نوفمبر 1, 2026
1

رياض سعد

إنَّ الحديث عن الأصول التاريخية لمكوّنات المجتمع العراقي يستلزم التمييز بين الانتماء الوطني، والجذور العائلية، والأصول الدينية والقومية، ومسارات الهجرة والاستقرار عبر القرون.. ,  فالعراق، بحكم موقعه الجغرافي وأهميته الحضارية والاقتصادية، كان على امتداد تاريخه موطنًا لشعوب وجماعات متعددة، كما استقبل موجات متعاقبة من المهاجرين والوافدين من البلدان المجاورة والبعيدة، فاستقر بعضهم فيه، واندُمجوا في مجتمعه، وأصبحوا جزءًا من نسيجه السكاني والثقافي.… ؛ في حين لم يمكث بعضُهم الآخرُ فيه إلا زمنًا يسيرًا و طويلا احيانا ، اذ غادره كثيرون، كالزُّطِّ والأتراك والفرس.

ولا يقتصر هذا التنوّع على المسيحيين العراقيين، بل يشمل المسلمين بمذاهبهم المختلفة، والكرد والتركمان وغيرهم من الجماعات القومية والدينية.. ,  فليس كل من ينتمي اليوم إلى جماعة دينية أو قومية في العراق بالضرورة منحدرًا، من جهة جميع أجداده، من سكان البلاد في أقدم عصورها؛ إذ قد تحمل العائلات في أنسابها آثار هجرات قديمة أو حديثة، أو انتقالات سكانية ارتبطت بالحروب والتجارة والاضطهاد الديني والسياسي والظروف الاقتصادية.

ومن الأمثلة التي تستحق البحث والتوثيق قصة ماريا تيريزا أسمر، التي عُرفت في بعض الكتابات الأوروبية بلقب «الأميرة البابلية». وتُنسب إليها أصول عائلية مسيحية كلدانية كاثوليكية، مع الإشارة إلى المكانة الاجتماعية والاقتصادية التي تمتعت بها عائلتها في بغداد… ؛  وتذكر الرواية المتداولة عنها أن والدتها كانت حاملاً بها في بغداد، لكنها اضطرت إلى مغادرة المدينة بسبب انتشار الطاعون وسوء الأحوال، وأن ماريا وُلدت سنة 1804 في خيمة بين أطلال نينوى، بالقرب من تلكيف في شمال العراق.

وتنقل ماريا، بحسب ما يُروى عن مذكراتها، رواية عن أصول بعيدة لعائلتها تربطها بجماعة من البراهمة في الهند اعتنقت المسيحية على يد القديس توما، ثم انتقلت إلى بلاد فارس قبل أن يستقر بعض أفرادها في بغداد.. ,  وإذا ثبتت هذه الرواية في نص مذكراتها الأصلي، فإنها تمثل مثالًا على الكيفية التي يمكن أن تحفظ بها الذاكرة العائلية أخبارًا عن هجرات بعيدة، وعلى امتداد الروابط الدينية والثقافية بين مناطق مختلفة من آسيا والشرق الأوسط.

ومع ذلك، ينبغي التمييز بين ما ترويه المذكرات عن تاريخ الأسرة وما تثبته الوثائق التاريخية المستقلة؛ فالرواية العائلية، مهما كانت جديرة بالاهتمام، لا تكفي وحدها لإثبات جميع حلقات النسب والهجرة، ولا يصح تعميمها على سائر أبناء الطائفة الكلدانية أو على المسيحيين العراقيين عمومًا.

إن أهمية هذه القصة، إذا أمكن توثيق تفاصيلها، لا تكمن في نفي عراقية ماريا تيريزا أسمر أو التشكيك في انتمائها الوطني، بل في إظهار أن الأصول العائلية قد تكون أكثر تنوعًا وتعقيدًا مما توحي به التصنيفات الدينية والقومية المعاصرة.. ,  فالإنسان قد يكون عراقيًا من حيث المولد والنشأة والثقافة والانتماء الوطني، مع امتلاكه جذورًا عائلية تعود إلى مناطق أخرى، كما قد تنتمي أسرته إلى جماعة استقرت في العراق منذ قرون طويلة، فأصبحت جزءًا من تاريخه ومجتمعه.

وينطبق المبدأ نفسه على جماعات أخرى، منها الأرمن الذين استقرت جماعات منهم في العراق في مراحل تاريخية مختلفة، ولا سيما في أعقاب الاضطهادات والمجازر التي تعرضوا لها في أواخر العهد العثماني وخلال الحرب العالمية الأولى وما بعدها.. ,  كما شهد العراق هجرات وانتقالات سكانية من بلاد فارس والأناضول وبلاد الشام وشبه القارة الهندية وغيرها، لأسباب سياسية واقتصادية ودينية وعسكرية.. ,  غير أن هذه التحركات لم تشمل جميع أفراد الجماعات المذكورة، ولم تكن ظروفها أو تواريخها واحدة.

وكذلك لا يمكن افتراض أن جميع السنّة أو الشيعة أو الكرد أو التركمان في العراق ينحدرون من أصل سكاني واحد، أو أن جميعهم قدموا من خارج البلاد.. ,  فالتاريخ السكاني للعراق أقدم من الحدود السياسية الحديثة، وقد شهد تواصلًا طويلًا بين سكانه وبين الجماعات المجاورة، فضلًا عن تحولات لغوية ودينية وثقافية متعاقبة.. ,  ومن ثم، فإن إثبات أصول جماعة بعينها يستلزم دراسة تاريخها ومصادرها وأنسابها وتحركاتها السكانية، بدل الاكتفاء بالانطباعات أو التعميمات.

والأهم من ذلك كله أن الأصل العائلي لا يساوي بالضرورة الانتماء الوطني، كما أن الانتماء الديني أو القومي لا يكفي وحده للحكم على الجذور التاريخية لجميع أفراد الجماعة… ؛ فالهوية الوطنية والاصالة العراقية …  ؛ ليست الهوية العراقية والاصالة الرافدينية هبةً مجانيةً تُمنح لكلِّ مَن هبَّ ودبَّ؛ فالمواطنة شيء، والانتماء العراقي التاريخي شيء آخر.. ,  وليس كلُّ مَن اكتسب الجنسية العراقية حديثًا، أو هاجر إلى العراق خلال القرنين الأخيرين، يحقُّ له أن يدَّعي أن السومريين والأكديين والبابليين والآشوريين أجدادُه وأسلافُه، أو أن ينسب إلى نفسه إرثَ جماجم العرب وملوكَ ميسان والحضر والحيرة، لمجرد اكتسابه الجنسية أو إقامته في العراق.

وكذلك لا  يجوز تحويل التاريخ السكاني إلى وسيلة للطعن في مواطنة جماعة أو الانتقاص من حقوقها.. ,  وفي الوقت نفسه، فإن البحث العلمي في أصول العائلات والجماعات والهجرات حق مشروع، ما دام قائمًا على الوثائق والروايات المحققة والأدلة التاريخية، بعيدًا عن التهويل أو الانتقاء أو الأحكام المسبقة.

إن فهم تاريخ العراق يتطلب الاعتراف بحقيقة مزدوجة: فقد احتفظت البلاد بامتدادات عميقة من سكانها ومكوّناتها التاريخية، واستقبلت كذلك جماعات مهاجرة أسهمت في بناء مجتمعها وحضارتها..,  وقد امتزجت هذه العناصر، بدرجات مختلفة، عبر القرون، وأسهمت في تشكيل الواقع العراقي المتنوع الذي نعرفه اليوم.. ,  ومن هنا، فإن دراسة الأصول والهجرات لا ينبغي أن تكون أداة للإقصاء أو التشكيك في المواطنة، بل سبيلًا إلى فهم أعمق لتاريخ المجتمع العراقي، وكشف ما فيه من استمرارية وتداخل وتحولات.