حسين شكران الأكوش العقيلي
في زمنٍ تتكاثر فيه الشعارات وتتناقص فيه المواقف، لم يعد الدين يُقاس بما يُقال، بل بما يُمارس. لقد أصبح من السهل أن تُرفع رايات التدين، وأن تُردد الآيات والأحاديث، لكن الأصعب – والأصدق – أن يُترجم ذلك إلى خلقٍ يومي، إلى سلوكٍ يُشبه الوحي في صدقه، ويُشبه العقل في حكمته، ويُشبه الإنسان في رحمته.
الدين، في جوهره، ليس طقوسًا تُؤدى فحسب، بل هو منظومة قيم تُعاش. إنه ليس في عدد الركعات، بل في أثرها على القلب والسلوك. ليس في عدد الكلمات التي نحفظها، بل في عدد الأرواح التي نُكرمها، والحقوق التي نُؤديها، والظلم الذي نرفضه. الدين الحقيقي لا يُرى في المظهر، بل في الموقف؛ لا يُقاس بالخطاب، بل بالخلق.
حين قال النبي محمد ﷺ: «إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق»، لم يكن يُقدم ملحقًا ثانويًا للرسالة، بل كان يُعلن أن الأخلاق هي جوهرها. فالدين الذي لا يُثمر خلقًا، هو دينٌ ناقص، مهما اكتملت فيه الطقوس. والدين الذي لا يُهذب النفس، ولا يُنير الطريق، ولا يُلهم الرحمة، هو دينٌ لم يُفهم بعد.
في مجتمعاتنا، نحتاج إلى أن نُعيد تعريف التدين. لا بوصفه التزامًا شكليًا، بل بوصفه التزامًا إنسانيًا. أن يكون الدين هو ما يراه الناس في تعاملنا، لا ما يسمعونه في خطاباتنا. أن يكون الصدق هو صلاتنا، والعدل هو زكاتنا، والرحمة هي حجنا، والإحسان هو صيامنا. أن نُصبح نحن المنبر، ونحن الخطبة، ونحن الآية التي تُقرأ بلا حروف.
إن أزمة التدين اليوم ليست في غياب النص، بل في غياب الترجمة. ليست في نقص المعرفة، بل في نقص الممارسة. فكم من عالمٍ لم يُنصف، وكم من عابدٍ لم يُرحم، وكم من داعيةٍ لم يُحب. الدين الذي لا يُنتج إنسانًا أفضل، هو دينٌ لم يُثمر بعد.
دعني أراك قبل أن أسمعك. دعني أرى الدين في طريقة حديثك، في طريقة احترامك للآخر، في قدرتك على الاعتذار، في شجاعتك على الإنصاف، في رُقيك في الخلاف، في صدقك حين لا يراك أحد. فذلك هو الدين الذي يُصلح، ويُهذب، ويُبقي أثرًا لا يُمحى.
إننا لا نحتاج إلى مزيد من الكلام عن الدين، بل إلى مزيد من الصمت الذي يُنطق بالأخلاق. نحتاج إلى أن نُعيد للدين هيبته، لا بالخوف، بل بالحب. لا بالسطوة، بل بالقدوة. لا بالوعيد، بل بالرحمة. فالدين الذي لا يُحب، لا يُحيي.
ولعل أعظم دعوة إلى الله، هي أن تكون إنسانًا يُشبه ما يدعو إليه.