الربا في القانون العراقي: هل يتوافق مع الشريعة الإسلامية

حسين شكران الأكوش العقيلي  

بين النص القانوني والوجدان الديني… فجوة تحتاج إلى إصلاح

في بلدٍ يُشكّل الإسلام مرجعيته الثقافية والدستورية، يظل الربا قضية شائكة تتقاطع فيها التشريعات الوضعية مع المبادئ الشرعية. فبينما تُحرّمه الشريعة الإسلامية تحريمًا قاطعًا، يتعامل القانون العراقي مع الفوائد المالية بوصفها بندًا تعاقديًا مشروعًا، ما دام لا يتضمن استغلالًا فاحشًا.

هذا التباين يطرح سؤالًا جوهريًا: هل ينسجم القانون العراقي مع روح الشريعة الإسلامية في معالجة الربا؟ وهل يمكن بناء نظام قانوني عادل دون أن يُراعي التحريم الشرعي للربا؟

التحريم الشرعي… موقف أخلاقي وروحي

الفقه الإسلامي يُحرّم الربا بجميع صوره، سواء كان ربا النسيئة (تأخير السداد مقابل زيادة) أو ربا الفضل (الزيادة في أحد العوضين). ويُنظر إليه كأداة استغلال تُخلّ بمبدأ التكافؤ وتُكرّس الفوارق الطبقية.  

قال تعالى: (وأحل الله البيع وحرّم الربا) ، في نصٍ قرآني قطعي لا يحتمل التأويل.

القانون العراقي… تنظيم بلا تجريم

في المقابل، لا يُجرّم القانون العراقي الربا بشكل صريح. بل يُجيز الاتفاق على الفائدة ضمن حدود معينة، ويمنح القاضي سلطة تعديلها إذا ثبت وجود استغلال.  

المادة 171 من القانون المدني تُعطي مساحة للتفاوض على الفائدة، لكنها لا تُعالج الربا كجريمة مستقلة، بل كشرط تعاقدي قابل للإبطال.

واقع مزدوج… بين المصارف والمجتمع

هذا التباين يُنتج واقعًا قانونيًا مزدوجًا:  

– المصارف تُمارس الربا تحت مسمى “الفائدة”، وفقًا للقانون.  

– المجتمع، في غالبيته، يرفض الربا بوصفه محرّمًا شرعًا، ويبحث عن بدائل إسلامية.

النتيجة؟ ضعف في الثقة القانونية، ولجوء متزايد إلى المعاملات غير الرسمية أو المصارف الإسلامية، التي تسعى لتقديم حلول شرعية.

هل من سبيل إلى التوفيق؟

لتحقيق الانسجام بين القانون والشريعة، تقترح الدراسة ما يلي:

– تعديل القانون المدني ليشمل نصًا واضحًا يُقيّد الفوائد بضوابط شرعية.

– دعم المصارف الإسلامية وتوسيع نطاقها.

– إدماج الفقه الإسلامي في صياغة التشريعات المالية.

– إطلاق حملات توعية حول مخاطر الربا وآثاره الاجتماعية.

– إنشاء هيئة رقابية مشتركة من علماء الشريعة وخبراء القانون.

خاتمة: إصلاح يحتاج إلى إرادة … الربا ليس مجرد بند مالي، بل هو اختبار حقيقي لعدالة النظام القانوني. وبينما يُتيح القانون التعامل بالفائدة، يبقى التحريم الشرعي قائمًا كقيد أخلاقي وروحي. إن إصلاح هذا الواقع يتطلب شجاعة تشريعية تُعيد الاعتبار للقيم الدينية، وتُحقق التوازن بين المصلحة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية.