقم تقدير إجمالي أم عدد محدد؟ كما ينبغي التمييز بين من نُقل لأسباب سياسية، ومن نُقل لأسباب عسكرية أو إدارية، وان كان جلهم ان لم نقل كلهم من شيعة وانصار واتباع الامام علي ومحبيه .
إن أهمية هذه الأخبار لا تكمن في تحويلها إلى أرقام قطعية، بل في دلالتها العامة على أن السلطة كانت تمتلك أدوات لإعادة تشكيل المجال السكاني والسياسي، وأن القمع لم يكن دائمًا عقوبةً فرديةً فحسب، بل قد يأخذ صورة سياسات جماعية تمسّ الاستقرار الاجتماعي والروابط القبلية وشبكات المعارضة.
وهنا يظهر البعد الأنثروبولوجي للمسألة؛ فالجماعة السياسية لا تتكون من أفكار مجردة وحدها، وإنما من علاقات القرابة والتحالف والجوار والمصلحة والذاكرة المشتركة.. , وحين تضرب السلطة هذه الشبكات بالتهجير والاعتقال والتهديد، فإنها لا تسكت فردًا واحدًا، بل قد تفكك قدرة مجتمع كامل على التنظيم والتعبير عن موقفه.
ومع ذلك، لا ينبغي أن ننتقل من إثبات وجود القمع إلى القول إن كل من عاش في الكوفة كان معارضًا للحكم، أو إن كل من لم يلتحق بالحسين كان ضحيةً لا خيار له.. , فالتاريخ الاجتماعي لا يسمح بهذه الأحكام المطلقة، بل يقتضي التمييز بين فئات المجتمع وأدوارها ومواقفها.
سابعًا: الخيانة والخوف والعجز والانتهازية؛ أربعة مواقف لا يجوز وضعها في سلة واحدة
إن من أخطر نتائج القراءة الطائفية للتاريخ أنها تسوّي بين أفعال مختلفة، وتضعها تحت عنوان واحد، ثم تبني عليها حكمًا شاملًا.. , فالتراجع عن نصرة الحسين، مثلًا، ليس بالضرورة فعلًا واحدًا متطابقًا عند جميع من تراجعوا؛ إذ قد يكون نكثًا متعمدًا للعهد، وقد يكون خوفًا من بطش السلطة، وقد يكون عجزًا عن الوصول، وقد يكون ترددًا وانتهازيةً، وقد يكون نتيجةً لتفكك التنظيم وغياب القيادة والقدرة على الفعل.
ومن الناحية الأخلاقية والتاريخية، يمكن التمييز بين أربع حالات أساسية:
1\. الخيانة ونكث العهد: وهي حالة من أعلن النصرة أو بايع أو تعهد، ثم انقلب على موقفه مع قدرته على الوفاء، أو أسهم في تسليم أنصار الحسين إلى السلطة، أو شارك في إجهاض حركتهم لمصلحة الحكم.. , وهذه مسؤولية لا يصح تبريرها بمجرد الانتماء إلى مجتمع تعرض للقمع.
2\. الخوف تحت التهديد: وهو موقف من واجه خطرًا حقيقيًا على حياته أو أسرته أو ماله، فتراجع عن المشاركة أو امتنع عن إعلان موقفه.. , ولا يمكن الحكم على كل حالة من هذا النوع من دون معرفة مقدار الإكراه والقدرة على الاختيار.. , فالخوف ليس دائمًا عذرًا مطلقًا، لكنه عامل لا يجوز تجاهله عند تقدير المسؤولية.
3\. العجز عن الفعل: فقد يكون الإنسان مؤيدًا في موقفه، لكنه عاجز عن الوصول أو الاتصال أو الحركة، بسبب الحصار أو المراقبة أو السجن أو تفكك الجماعة أو انقطاع وسائل التواصل.. , وهذا يختلف عن الخيانة، وإن كان لا يجعل العجز فضيلةً في ذاته – في بعض الحالات – .
4\. الانتهازية والمصلحة: وهي موقف من يبدل ولاءه تبعًا لموازين القوة، فيناصر صاحب السلطة حين يملك القوة، ويتخلى عنه حين يضعف، أو يتخذ من الصراع فرصةً للحصول على منصب أو مال أو نفوذ.. , وهذه الفئة لا يحركها بالضرورة اقتناع ديني أو سياسي، بل حساب المصلحة الخاصة.
وهذه الفوارق ليست مجرد تقسيمات نظرية؛ بل هي ضرورية لمنع الظلم في الحكم على الماضي.. , فمن غير المقبول أن نضع من قتل الحسين في مرتبة من عجز عن الوصول إليه، أو أن نساوي بين من سلّم مسلم بن عقيل إلى السلطة وبين من لم يشارك في الحركة، أو أن نبرئ من قاتل لمجرد أن النظام الذي قاتل في صفه كان يملك أدوات القمع.
إن العدالة لا تعني إلغاء المسؤولية تحت ضغط التعاطف، كما لا تعني توسيع دائرة الإدانة تحت ضغط الغضب والانفعال والتعصب .. , إنها تعني أن يكون الحكم متناسبًا مع الفعل، وأن يُراعى فيه القصد والقدرة والاختيار والنتيجة.
ثامنًا: من المسؤول عن مقتل الامام الحسين؟ تفكيك المسؤولية السياسية والعسكرية والفردية
إن السؤال عن المسؤولية في واقعة كربلاء لا ينبغي أن يُطرح بصيغة عامة ومبهمة، من قبيل: من قتل الحسين؟ بل ينبغي تفكيكه إلى مستويات متعددة، لأن الجريمة السياسية الكبرى
لا تقع عادةً بفعل شخص واحد، وإنما تتداخل فيها إرادة السلطة، وأوامر القيادة، وأفعال المنفذين، ومواقف المتواطئين والمتخاذلين.
أولًا: المسؤولية السياسية العليا
تتصل هذه المسؤولية بالسلطة الاموية التي فرضت مسألة البيعة، وأدارت الأزمة، وقررت التعامل مع موقف الحسين بوصفه تحديًا سياسيًا ينبغي إخضاعه.. , ولا يمكن فهم المواجهة بمعزل عن انتقال الحكم إلى يزيد بن معاوية، وعن إصرار السلطة على انتزاع البيعة، وعن تعيين عبيد الله بن زياد للتعامل مع المعارضة في العراق.
ثانيًا: مسؤولية الإدارة والولاية
تتصل هذه المسؤولية بعبيد الله بن زياد، والي الكوفة، الذي تولى إدارة الأزمة، وأشرف على إخضاع المدينة، وملاحقة حركة مسلم بن عقيل، وإرسال القوة العسكرية التي اعترضت الحسين.. , وهي مسؤولية سياسية وأمنية لا تختزل في فعل القتل المباشر، بل تشمل إدارة الظروف التي أفضت إلى المواجهة.
ثالثًا: مسؤولية القيادة العسكرية
تتصل هذه المسؤولية بعمر بن سعد، قائد الجيش الذي واجه الحسين في كربلاء، وبالقادة الذين شاركوا في تنفيذ الحصار والقتال، وبكل من ثبتت عليه أفعال محددة في إدارة المعركة أو الاعتداء على الحسين وأصحابه وأهل بيته.. , ولا يجوز أن تُذاب مسؤولية هؤلاء في عبارة عامة عن «أهل الكوفة»؛ لأن المسؤولية العسكرية تتحدد بالأوامر والقرارات والأفعال والأدوار.
رابعًا: المسؤولية الفردية للمقاتلين والمنفذين
كل من ثبت أنه شارك في قتل الحسين أو أصحابه، أو أعان على ذلك، أو اعتدى على النساء والأطفال، يتحمل مسؤولية فعله بقدر ما ثبت عليه.. , ولا يُعفى من هذه المسؤولية لأنه كان كوفيًا أو عراقيًا أو عربيًا أو أعجميا ، ولا يُدان بها من لم يشارك لمجرد أنه ينتمي إلى المدينة أو البيئة التي خرج منها بعض الجناة.
خامسًا: مسؤولية التواطؤ والخذلان
وهذه المسؤولية تحتاج إلى تفصيل؛ فمن أعان السلطة على قمع أنصار الحسين، أو حرّض عليهم، أو سلّمهم إليها، أو امتنع عن نصرتهم مع امتلاكه القدرة والاختيار، لا يستوي مع من لم يكن طرفًا في الحركة أصلًا، أو من كان عاجزًا عن الفعل تحت تهديد مباشر.. , كما أن درجة المسؤولية الأخلاقية والسياسية تختلف بحسب موقع الشخص ومدى تأثيره وقدرته على تغيير مسار الأحداث.
إن هذا التفكيك لا يهدف إلى تخفيف فداحة المأساة، بل إلى منع تشويهها.. , فحين نحمّل جماعةً كاملةً مسؤولية فعل أفراد منها، فإننا لا ننصف الضحايا، بل نضيف إلى المأساة ظلمًا جديدًا يقع على أناس لم تثبت مشاركتهم فيها.
تاسعًا: الذاكرة المذهبية وصناعة الذنب الموروث
تتحول بعض الوقائع التاريخية، مع مرور الزمن، من أحداث مرتبطة بظروفها السياسية والاجتماعية إلى رموز تستخدمها الجماعات في بناء هويتها، أو في مهاجمة هويات أخرى.. ؛ وهذا أمر معروف في التاريخ الاجتماعي للأديان والمجتمعات؛ فالذاكرة الجماعية لا تحتفظ بالماضي كما وقع تمامًا، بل تنتقي منه وتعيد تفسيره وتمنحه دلالات تتناسب مع أسئلة الحاضر وصراعاته.
وقد أصبحت كربلاء في الوجدان الشيعي رمزًا للثبات في مواجهة الظلم، والتضحية في سبيل المبدأ، ورفض الخضوع للسلطة الجائرة.. , وفي المقابل، استُخدمت أحيانًا في الخطاب المعادي للشيعة باعتبارها وسيلةً لاتهامهم بالتناقض التاريخي، من خلال القول إن أسلافهم هم الذين دعوا الحسين ثم خذلوه وقتلوه، وإنهم بالتالي يحملون مسؤولية المأساة.
وهذا الاستدلال ينطوي على مغالطتين واضحتين:
المغالطة الأولى هي افتراض أن كل من كان في الكوفة سنة 61هـ كان شيعيًا بالمعنى الديني والاجتماعي الذي نعرفه اليوم، وهذا افتراض لا تثبته الوقائع ولا تسمح به طبيعة المجتمع الكوفي وتعدد اتجاهاته آنذاك .
أما المغالطة الثانية فهي افتراض انتقال المسؤولية الأخلاقية عبر الأجيال بمجرد الاشتراك في الانتماء المذهبي أو الجغرافي.. , وهذا مبدأ لا يمكن قبوله في أي بحث تاريخي أو أخلاقي؛ إذ لا يُحاسب الإنسان على فعل لم يرتكبه، ولا يرث الجريمة لمجرد أن أحد أسلافه أو أحد أبناء مدينته ارتكبها.
ولو أخذنا بهذا المنطق، لأصبح كل شعب مسؤولًا عن جرائم بعض حكامه وجنوده، ولأصبحت كل أمة متهمةً بما ارتكبه أفراد منها في حروبها وصراعاتها، ولتحولت الهويات الدينية والقومية والجغرافية إلى سجلات اتهام لا تنتهي.
إن تحميل شيعة العراق مسؤولية مقتل الحسين لمجرد أنهم ينتسبون إلى التشيع، أو لأن الكوفة أصبحت لاحقًا مركزًا من مراكز التشيع، هو خلط بين التاريخ بوصفه وقائع محددة، والهوية بوصفها انتماءً متغيرًا عبر الزمن.. , كما أنه يتجاهل أن الجماعات الدينية لا تتكون من أفراد ثابتين عبر القرون، وإنما تتشكل وتتوسع وتتغير مؤسساتها ومفاهيمها وشبكاتها الاجتماعية وذاكرتها.
وقد تناولت دراسات حديثة تشكل الهوية الشيعية في الكوفة وتطورها عبر القرون، وأوضحت أن المدينة احتضنت اتجاهات دينية واجتماعية متعددة، وأن حضور التشيع فيها اتخذ صورًا مؤسسية وفكرية متطورة تاريخيًا، لا صورة واحدة مكتملة منذ لحظة تأسيسها .
ولذلك ينبغي أن نفرّق بين ثلاثة أمور: تاريخ الكوفة في القرن الأول الهجري، وتطور التشيع في العراق خلال القرون اللاحقة، وهوية شيعة العراق في العصر الحديث.. , فهذه مستويات تاريخية متصلة، لكنها ليست شيئًا واحدًا، ولا يجوز دمجها في حكم أخلاقي واحد.
عاشرًا: كربلاء والعراق؛ لماذا لا يجوز تحويل الجغرافيا إلى تهمة؟
إن العراق، بوصفه مجالًا جغرافيًا وتاريخيًا، كان مسرحًا لصراعات سياسية وعسكرية متعاقبة، واحتضن جماعات وقبائل ومدنًا ومراكز نفوذ متباينة.. , ولم يكن سكانه في أي مرحلة كتلةً متجانسةً في الموقف أو الولاء أو المصلحة.. , والكوفة نفسها، التي كانت مركزًا سياسيًا مهمًا، لم تكن تمثل العراق كله، فضلًا عن أن تكون ممثلةً لكل من عاش فيها.
ومن ثم فإن الانتقال من القول إن بعض أهل الكوفة شاركوا في قتل الحسين إلى القول إن العراقيين جميعًا مسؤولون عن مقتله انتقال غير مشروع من الجزء إلى الكل.. , كما أن الانتقال من وجود أفراد شيعة في الكوفة إلى تحميل الشيعة المعاصرين مسؤولية أفعالهم انتقال غير مشروع من الماضي إلى الحاضر، ومن الفرد إلى الجماعة، ومن الفعل المحدد إلى الهوية العامة.
والأمر لا يتعلق بالدفاع عن العراقيين على أساس عاطفي أو قومي، بل بمبدأ تاريخي وأخلاقي عام: لا يجوز أن تتحول المدينة إلى متهم، ولا القبيلة إلى جاني، ولا المذهب إلى محكمة، ولا النسب إلى سجل ذنوب.
إن العراق لم يكن يومًا شخصًا واحدًا حتى يُدان أو يُبرّأ بجملة واحدة… ؛ ففيه من ناصر الحسين، ومن خذله، ومن قاتله، ومن عارض قتله، ومن سكت، ومن عجز، ومن لم يكن طرفًا في الحدث أصلًا… ؛ كما أن المجتمع العراقي اللاحق لم يكن امتدادًا بشريًا مباشرًا ومتماثلًا لكل من عاش في الكوفة قبل أربعة عشر قرنًا؛ فقد تبدلت فيه السكان والأنساب والتحالفات واللغات والاتجاهات الدينية والسياسية.
ومن هنا فإن عبارة «أهل الكوفة قتلوا الحسين» إذا أُريد بها أن بعض القوى والأفراد من أهل الكوفة شاركوا في الجريمة، فهي عبارة يمكن مناقشتها تاريخيًا وتحديد أصحابها وأدوارهم.. , أما إذا أُريد بها إدانة جميع سكان الكوفة، أو جميع العراقيين، أو جميع الشيعة في كل زمان، فهي عبارة تتجاوز حدود الدليل وتتحول إلى تعميم طائفي منكوس .
حادي عشر: إنصاف شيعة العراق لا يكون بتزوير التاريخ، بل بتحريره من التعميم
من الضروري أن نؤكد أن الدفاع عن شيعة العراق لا ينبغي أن يقوم على إنكار مشاركة بعض أهل الكوفة في جيش عمر بن سعد، أو الادعاء بأن جميع المقاتلين كانوا غرباء عن العراق، أو الزعم بأن أي شخص من البيئة الكوفية لم يكن له دور في أحداث ذلك العصر.. , فهذه الادعاءات، إن لم تسندها أدلة موثوقة، لا تخدم الحقيقة ولا تحمي الجماعة المستهدفة من الاتهام؛ بل تجعل الدفاع عنها قائمًا على روايات قابلة للنقض.
إن الدفاع الحقيقي يبدأ من الاعتراف بما ثبت، ورفض ما لم يثبت، والتمييز بين الأفراد والجماعات، وبين الفعل والهوية، وبين المسؤولية المباشرة والذنب الموروث.
ولا ينبغي أن يخشى الباحث من الاعتراف بأن بعض أهل الكوفة خذلوا الحسين، أو أن بعضهم شاركوا في قتاله؛ فالحقيقة لا تضر جماعةً لمجرد أن أفرادًا من بيئتها أخطؤوا أو خانوا.. , الذي يضرها هو أن تتحول أخطاء هؤلاء الأفراد إلى حكم شامل عليها، وأن يُطلب منها أن تدافع عن نفسها من جريمة لم ترتكبها، وأن تقدم صك براءة تاريخيًا لكل من عاش في مدينة الكوفة أو انتسب إلى العراق.
إن شيعة العراق ليسوا جماعةً واحدةً متوارثةً في الأشخاص والأفعال منذ القرن الأول الهجري، كما أن أهل الكوفة لم يكونوا جميعًا على رأي واحد، ولا يجوز اختزال تاريخ مدينة كاملة في موقف بعض رجالها.. , فالهوية الدينية لا تجعل الإنسان مسؤولًا عن أفعال كل من سبقه في الانتماء إليها، تمامًا كما لا تجعل الهوية الوطنية المواطن مسؤولًا عن جرائم كل من حكم بلاده أو قاتل باسمها.
كما أن المرويات التاريخية لم تنقل إلينا، فيما نعلم، مشاركة جماعات شيعية معروفة أو شخصيات بارزة من أتباع الإمام علي بن أبي طالب في قتال الإمام الحسين ؛ بل إن المعطيات التي أوردتها تلك المرويات تشير إلى خلاف ذلك؛ إذ إن القوة التي كانت تحت إمرة عمر بن سعد لم تكن مقتصرة على فئة واحدة، بل ضمّت، ضمن تشكيلاتها، جماعات من الأساورة والأحامرة، وهم من العناصر ذات الأصول الأعجمية، وكانوا يشكّلون جزءًا من الجيش الذي حُشد لقتال الحسين، لا الجيش بأكمله.. , ومن جهة أخرى، كان الحرّ بن يزيد الرياحي عثمانيَّ الهوى، أي من أنصار الخليفة عثمان بن عفان والمنتسبين إلى اتجاهه السياسي، كما كان بين قادة الجيش وأفراده من ارتبطوا بالاتجاهين العثماني والأموي، ومن عُرفوا بمواقفهم المناوئة لأهل البيت.. , وبذلك، فإن توصيف المشاركين في قتال الحسين لا ينبغي أن يُختزل في انتماء مذهبي واحد، بل ينبغي أن يُقرأ في ضوء تنوّع أصولهم وولاءاتهم واتجاهاتهم السياسية.
كما أن مفهوم التشيّع يتنافى جوهريًّا مع عصيان أوامر المعصوم، فضلًا عن الخروج عليه أو مقاتلته؛ وعليه، فإذا ثبتت مشاركة شخصٍ في قتال الإمام الحسين ، وكان يُنسب إلى التشيّع، فإن فعله هذا يتناقض مع حقيقة التشيّع ومقتضياته، وينقض انتسابه إليه من الناحية المبدئية والواقعية ؛ إذ لا يستقيم أن يدّعي المرء الولاء للإمام ثم يقف في صفّ من يقاتله.. , فالتناقض بين الأمرين جليٌّ لا لبس فيه، كالتناقض بين الظلام والنور .
بل إن كربلاء نفسها، بما تحمله من دلالات دينية وأخلاقية، تفرض على من يستحضرها أن يكون أكثر دقةً في الحكم، لا أكثر اندفاعًا نحو التعميم… ؛ فإذا كانت المأساة قد ارتبطت بمواجهة الظلم، فإن تحويلها إلى أداة لظلم جماعة معاصرة يناقض جوهر العبرة التي يستحضرها الناس منها.
ثاني عشر: من المسؤولية التاريخية إلى العدالة المعاصرة
إن لهذه المسألة امتدادًا يتجاوز حدود التاريخ القديم؛ لأنها تكشف عن آلية متكررة في المجتمعات المعاصرة، تتمثل في تحويل الجماعات إلى وحدات اتهام جماعي.. , فقد يُدان أبناء منطقة بسبب موقف بعض أهلها، أو يُحمّل مذهب ديني مسؤولية أفعال جماعات مسلحة تنتسب إليه، أو تُتهم قومية بأكملها بسبب جرائم ارتكبها نظام سياسي أو تنظيم عسكري.
وهذا المنطق لا ينتج عدالةً ولا معرفةً، بل يعيد إنتاج الانقسام الاجتماعي، ويمنح الخصومات السياسية غطاءً تاريخيًا أو دينيًا.. , فبدل أن يُسأل الفرد عن فعله، يُسأل عن اسمه ومذهبه وأصله ومنطقته.. , وبدل أن تُدرس القرارات والمؤسسات والقيادات، تُختزل الوقائع في اتهام جماعي يسهل تداوله في الخطابات التحريضية.
ومن الناحية الاجتماعية، يؤدي هذا النوع من الخطاب إلى تثبيت الحدود بين الجماعات، وإعادة إنتاج العداء عبر الأجيال، وتحويل الذاكرة إلى أداة تعبئة.. , ومن الناحية السياسية، قد تستفيد منه القوى التي تريد إبقاء المجتمع منقسمًا، لأن الجماعات التي تنشغل بتبادل الاتهامات التاريخية تكون أقل قدرة على مساءلة السلطة ومحاسبة الفاعلين المعاصرين.
ومن الناحية الدينية، فإن تحميل الإنسان ذنب غيره يتعارض مع مبدأ المسؤولية الفردية الذي تقرره النصوص القرآنية، ومنها : ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: 164].
وهذا المبدأ ليس مجرد قاعدة وعظية، بل هو أساس أخلاقي وقضائي يمنع نقل المسؤولية من مرتكب الفعل إلى من لا صلة له به.. , فالجريمة لا تصبح موروثةً لأن أبناء الجاني أو أبناء مدينته أو أبناء مذهبه لم يتبرؤوا منه بما يكفي، ولا يصبح الإنسان متهمًا لأن جماعةً أخرى تشترك معه في اسم أو انتماء.
إن استدعاء كربلاء ينبغي أن يكون مناسبةً لمساءلة الظلم والاستبداد والخيانة السياسية، لا مناسبةً لإعادة إنتاج الخصومة بين العراقيين.. , وينبغي أن يكون معيار الحكم هو الفعل، لا الهوية؛ والبرهان، لا الشائعة؛ والسياق التاريخي، لا الذاكرة الانتقائية.
خاتمة: لا تجعلوا جغرافيا الجريمة نسبًا موروثًا
إن إنصاف شيعة العراق وأهل الكوفة من التعميم التاريخي لا يعني تبرئة كل كوفي، ولا إنكار خذلان بعض من دعوا الحسين، ولا إعفاء من شارك في قتاله من مسؤوليته.. , بل يعني وضع كل شخص في موضعه التاريخي، والتمييز بين من دعا ومن نكث، وبين من قاوم ومن خاف، وبين من عجز ومن تواطأ، وبين من أمر ومن نفذ، وبين من ارتكب الجريمة ومن لم يكن له فيها يد.
لقد كانت الكوفة مدينةً متعددة الاتجاهات والمصالح والولاءات، وكانت واقعة كربلاء نتيجةً لتشابك السلطة الأموية مع قوى محلية واجنبية وقيادات عسكرية وأفراد شاركوا في المواجهة، أو تخلوا عن النصرة، أو عجزوا عن الفعل.. , ولا يمكن اختزال هذه البنية المعقدة في عبارة واحدة تُحمّل جميع أهل المدينة المسؤولية، فضلًا عن تحميل العراقيين وشيعة العراق في العصور اللاحقة وزر تلك الأحداث.
إن من حق التاريخ أن يُروى كما تسمح به شواهده، ومن حق الضحايا ألا تُمحى مسؤولية من اعتدى عليهم، ومن حق الأحياء ألا يُدانوا بجرائم لم يرتكبوها.. , فلا ينبغي أن نبرئ القاتل بحجة الانتماء، ولا أن نتهم البريء بحجة الجغرافيا، ولا أن نحول المذهب إلى وراثة للذنب.
إن جريمة كربلاء مسؤولية من صنعها وأمر بها وشارك فيها أو أعان عليها، كلٌّ بحسب دوره وما ثبت عليه؛ وليست وصمةً تُورَّث لأهل العراق، ولا تهمةً تُعلَّق برقاب شيعته، ولا ذنبًا جماعيًا يتوارثه الأبناء عن الآباء.
فأنصفوا شيعة العراق، وأنصفوا أهل الكوفة، وأنصفوا التاريخ نفسه؛ لأن التاريخ لا يحتاج إلى محامين يزوّرون وقائعه، ولا إلى خصوم يوسّعون دائرة الاتهام، بل يحتاج إلى باحثين يميزون بين الحقيقة والتوظيف، وبين المسؤولية والهوية، وبين الجريمة والذاكرة.
……………………………………………………………..
المصادر والمراجع
1. الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الرسل والملوك، حوادث سنتي 60 و61هـ؛ ولا سيما أخبار خروج الإمام الحسين، ورسائل أهل الكوفة، وحركة مسلم بن عقيل، ووقعة كربلاء.
2. البلاذري، أحمد بن يحيى، أنساب الأشراف، أخبار الإمام الحسين وبني هاشم وأحداث العصر الأموي.
3. الدينوري، أبو حنيفة أحمد بن داود، الأخبار الطوال، أخبار خلافة يزيد ومقتل الحسين.
4. ابن الأثير، علي بن محمد، الكامل في التاريخ، حوادث سنتي 60 و61هـ.
5. الشيخ المفيد، محمد بن محمد بن النعمان، الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد، باب أخبار الإمام الحسين ومقتله.
6. ابن طاووس، علي بن موسى، اللهوف على قتلى الطفوف، أخبار مقتل الإمام الحسين؛ مع ضرورة مراعاة طبيعة الكتاب ومقصده ومقارنته بالمصادر التاريخية الأقدم.
7. المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، أبواب أحوال الإمام الحسين وواقعة الطف؛ وهو جامع روائي متأخر ينبغي ردّ رواياته إلى مصادرها الأقدم عند التحقيق.




