ضياء المهندس
(أبعاد قانونية وأمنية وسياسية – وتوصيات إصلاحية)
أولاً: الملخص التنفيذي
شهدت محافظة الأنبار خرقاً خطيراً في ملف الجنسية العراقية، حيث كشفت التحقيقات عن منح نحو 1400 سوري الجنسية العراقية بطرق غير قانونية، بينما سُحبت فقط من 11 شخصاً.
هذا الملف لا يقتصر على فساد إداري، بل ينطوي على مخاطر أمنية وديموغرافية مرتبطة بمشروع إعادة تنشيط الطابور الخامس للإرهاب في المدن المحررة.
تسعى هذه الورقة إلى عرض خلفية القضية، تحليل المخاطر، ومقارنة تجارب دولية، وصولاً إلى توصيات عملية لمعالجة الثغرة.
ثانياً: الخلفية
الإطار القانوني: ينظم قانون الجنسية العراقي رقم (26 لسنة 2006) عملية منح الجنسية، مشترطاً الإقامة لعشر سنوات، حسن السلوك، ووسيلة عيش مشروعة.
الواقع: تم تجاوز هذه الشروط عبر تزوير البطاقات الوطنية في مديريات الأنبار، وبتواطؤ من موظفين وضباط أحيلوا لاحقاً إلى المحاكم.
الأبعاد السياسية: بعض الأطراف استغلت الملف لتحقيق مكاسب انتخابية أو لإجراء تغيير ديمغرافي.
الإجراءات الرسمية: تشكيل لجان تحقيقية في وزارة الداخلية والبرلمان، وإلغاء بعض السجلات المزورة.
ثالثاً: التحديات
1. أمنية: احتمال وجود عناصر مرتبطة بتنظيمات إرهابية حصلت على وثائق رسمية.
2. ديموغرافية: تهديد البنية السكانية للمحافظات المحررة.
3. قانونية: ضعف تطبيق قانون الجنسية، واستغلال الثغرات الإدارية.
4. سياسية: تورط بعض الجهات في تمرير ملفات التجنيس لتحقيق نفوذ محلي أو انتخابي.
5. إدارية: قصور أنظمة التوثيق والربط البايومتري في ضبط الهويات.
رابعاً: المقارنات الدولية
لبنان (1994): تجنيس جماعي لأجانب هز التوازن الطائفي، أدى لاحقاً إلى مراجعة قانونية وقضائية.
الأردن: لجأ إلى “البطاقات المؤقتة” للاجئين السوريين والفلسطينيين لمنع تغيير ديمغرافي.
تركيا: استخدمت ملف التجنيس لأهداف سياسية وانتخابية، ما أثار جدلاً مجتمعياً.
أوروبا (ألمانيا/فرنسا): وضعت معايير صارمة للتجنيس وربطته بالأمن القومي بعد موجة اللاجئين 2015.
خامساً: الخيارات السياسية
1. الإبقاء على الوضع الحالي: متابعة التحقيقات الجزئية من دون إصلاح قانوني شامل.
المخاطر: استمرار الثغرات، وتكرار حالات التجنيس غير المشروع.
2. إصلاح إداري جزئي: تشديد الرقابة في الأنبار فقط.
المخاطر: بقاء المحافظات الأخرى عرضة للاختراق.
3. إصلاح شامل (قانوني – إداري – أمني): مراجعة جميع ملفات الجنسية منذ 2014، وتطبيق أنظمة بايومترية، وربط القرار القضائي بمنح الجنسية.
المكاسب: تعزيز الثقة بالهوية الوطنية وحماية الأمن القومي.
سادساً: التوصيات
1. تشريعية:
تعديل قانون الجنسية رقم (26 لسنة 2006) بما يفرض قراراً قضائياً نهائياً قبل منح الجنسية.
سن تشريع جديد يجرّم التواطؤ السياسي في إصدار الوثائق المزورة باعتباره “خيانة وطنية”.
2. إدارية:
مراجعة شاملة لجميع ملفات الجنسية والبطاقة الوطنية في المحافظات المحررة منذ 2014.
توسيع تطبيق النظام البايومتري وربطه بمركز بيانات مركزي.
3. أمنية:
إشراك جهاز المخابرات والأمن الوطني في تدقيق ملفات الجنسية.
تشكيل “خلية أزمة” لملاحقة المتورطين في بيع الوثائق أو تسهيل التجنيس.
4. سياسية واجتماعية:
اعتماد “بطاقات إقامة مؤقتة” للسوريين الموجودين في العراق حتى استقرار الأوضاع في بلادهم.
إطلاق حملة توعية وطنية لتأكيد قدسية الجنسية العراقية.
سابعاً: الخاتمة
التجنيس غير المشروع في الأنبار يمثل اختباراً سيادياً للدولة العراقية، وجرس إنذار لضرورة حماية الهوية الوطنية من الاختراقات الأمنية والسياسية.
الإصلاح الشامل (قانونياً، إدارياً، وأمنياً) هو الطريق الوحيد لضمان أن لا تتكرر “نكسة حزيران” بأشكال جديدة، ولإعادة الثقة بين المواطنين ومؤسساتهم.
البروفسور د.ضياء واجد المهندس
رئيس مجلس الخبراء العراقي