عماد ياسين الزهيري
بناء على رغبة بعض الزملاء والاصدقاء في تحليل قرار البرلمان التركي بتمديد صلاحية عملياته في شمال العراق كتحليل سياسي، عسكري، واقتصادي، والخيارات المتاحة للعراق وبالرغم من حساسية الموضوع وكثرة التفسيرات والتأويلات من قبل بغداد وانقرة ودمشق لكني سأحاول توجيه انظاركم الى الموضوع بشكل شامل وملخص وسنسلط الضوء على بدايات التدخل تأريخيا وكما يأتي
١.إليك تسلسلاً زمنياً دقيقاً لتواريخ التدخل العسكري التركي في شمال العراق، منذ بداياته حتى تمديد التفويض الأخير في عام 2025، مع الإشارة إلى مدة كل تدخل وأهم أهدافه المعلنة من أنقرة.
أ.المرحلة الأولى .كانت البدايات في أيار/مايو 1983كانت أول عملية تركية داخل الأراضي العراقية استمرت 10 أيام شارك فيها 5,000 جندي تركي بعد اتفاق أمني بين أنقرة وبغداد سمح بمطاردة محدودة حتى عمق 5 كم داخل العراق ثم التوغلات الموسعة قرب زاخو ودهوك
وفي عام ١٩٨٨ توغل تركي واسع بالتنسيق مع بغداد أثناء حملة ما يسمى بالأنفال استمرت عدة أسابيع والغاية القضاء على قواعد PKK المتقدمة في العمق العراقي.
ج.المرحلة الثانية .ما بعد حرب الخليج الثانية (1991–1995)بعد انهيار سلطة بغداد شمال خط 36، أصبحت تركيا تنفذ عمليات بحرية وجوية مستمرة عام 1992 – عملية “Steel الاولى بتاريخ تشرين الأول/أكتوبر 1993 استمرت نحو 3 أسابيع بلغ عدد القوات حوالي 20,000 جندي تركي واهم النتيجة: تدمير عدة معسكرات لـ PKK قرب العمادية ودهوك.
عام 1995 – عملية “Steel” الثانية استمرت من آذار–نيسان 1995 لمدة 45 يوماً تقريباً وشاركت قوات تتألف نحو 35,000 جندي ووصفت أكبر عملية تركية داخل العراق في التسعينات.
عام 1997 – عملية “Hammer” (المطرقة)استمرت من أيار إلى أيلول 1997 (قرابة 4 أشهر) وشاركت قوات تبلغ حوالي 50,000 جندي تركي وكانت مناطق الزاب، هاكورك، زاخو، وقنديل هي اهداف العملية
وعام ١٩٨٨ عملية “Dawn المدةأقل من شهر والغاية ملاحقة فلول PKK بعد أزمة عبدالله أوجلان.
د.المرحلة الثالثة التواجد شبه الدائم بعد 2003 بعد الغزو الأمريكي للعراق وسقوط النظام السابق، استغلت تركيا فراغ السلطة في الشمال لترسيخ وجود عسكري دائم في قواعد محددة.
هـ.المرحلة الرابعه .مرحلة “عمليات المخلب” (من 2019 إلى اليوم)بدأت تركيا سلسلة عمليات نوعية تهدف لإنشاء شريط أمني داخل العراق بعمق 30–40 كم.من عام 2019 – عملية Claw-1 استمرت من أيار 2019 في هاكورك شمال واستمرت من نيسان 2022 مفتوحة وما زالت مستمرة حتى الآن بعمليات ميدانية متقطعة والهدف منها السيطرة على كامل خط قنديل–متينا–الزاب و النتيجة تثبيت وجود تركي دائم في أكثر من 40 موقعاً حدودياً داخل الأراضي العراقية.
٢.مدخل الى التدخل وأبعاده.في 21–22 أكتوبر 2025 أقرّ البرلمان التركي تمديد التفويض البرلماني لقيام القوات التركية بعمليات عبر الحدود في كلّ من العراق وسوريا لمدة ثلاث سنوات إضافية (حتى 30 تشرين الأول/أكتوبر 2028)، وهو أمد أطول من التفويضات السابقة واعتُبر خطوة مهمة في سياسة أنقرة الإقليمية وترصين لدورها الاقليمي في التدخل بشؤون الدول والضغط عسكريا وسياسيا للحصول على مكاسب اقتصادية وادوار مهمة من قبل الدول الكبرى .
أ.الأبعاد السياسية
اولا.رسائل داخلية وإقليمية لأنقرة.التمديد يخدم أهدافاً داخلية تركية — إظهار قوة حكومية وأمنية أمام جمهورها وامتصاص ضغوط المعارضة حول الأمن القومي وفي الوقت نفسه يبقِي أنقرة فاعلة في ملفات الأكراد ومواجهة الإرهاب الإقليمي وهذا التمديد رُحب به من تيارات في أنقرة وعرّض لانتقادات من أحزاب معارضة وبعض الأطراف الإقليمية.
ثانيا .تأثير على سيادة العراق وعلاقة بغداد بأنقرة.القرار التركيّ الرسمي يستعيد النقاش الجوهري حول رخصة الوجود التركي على الأراضي العراقية وشرعيته ويطرح سؤال هل يوجد «اتفاق» رسمي بين بغداد وأنقرة أم أن الأمر قائم على تفاهمات منقوصة؟ تقارير تشير إلى أن بغداد ستطالب بمناقشات دبلوماسية وربما شرعية حول هذا التمديد.
ثالثا.دبلوماسية إقليمية ودولية. القرار سيعيد ترتيب أوراق علاقات العراق مع قوى إقليمية (إيران، سورية، القوى الغربية) ويضع بغداد أمام ضرورة موازنة بين المحافظة على علاقات عملية مع أنقرة وبين حماية سيادتها. وثّق المحللون تزايد الاعتماد على آليات دبلوماسية متعددة الأطراف والحوار مع حلفاء العراق لاحتواء التصعيد.
ب.الأبعاد العسكرية
أولا.استمرارية العمليات عبر الحدود.التمديد يمنح القوات التركية شرعية داخل البرلمان لمواصلة عملياتها ضدّ «التهديدات» كما تصفها أنقرة (PKK/جذورها) في المناطق الجبلية بشمال العراق، وهو ما يعني استمرار وجود نقاط مراقبة وعمليات ضرب جوية أو برية محددة.
ثانيا .مخاطر تصعيد محلي.وجود قوات أجنبية أو عمليات عسكرية متكررة يرفع من مخاطر احتكاك مع القوات العراقية أو الفصائل المحلية، خصوصاً إذا لم تكن هناك آليات تنسيق واضحة. قد يؤدي ذلك إلى حوادث عسكرية صغيرة تتصاعد سياسياً.
ثالثا.التغيير في نمط التهديدات. بينما تعلن أنقرة أنّ الهدف هو مكافحة PKK و«داعش»، التمديد قد يغيّر ديناميكية الأمن في المنطقة بإدخال تقنيات (طائرات مسيرة، استطلاع) وعمليات استباقية قد تُشعر السكان المحليين بعدم الاستقرار وتزيد من مشاعر العداء تجاه الوجود الأجنبي.
ج.الأبعاد الاقتصادية
أولا.تكلفة الاستجابة العراقية: أي تحرّك دبلوماسي أو عسكري من بغداد لمواجهة الوجود التركي سيحتاج موارد (تكاليف ديبلوماسية، نشر أمني، وتعزيز البنى التحتية للحدود)هذه نفقات إضافية على ميزانية دولة لا تزال تواجه تحديات اقتصادية.
ثانيا .التأثير على الاستثمار المحلي والتجارة: استمرار حالة عدم اليقين الأمني في المناطق الحدودية قد يثبط الاستثمار المحلي وأعمال البنى التحتية والطاقة في الإقليم الكردي وشمال العراق، كما قد يؤثر سلباً على تدفق التجارة عبر الحدود مع تركيا.
ثالثا.فرص اقتصادية مشروطةبالمقابل .وجود قنوات تفاهم منتظمة بين بغداد وأنقرة يمكن أن يُحوّل جزءاً من العلاقة إلى تعاون اقتصادي منظم—تسهيلات حدودية، مشاريع مشتركة — بشرط ربطها بضمانات سيادية. هذا يتطلب مفاوضات مع شروط واضحة للعراق.
٣.الخيارات العملية المتاحة للعراق لحماية مصالحه القومية.
أدناه خيارات قابلة للتطبيق، مرتّبة من الأدوات الدبلوماسية والقانونية إلى الإجراءات الأمنية والاقتصادية مع ملاحظة أن الجمع بين أدوات متعددة يعطي أفضل فرصة للحفاظ على المصالح.
أ.المسار الدبلوماسي والقانوني (الأولوية القصوى)
ويتضمن مفاوضات فورية رسمية مع أنقرة وفتح حوار حكومي–حكومي لتحديد سقف العمليات التركية، آليات التنسيق، خرائط العمليات، وقنوات الاتصال لتجنّب الحوادث. النجاح هنا يحفظ سيادة العراق لكنه يتطلب استعداداً لتقديم ضمانات ومطالب واضحةوالضغط عبر مؤسسات دولية وإقليمية وإبلاغ مجلس الأمن (إذا استدعى الموقف ذلك)، الاستعانة بوساطة إقليمية (مثل دول صديقة أو الجامعة العربية) أو جهات دولية لتثبيت تفاهمات قانونية حول احترام سيادة العراق وهذه خطوات رمزية وقانونية قد تمنح بغداد غطاءً دولياً وتفعيل الإطار القانوني الداخلي بإصدار تصريحات رسمية ومواقف برلمانية أو سياسات تُحدِّد موقف العراق بشكل قانوني واضح، وربط أي تواجد أجنبي بمذكرات تفاهم مكتوبة أو اتفاقات أمنية محددة.
ب.المسار الأمني والتنسيق الميداني
ويشمل إنشاء آلية تنسيق أمنية سريعة وفرق اتصال عسكرية/مخابراتية بين بغداد وأنقرة لتنسيق الضربات والاستطلاع وتبادل المعلومات حول الأهداف لتقليل المخاطر على السيادة ومنع الحوادث. هذا خيار واقعي ويقلل الاحتكاك مع تعزيز الوجود الأمني العراقي في المناطق الحساسة وتقوية نقاط الجيش والشرطة الاتحادية أو الحشد الأمني المحلي (بشرط الالتزام بضوابط الدولة) لفرض سيطرة فعلية على الحدود ومناطق العمليات، مع إبراز قدرة الدولة على حماية أراضيها وتطوير الإجراءات الاستخبارية المضادة وتحسين جمع المعلومات والاستخبارات المحلية لتعقب خلايا مسلحة داخل العراق ومكافحتها بنفسها، ما يقلّل من ذريعة أنقرة للعمليات الانفرادية وهذا يتطلب تعاوناً محلياً وإقليمياً.
ج.المسار الاقتصادي والضغط المقابل.
ويتضمن ربط التعاون الاقتصادي بالامتثال للحدود واستخدام ورقة المشاريع الاقتصادية والتجارية مع أنقرة كأداة ضغط وتأكيد استمرار التعاون المشروط بالالتزام باتفاقيات وقواعد واضحة حول العمليات العسكرية وضرورة تنويع الشركاء التجاريين والإقليميين وتقليص الاعتماد المفرط على أنقرة في بعض السلع أو الترانزيت لتقليل تأثير أي عقوبات اقتصادية أو احتكاكات حدودية وهذا خيار متوسط الأمد ولكنه يعزز قدرة بغداد التفاوضية.
د.الموازنة بين الحزم والمرونة (سياسة واقعية)
تبدأ بالرد المتدرج باعتماد سياسة (درجيه )تبدأ بالدبلوماسيات والتحذيرات الرسمية، ثم تعزيز آليات التنسيق، وإذا فشل الحوار يمكن تحويل الموقف إلى ضغوط أقوى (سياسية/قانونية) مع تجنّب الصدام المباشر ما لم يحدث خرق جسيم للسيادة وتعتبر هذه المقاربة توازن بين حماية المصالح والحيلولة دون تصعيد خطير.
٤.توصيات عملية موجزة (قابلة للتنفيذ الآن)
أ.دعوة لأنقرة لحوار طارئ بعيدا عن العلنية لتحديد قواعد عمل واضحة (خريطة مناطق، إشعارات مُسبقة، قنوات اتصال).
ب.تفعيل لجنة عراقية (برلمانية–حكومية )لرفع موقف موحّد، وإعداد مرجعية قانونية تُبيّن الحدّ الأدنى لقبول أي تواجد أجنبي.
ج.تعزيز التنسيق الاستخباراتي مع الدول الفاعلة (مثل دول إقليمية أو شركاء دوليين) لتقليل ذريعة العمليات التركية والعمل داخلياً على تحييد التهديدات بنفس قدر الإمكان.
د.مواصلة فتح قنوات الشعبوية والإعلام لتوضيح أن الموقف العراقي يهدف لحماية السيادة ومنع زعزعة الاستقرار المحلي مع ارسال رسالة مهمة لاحتواء توتر الرأي العام المحلي والإقليمي.
٥.الخاتمة.
تمديد البرلمان التركي لتفويض عمليات عبر الحدود خطوة استراتيجية لأنقرة لها أبعاد داخلية وخارجية، وتشكّل اختباراً لقدرة بغداد على حماية سيادتها دون الانزلاق إلى تصعيد عسكري واسع ومقترحي أفضل مسار عملي للعراق هو الجمع بين دبلوماسية نشطة، مع آليات تنسيق أمنية ميدانية، وتقوية قدرة الدولة على فرض الأمن داخل أراضيها، مع استخدام الأوراق الاقتصادية والقانونية كأدوات ضغط متبادلة. اتخاذ خطوات سريعة ومتوازنة الآن واعتبره هو الطريق الأقل تكلفة لحماية المصالح القومية العراقية على المدى القصير والمتوسط.
الفريق ق خ الركن الدكتور
عماد ياسين الزهيري