نوفمبر 5, 2026
LOGO

خالد حسن التميمي

تُجمع كبريات المؤسسات الدولية المتخصصة في الهندسة الانتخابية وتقييم الأداء الديمقراطي، وفي مقدمتها المؤسسة الدولية للديمقراطية والانتخابات (International IDEA) وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP)، على أن تصميم النظام الانتخابي هو المحرك الأساسي لطبيعة الاستقرار السياسي في الدول ذات التنوع المجتمعي. 
ومن هذا المنطلق، أرى أن نظام الدائرة الانتخابية الواحدة على مستوى الوطن يمثل البديل الاستراتيجي الأنسب لمعالجة الاختلالات البنيوية التي خلفتها نظم الدوائر المتعددة .

أولاً: تفنيد عيوب الدوائر المتعددة (الواقع والمحاذير)

أثبتت التجارب الميدانية أن تقسيم البلاد إلى دوائر جغرافية صغيرة ومتعددة يؤدي إلى أضرار بالغة بسلامة العملية الديمقراطية، ومن أبرزها:
• تعزيز المناطقية والعشائرية: يدفع هذا النظام المرشح إلى الانكفاء على الهويات الفرعية الضيقة لضمان الفوز، مما يحول البرلمان من منصة للتسابق البرامجي الوطني إلى ساحة للمحاصصة الخدمية والمناطقية.
• تفتيت الأصوات وهدرها: ضياع ملايين الأصوات التي تذهب للمرشحين الخاسرين في الدوائر الصغيرة، مما يضعف التمثيل الحقيقي ويولد برلماناً لا يعكس الأحجام الفعلية للقوى السياسية في الشارع.
• إقصاء الكفاءات الوطنية: غياب القواعد القبلية أو الجهوية يحرم الشخصيات التكنوقراطية والوطنية المستقلة من الفوز، حيث تطغى العلاقات الشخصية والنفوذ المحلي في المساحات الجغرافية الضيقة.

ثانياً: الإيجابيات الهيكلية للدائرة الواحدة وفق المعايير الدولية

استناداً إلى الأدبيات والأبحاث المقارنة الصادرة عن المعاهد الدولية، يحقق نظام الدائرة الوطنية الواحدة قفزات نوعية في الأداء التشريعي:

1. التناسبية المطلقة وصيانة الإرادة الشعبية
يرفع هذا النظام كفاءة التمثيل إلى حده الأقصى، حيث تتطابق نسبة مقاعد أي قائمة في البرلمان مع نسبة الأصوات الحقيقية التي نالتها في صناديق الاقتراع على مستوى الدولة.
ويتم هنا تجميع بقايا الأصوات في وعاء وطني واحد لتصفير “الأصوات المهدورة”؛ وهي الميزة التي أشيد بها نظراً لكونها تعزز ثقة الناخب في جدوى صوته.

2. التحصين ضد التلاعب الجغرافي

يؤكد خبراء النزاهة الانتخابية في منظمة Protect Democracy أن الدوائر المتعددة تفتح الباب دوماً أمام السلطات التنفيذية أو الأحزاب المهيمنة لإعادة رسم حدود الدوائر بما يخدم مصالحها السياسية.
بينما يلغي نظام الدائرة الواحدة الحاجة لترسيم الحدود أساساً، مما يحصن الخريطة الانتخابية من أي هندسة مسبقة للنتائج.

3. تمثيل الكفاءات والأقليات المبعثرة جغرافياً

تتيح الدائرة الواحدة للشرائح الحيوية (كالكفاءات، والشباب، والأقليات السياسية أو الثقافية) المشتتة جغرافياً عبر المحافظات، إمكانية تجميع أصوات مؤيديها على مستوى البلاد لتجاوز العتبة الانتخابية والوصول إلى البرلمان بشكل طبيعي ودون الحاجة لتشريعات “الكوتا” المعقدة.

4. تجفيف منابع المال السياسي وشخصنة الانتخابات
من المستحيل عملياً اختراق مساحة بحجم وطن عبر شراء الذمم أو الاعتماد على الوجاهة المحلية المحدودة.
هذا الاتساع يجبر القوى السياسية على الاستثمار في حملات إعلامية وبرامجية واسعة النطاق تخاطب العقل الجمعي للمواطنين بدلاً من الولاءات الضيقة.

5. الارتقاء بجودة التشريع ومكافحة السياسات الخدمية الضيقة

تظهر البحوث المقارنة المنشورة في ScienceDirect أن هذا النظام يحرر النائب من الابتزاز الخدمي المحلي الضيق، ليكون مسؤولاً أمام الأمة بأسرها.
بناءً على ذلك، فإنني أخالف تماماً الطرح القائل بأن النائب يجب أن ينشغل بالمعاملات والخدمات المحلية الصغرى، بل يجب أن يتفرغ لأدواته الدستورية الأساسية: التشريع الرقابي، والسياسات الاستراتيجية العليا للدولة (كالتعليم، والصحة، والاقتصاد).

ثالثاً: إنصاف المغتربين وتحويلهم إلى قوة سياسية وازنة

يقدم نظام الدائرة الواحدة حلاً جذرياً وتاريخياً لمعادلة تصويت عراقيي الخارج والمغتربين بشكل عام، من خلال أبعاد لوجستية وسياسية غير مسبوقة:

1. التبسيط اللوجستي وحماية أصوات الخارج

في ظل النظم السابقة، واجهت الجاليات في الخارج تعقيداً هائلاً تمثل في ضرورة ربط الناخب بمسقط رأسه الأصلي داخل البلاد (قضاء أو محافظة معينة)، مما تسبب في أخطاء تسجيل لوجستية ضخمة أدت تاريخياً لإلغاء نسب كبيرة من أصواتهم .
في نظام الدائرة الواحدة، تنتفي هذه الحاجة تماماً؛ حيث تصبح ورقة الاقتراع موحدة لجميع المغتربين في العالم وتتضمن القوائم الوطنية فقط، مما يسهل التصويت عبر السفارات ويضمن احتساب كل صوت.

2. خلق كتلة تصويتية مؤثرة تجذب اهتمام الحكومات

بدلاً من تشتيت أصوات المغتربين وتفتيتها بين عشرات الدوائر المحلية الصغيرة مما يفقدها قيمتها، يقوم نظام الدائرة الواحدة بتجميع كافة أصوات الجاليات حول العالم وصبها في وعاء رقمي وطني واحد.
هذا التجميع يمنح المغتربين قوة تصويتية وازنة ومؤثرة في حسم المقاعد البرلمانية.
وهنا أؤكد بوضوح، أن هذا الثقل الانتخابي الجديد سيجبر الحكومات والأحزاب السياسية على الالتفات الجاد لمتطلبات المغتربين واحتياجاتهم، ووضع قضاياهم الأساسية( مثل حماية استثماراتهم داخل الوطن، وتطوير الخدمات القنصلية، وصيانة حقوقهم القانونية وتسهيل معاملاتهم) في صدارة البرامج والخطط الحكومية كسباً لكتلتهم التصويتية المؤثرة.

رابعاً: رؤية ختامية مقترحة

ختاماً، فإنني أقترح على اللجان القانونية وصُنّاع القرار المضي قدماً في دراسة هذا التحول الاستراتيجي، مع توصيتي الأكيدة بضرورة اقتران القانون بـ “عتبة انتخابية” (Threshold) مدروسة بدقة، وذلك لضمان التوازن بين عدالة التمثيل الفردي ومنع تشتت المقاعد البرلمانية، بما يضمن بناء برلمان قوي، مستقر، ومعبّر بحق عن الهوية الوطنية الجامعة.