
سعد جاسم الكعبي
كاتب عراقي
رياض موظف بسيط كان يحلم بأن يكون عنده بيت أو سيارة بفضل سلفة يحصل عليها على راتبه الوظيفي فإذا به يجد ان راتبه يضيع قبل منتصف الشهر لانه وطن راتبه على مصرف الرافدين الذي لايمنح اية سلف كبيرة مقارنة بالمصارف الاخرى.
يبدو أن وزير المالية فالح الساري قد وضع مصرف الرافدين في زاوية حرجة وأحرجه أمام ملايين الموطنين على المصرف ، حين طالبه بواجبه الحقيقي، وهو منح سلف نقدية حقيقية تنفع المواطن، لا تلك الفتات التي تعود عليها المصرف لسنوات.
لقد تعود الرافدين على منح مبالغ مالية زهيدة، يعرفها الموظف جيداً بأسماء ساخرة أطلقها بنفسه من شدة غضبه، فسماها “سلفني” التي تحولت في الشارع إلى “سلبني”، و “رجع فلوسك” و “كردت كارد”. سلف لا تغني ولا تشبع من جوع، لكنها أكلت رواتب المواطنين بالفوائد المهولة والاستقطاعات التي لا تنتهي، حتى جعلت الموظف يلعن اليوم الذي وطن فيه راتبه على أقدم وأكبر مصرف عراقي.
المفارقة المؤلمة أن المصارف الأخرى، حتى المصارف الأهلية الصغيرة التي تأسست قبل سنوات قليلة، تمنح اليوم قروضاً وسلفاً بعشرات الملايين، 50 و 100 مليون دينار، يستطيع بها المواطن أن يشتري قطعة أرض، أو داراً يستر عائلته، أو سيارة تغير حياته وتساعده على العمل. إلا مصرف الرافدين، فالمواطن عنده مسلوب الراتب، عاجز أن يكمل شهره، راتبه يتبخر بين الاستقطاعات والسلف الصغيرة التي لا تسد حتى إيجاراً.
سلفة الـ 5 ملايين وخوارزمية آينشتاين
وحين جاء طلب الوزير، اضطر الرافدين على مضض أن يعلن عن منح سلف ما بين 5 و 10 ملايين دينار، وهي في الحقيقة لا تزال زهيدة جداً مقارنة بما تمنحه المصارف الأخرى، لكنها على الأقل أفضل من سلفة الـ 3 ملايين التي كانت أشبه بإهانة للموظف.
لكن المصرف، وكعادته، لم يمنحها بشكل طبيعي. بل اخترع لها ما يمكن أن نسميه بحق “خوارزمية معقدة لا يحلها حتى آينشتاين في زمانه”.
ما هي الخوارزمية المعقدة؟ هي كما يعرفها أهل الاختصاص، خوارزمية لا يمكن تنفيذها بخطوات مباشرة وبسيطة، بل تتطلب منطقاً متداخلاً، وعمليات حسابية كثيرة، ووقتاً وذاكرة كبيرة للوصول للحل. هي مثل بناء مدينة كاملة، فيها آلاف الخطوات المتداخلة، كل خطوة تعتمد على التي قبلها، ولو غيرت متغيراً واحداً صغيراً يجب أن تعيد حساب كل شيء من جديد.
وهذا بالضبط ما فعله الرافدين:
تعقيد زمني عالي: يفتح التقديم لدقائق معدودة فقط، وفي وقت غير معلوم، فلو دخلت متأخراً دقيقة واحدة ضاعت فرصتك.
2. التداخل والتكرار: آلية تقديم إلكترونية تفشل، وتطبيق يعلق، ورمز تحقق لا يصل، وكأن الخوارزمية تستدعي نفسها مئات المرات لتلفظك خارجاً.
3. عدم وجود حل مباشر: لا يوجد قانون واضح للقبول. يعلن المصرف أنه سيمنح 5 آلاف مواطن فقط من بين أكثر من مليوني موطن راتبه عليه. فكيف يتم اختيارهم؟ وبأي عدالة؟ إنها لغز محير.
خمسة آلاف فقط! في بلد فيه ملايين الموظفين والمتقاعدين الموطنة رواتبهم على الرافدين. نسبة لا تتجاوز 0.2%، وكأنك تربح اليانصيب، وليس حقاً من حقوقك كمواطن وطن راتبه.
لقد أحرج الرافدين موطنيه حقاً. فبدلاً من أن يكون سنداً للموظف البسيط، أصبح عبئاً عليه. يسمي استقطاعاته “لبن” وغيرها من المسميات التي ما أنزل الله بها من سلطان، بينما هي في الحقيقة نهب منظم لراتب لا يكفي لسد رمق عائلة.
الحل ليس مستحيل، لكنه يحتاج قرار شجاع، لأن مشكلة الرافدين ليست تقنية، هي مشكلة عقلية ونظام.
خوارزمية الرافدين المعقدة مقصودة، حتى يقل الطلب ويتخلص المصرف من الضغط، ويبقي الفلوس تبرم براسه ويشغلها بغير مكان. الحل يجب أن يكون من 3 جهات:
أولاً: الحل من الدولة و وزارة المالية والبنك المركزي
إلغاء بدعة الـ 5000 مواطن والدقائق المعدودة
السلفة ليست جائزة يانصيب. الحل هو نظام مفتوح 24 ساعة، مثل باقي مصارف العالم. تقدم اليوم، تدخل قائمة انتظار إلكترونية شفافة برقم، وتعرف دورك ومتى تستلم.
انتهى زمن “افتحنا التقديم دقائق وسكرناه”.
رفع سقف السلفة وتوحيد الفائدة
ما قيمة 5 ملايين اليوم؟ لا تشتري حتى غرفة. المصارف الأهلية تمنح 30 و 50 و 100 مليون بفائدة 2% و 3%. الرافدين يمنح 5 ملايين بفائدة تصل لـ 8% و 9% بعد الاستقطاعات الخفية. الحل:
• أقل سلفة 15 مليون، وأعلى سلفة 50 مليون • فائدة ثابتة لا تتجاوز 3% سنوياً • إلغاء كل المسميات الوهمية: “لبن، خدمات، عمولة” ودمجها في قسط واحد واضح.
فرض منافسة حقيقية
قرار من البنك المركزي: إذا لم يمنح الرافدين والرشيد سلفاً حقيقية خلال 3 أشهر، يحق للموظف نقل توطينه فوراً لأي مصرف أهلي بدون شروط تعجيزية. حينها فقط سيخاف الرافدين على زبائنه ويتحرك.
ثانياً: الحل من إدارة مصرف الرافدين نفسه
إذا أراد المصرف أن يستعيد ثقة الناس:
الشفافية الكاملة: بث مباشر لعدد المتقدمين والمقبولين. تطبيق يعمل فعلاً، وليس تطبيقاً يعلق عند إدخال الرمز.
موظف راتبه مليون ونص، يستحق 20 مليون. موظف راتبه 600 ألف، يستحق 10 ملايين. معادلة حسابية بسيطة، لا تحتاج لآينشتاين.
إلغاء حجز الراتب: اليوم الرافدين يحجز راتبك كله إذا تأخرت يوماً واحداً. وهذا ما جعل الناس تسميه “سلبني”. الحل هو استقطاع القسط فقط، كما تفعل كل مصارف الدنيا.
إن سياسة “سلف سلبني وراح آخذ فلوسك” التي ينتهجها المصرف، جعلت الموظف العراقي اليوم يفكر ألف مرة قبل أن يوطن راتبه عليه. فالناس تريد مصرفاً يحفظ كرامتها ويمنحها قرضاً حقيقياً تبني به مستقبلها، لا مصرفاً يتعامل معها بخوارزميات معقدة وألغاز ومواعيد سرية كأنه يمنحها صدقة.
كان الله في عون المواطن العراقي على أساليب الرافدين، التي لم تعد أساليب مصرفية، بل أصبحت لغزاً محيراً، سيجعل التاريخ يسجل كيف تحول أعرق مصرف عراقي من بيت للمواطن، إلى بيت يخاف المواطن أن يطرق بابه.







