
خالد حسن التميمي
بينما كان دجلة والفرات يرويان أرض الرافدين في سبعينيات القرن الماضي، كان النظام التعليمي العراقي يروي المنطقة بأكملها بالكفاءات والعلماء.
ففي عام 1977، أعلنت منظمة اليونسكو أن التعليم في العراق بات يمتلك أحد أفضل الأنظمة التعليمية في الشرق الأوسط، بل إنه بات ينافس الأنظمة الإسكندنافية من حيث الرصانة والمجانية الكاملة؛ إذ بلغت نسبة الأمية في الفئة العمرية (15-45 عاماً) أقل من 10% بفضل الحملة الوطنية الإلزامية عام 1978.
كانت الدولة تخصص حينها نحو 6% من ناتجها القومي الإجمالي للتعليم، وتتكفل بإنشاء المدارس الابتدائية والثانوية وتأمين المناهج مجاناً، وصولاً إلى الجامعات التي كان الخريج منها يجد مقعده الوظيفي بانتظاره عبر نظام “التعيين المركزي” الصارم الذي تديره وزارة التخطيط وفقاً لخطط خمسية دقيقة تحسب حاجة السوق الفعلية.
اليوم، تبدو تلك الحقبة وكأنها قصة من الأساطير.
تُشير تقارير منظمة اليونيسف الحديثة إلى أن النظام التعليمي يعاني من تراجع بنيوي حاد؛ إذ يواجه العراق عجزاً هائلاً يتجاوز آلاف الأبنية المدرسية، مما يضطر أكثر من 30% من المدارس إلى اعتماد الدوام الثنائي أو الثلاثي.
هذا التردي، الذي تصفه اليونيسف بأنه يهدد نحو مليوني طفل خارج مقاعد الدراسة، يعود إلى تراكمات عقود من الحروب، والحصار الاقتصادي (1990-2003) الذي هبط بإنفاق الدولة على الطالب إلى مستويات قياسية، ثم تلاها غياب الرؤية الإستراتيجية بعد عام 2003، وشيوع التعيينات القائمة على المحاصصة والزبائنية بدلاً من التخطيط العلمي.
أمام هذا الواقع المأزوم، يبرز جدل محتدم حول الحل: هل تكمن النجاة في “الخصخصة الشاملة” أم في “التأميم الكامل” وإعادة الهيكلة؟
إن خيار الخصخصة الشاملة للتعليم من الابتدائية إلى الجامعة يحمل في طياته مخاطر كارثية؛ إذ يهدد بتحويل التعليم من حق إنساني تكفله المواثيق الدولية إلى سعلة تجارية للميسورين فقط.
تُظهر وثائق منظمة اليونيسف فجوة حادة في نسب إكمال التعليم بين الأغنياء والفقراء؛ لذا فإن سحب يد الدولة بالكامل سيؤدي إلى تعميق الفوارق الطبقية وإنتاج جيل أمي من العوائل المسحوقة. في المقابل، فإن طرح “التأميم الشامل” على غرار تجربة ما قبل 2003، ورغم جاذبيته العاطفية، يصطدم اليوم بالانفجار السكاني الهائل؛ إذ أظهرت نتائج التعداد العام للسكان أن عدد سكان العراق تجاوز 46 مليون نسمة تشكل الفئة الفتية (0-14 سنة) نحو 35.9% منهم.
إن ربط مئات الآلاف من الخريجين سنوياً بالتعيين المركزي المباشر في دوائر الدولة بات أمراً يفوق القدرة الاستيعابية للموازنة العامة التشغيلية التي تعتمد كلياً على ريع النفط المتذبذب.
الخروج من هذا النفق المظلم واستعادة رصانة الشهادة العراقية يتطلب حلاً علمياً مركباً يستند إلى تجارب عالمية ناجحة (كالتجربة الفنلندية وسنغافورة)، ويقضي بتبني نظام “التمويل العام والإدارة الرشيدة الشريكة”:
• أولاً: فك الارتباط التوظيفي وإحياء دور وزارة التخطيط: يجب على وزارتي التربية والتعليم العالي التنسيق فوراً مع وزارة التخطيط لإنهاء عشوائية الاستحداث الأعمى للأقسام والكليات. ينبغي صياغة “خارطة طريق التخصصات” التي تربط القبول الجامعي بحاجة السوق الفعلية، ليس عبر التوظيف الحكومي المترهل، بل عبر إلزام القطاع الخاص والشركات الاستثمارية بامتصاص نسب محددة من الخريجين بناءً على مؤهلاتهم.
• ثانياً: الاستثمار في الكادر البشري والبنية التحتية: تفعيل خطط تدريب المعلمين الخمسية بالتعاون مع اليونسكو واليونيسف لرفع جودة التعليم وتحديث المناهج لمواكبة المهارات الرقمية.
• ثالثاً: حوكمة التعليم الأهلي: منع تسليع التعليم عبر فرض معايير أكاديمية صارمة على المدارس والجامعات الأهلية، وجعلها شريكاً تنموياً خاضعاً لرقابة الجودة الحكومية، بدلاً من كونها دكاكين استثمارية تمنح شهادات بلا رصيد علمي.
إن رصانة الشهادة العراقية لن تعود بالشعارات، بل بقرار شجاع يعيد للتعليم هيبته كأمن قومي أعلى، يجمع بين عدالة التمويل الحكومي وديناميكية التخطيط الحديث.
