حسين شكران الأكوش العقيلي
في الطف، لم تكن الواقعة مجرد معركة بين جيشين، بل كانت لحظة انكشافٍ كليٍّ للضمير الإنساني، حين يُختبر في أقسى ميادين الأخلاق والولاء. هناك، حيث اختلط الغبار بالدم، والدمع باليقين، وارتفعت راية لا تحمل شعارًا سياسياً، بل نداءً أخلاقيًا خالدًا، خرج صوتٌ من قلب المأساة، لا يُشبه أصوات المعارك، بل يُشبه صوت السماء حين تُعاتب الأرض
ذلك الصوت لم يكن من الحسين وحده، بل من امرأةٍ وقفت على رماد الأحبة، ورفعت الحقيقة فوق الرؤوس، دون أن ترتجف أو تتراجع. السيدة زينب، لم تكن شاهدةً على الطف، بل كانت ناطقةً باسمه، حارسةً لرسالته، ومؤرخةً لوجعه. في لحظةٍ كان فيها الصمت هو النجاة، اختارت أن تتكلم. وفي زمنٍ كان فيه الانكسار هو المتوقع، اختارت أن تقف.
أولًا: حين يتكلم الصمت
السيدة زينب عليها السلام لم تكن مجرد شخصية تاريخية، بل كانت تجسيدًا حيًّا للبلاغة حين تُصبح موقفًا، وللصبر حين يُصبح مقاومة.
في لحظةٍ كان فيها الانكسار هو المتوقع، وقفت.
وفي زمنٍ كان فيه الصمت هو النجاة، تكلمت.
كأنها لم تكن تتكلم من فمها، بل من جراح الأمة، من ذاكرة الأنبياء، ومن صبر الأمهات.
في مجلس يزيد، لم تكن أسيرةً تُساق، بل قاضيةً تُدين.
وفي عيون الناس، لم تكن امرأةً مكسورة، بل مرآةً تعكس خيانة الصمت، وتفضح تواطؤ التاريخ.
كل كلمةٍ نطقتها كانت سيفاً، وكل وقفةٍ كانت منبراً، وكل دمعةٍ كانت وثيقةً تُدين من باعوا الكرامة بثمنٍ بخس.
لقد أعادت تعريف البطولة، لا كقوةٍ جسدية، بل كقوةٍ روحية، بلاغية، أخلاقية.
زينب لم تكن ترد على يزيد، بل كانت ترد على التاريخ حين يحاول أن ينسى، وعلى الأمة حين تحاول أن تبرر خنوعها.
—
ثانيًا: تحليل النداء – من الطف إلى اليوم
(نداء من الطف) ليس مجرد صدىً تاريخي، بل معيارٌ أخلاقي يُقاس به صدق المواقف، ونقاء الضمائر، وشرعية السلطات.
إنه نداءٌ يتجاوز الزمان والمكان، ويخترق الحاضر ليُسائلنا:
هل ما زلنا نسمع ذلك النداء؟
هل ما زلنا نملك الجرأة لنكون زينب في مواقفنا، في أقلامنا، في ضمائرنا؟
هذا النداء لا يُسمع بالأذن، بل يُوقظ الضمير.
لا يُقرأ في الكتب، بل يُحسّ في لحظة المواجهة، حين يُطلب منك أن تختار بين الصمت والصدق، بين السلامة والكرامة.
انه نداءٌ يعلمنا أن البطولة ليست في حمل السيف، بل في حمل الكلمة حين تُصبح الكلمة سيفاً.
وأن النصر لا يُقاس بعدد القتلى، بل بعدد القلوب التي استيقظت بعد الطف.
حين يُقمع الحق، يُسمع نداء الطف.
حين يُهان الإنسان، يُسمع نداء الطف.
حين تُباع الكرامة في أسواق المصالح، يُسمع نداء الطف.
ثالثًا: السيدة زينب في وجدان الأمة
في كل امرأةٍ تقف في وجه القهر، هناك شيءٌ من زينب.
في كل خطيبٍ يفضح الطغيان، هناك شيءٌ من زينب.
في كل شعبٍ يرفض الذل، هناك شيءٌ من زينب.
إنها ليست فقط رمزًا دينيًا، بل رمزًا إنسانيًا، أخلاقيًا، بلاغيًا، وسياسيًا.
السيدة زينب عليها السلام هي التي علّمتنا أن الحضور لا يُقاس بالعدد، بل بالأثر.
وأن التاريخ لا يُكتب بالحبر، بل بالدم، والصبر، والكلمة.
لقد أصبحت زينب معيارًا يُقاس به صدقنا مع الحق، وجرأتنا في قول الحقيقة، ووفاءنا للرسالة.
هي ليست قصةً تُروى، بل موقفٌ يُحتذى، ونداءٌ يُستجاب.
رابعًا: الطف كاختبارٍ دائم
الطف ليس ذكرى، بل اختبارٌ يتكرر.
كلما خُذلت الكرامة، عاد الطف ليُسائلنا.
كلما صمتنا عن الظلم، عاد الطف ليُديننا.
كلما تواطأنا مع الزيف، عاد الطف ليُفضحنا.
إن الطف ليس حدثًا في الماضي، بل مرآةٌ نُطل منها على حاضرنا، لنرى كم ابتعدنا عن جوهر الرسالة، وكم اقتربنا من خيانة الدم.
خاتمة: الكلمة التي لا تموت
(نداء من الطف) ليس مقالًا، بل مرآة.
مرآةٌ نُطل منها على أنفسنا، لنسأل: هل ما زلنا نسمع ذلك النداء؟
هل ما زلنا نملك الجرأة لنكون زينب في مواقفنا، في أقلامنا، في ضمائرنا؟
فليكن هذا المقال دعوةً لإحياء النداء، لا لتأبينه.
ولنكتب، كما كتبت -السيدة زينب عليها السلام بدمها وصبرها، أن الكلمة حين تُقال في وجه الظلم، تُصبح خالدة.