نوفمبر 5, 2026
LOGO

خالد حسن التميمي

يُصر البعض على وضع الإنسان في فخ الخيارات المستحيلة، مصدّرين للمجتمعات نظرية “التقاطع الحتمي” بين انتماءين هما في أصل تكوين النفس البشرية واحد: العقيدة والوطن.

إن التخيير بينهما ليس علامة على عمق الإيمان ولا على صدق الوطنية، بل هو أشبه بمن يُخيّر طفلاً صغيراً بين حب أمه أو أبيه؛ خيارٌ سقيم يعكس سفاهة الطرح وسطحية الفهم.

إن الجمع بين العقيدة والوطن هو عين الإيمان والوفاء، والدلالة العقلية الناصعة على أن الفرد قد عبر بوعيه فوق ترهات صناع الفتن. فالتكامل، لا التقاطع، هو الأصل الثابت في بناء الهوية الإنسانية.

تراتبية الانتماء: حلقات لا تلغي بعضها

تبدأ حياة الإنسان في حلقات متداخلة من الروابط، تؤمن بها وتدعمها كل دول وشعوب الأرض.

تبدأ الدائرة الصغيرة من العائلة، وتتسع إلى الزقاق، ثم الحي، فـالمدينة، صعوداً إلى المحافظة، ووصولاً إلى الفضاء الأرحب وهو الوطن.

هذه الحلقات لا تلغي إحداها الأخرى؛ فما الضير في أن تحب مدينتك وتكون في الوقت ذاته وفيّاً لعائلتك؟

وما الضير في أن تُخلص لعقيدتك ومعتقدك وتكون معتزاً مفاخراً بوطنك؟ لماذا يُصر البعض على تذويب الانتماءات في بعضها، أو إلغاء أحدها ليبقى الآخر؟

الحقيقة المطلقة التي يجب أن تعيها الأمة هي: لا خير في مسلم لا غيرة له على وطنه، ولا خير في مواطن يدّعي الانتماء لأرضه وهو لا غيرة له على دينه ومعتقده.

الواقعية السياسية والاجتماعية للأمم

إذا نظرنا إلى واقع الأمم المحيطة بنا اليوم، فلن نجد شعباً واحداً يقع في هذا الفصام الفكري.

جدوا لنا إيرانياً، أو تركياً، أو سعودياً، أو باكستانياً يُلغي انتماءه الوطني بدعوى أن عقيدته تكفيه! إنهم يدافعون عن حدود أوطانهم ومصالح بلادهم القومية بكل شراسة، متسلحين بعقائدهم ومبادئهم.

العقيدة عندهم محرك للوفاء بالأرض، وليست معولاً لهدمها.

الأدلة الشرعية: الوطن والعقيدة في الميزان الإسلامي

لقد جاء الإسلام ليثبّت الفطرة الإنسانية لا ليصطدم معها، وحب الأوطان من الفطرة.

وفي الموروث الإسلامي لـ أهل السنة والشيعة أدلة دامغة تؤكد أن العقيدة والوطن انتماءان لا يتقاطعان، بل هما مصدر قوة وإسناد لبعضهما البعض:

أولاً: من مصادر أهل السنة والجماعة

الحنين النبوي للأرض: يعلمنا الرسول الأكرم ﷺ كيف يتجذر حب الوطن في قلب المؤمن، فعند خروجه مهاجراً من مكة، وقف يخاطبها بحرقة تعكس عمق الانتماء: «والله إنك لخير أرض الله، وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أني أُخرجت منك ما خرجت» (رواه الترمذي).

لم يلغِ التكليف الإلهي ونشر العقيدة حبه للمكان الذي نشأ فيه.

الدعاء للوطن بالبركة والأمن: لم يقف الأمر عند مكة، بل حنّ النبي ﷺ لمدينة المهجر التي أصبحت وطناً جديداً، فدعا لها قائلاً: «اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد» (صحيح البخاري).

ارتباط الأمن الإيماني بالأمن الأوطاني: يقول الصحابي الجليل عمر بن الخطاب رضي الله عنه قولةً تكتب بماء الذهب في فقه المواطنة: «عمر الله البلدان بحب الأوطان»، وفي رواية: «بِحبِّ الأوطانِ عُمِّرَتِ البُلْدانُ».

ثانياً: من مصادر الشيعة الإمامية

حب الوطن من الإيمان: تنص المأثورات والحِكم المروية عن أئمة أهل البيت عليهم السلام على ترسيخ هذا المفهوم كجزء من العقيدة؛ حيث ورد في القول المشهور المستفيض: «حبُّ الوطنِ من الإيمان» (سفينة البحار / مستدرك سفينة البحار).

فجُعل حب الأرض علامة ودليلاً على صدق العقيدة في قلب المرء.

عمارة الأرض كواجب ديني: يروي الإمير علي بن أبي طالب عليه السلام القاعدة الأساسية لاستقرار المجتمعات ورخائها وارتباط ذلك بالانتماء للأرض، حيث قال: «عُمِرتِ البِلادُ بِحُبِّ الأوطانِ» (نهج البلاغة / غرر الحكم).

الحنين للأوطان شيمة الأبرار: ورد عن الإمام الحسين بن علي عليه السلام أو في المأثور عنهم قولهم: «من أمارات الكرم الحنين إلى الأوطان»، مما يدل على أن الوفاء للمنشأ والأرض هو خُلق إنساني رفيع يتبناه المؤمن التقي.

دعوني اخلص واجزم

الوطن هو الوعاء المادي الذي نحيا فيه ونقيم فيه شعائر عقيدتنا، والعقيدة هي الروح والمعيار الأخلاقي الذي يوجه حركتنا داخل هذا الوطن.

إن محاولة الفصل بينهما هي جناية على الدين والوطن معاً.

إننا نخلص بوعي تام وصارم إلى أن الوطن والعقيدة انتماءان يسيران في خطين متوازيين يتكاملان ولا يتقاطعان، وكل صوت يرتفع بالتخيير بينهما هو صوت نشاز يُراد منه تمزيق النسيج الاجتماعي، وتهديد السلم الأهلي، وإضعاف مناعة الأمة أمام الطامعين.