حين يغيب العقل الواعي ( التحرش كأزمة مجتمع)

بقلم: م.م. حسين شكران العقيلي
كاتب وباحث

لا يمكن النظر إلى ظاهرة التحرش باعتبارها مجرد انحراف فردي أو سلوك عابر، فهي في حقيقتها أزمة قيمية واجتماعية عميقة تكشف عن خلل في البنية الثقافية والوعي الجمعي. فالإنسان، كما يذهب بعض الباحثين، لا تحكمه إرادة العقل الواعي إلا بنسبة ضئيلة، بينما تتحرك غالبية أفعاله من منابع لا شعورية راسخة في داخله، وهذه المنابع تتشكل عبر مزيج معقد من العرف، والتربية، والبيئة الاجتماعية. وعندما تتشوه هذه المنابع، يصبح السلوك البهيمي هو الغالب، وتتحول الجماعات إلى قطيع يفتك بكرامة الآخرين دون وازع ديني او أخلاقي أو رادع قانوني.
إن النظرة الدونية للمرأة في المجتمعات الذكورية، حيث تُختزل إلى كائن تابع فاقد للذات، هي أحد أهم أسباب تفشي هذه الظاهرة. يضاف إلى ذلك التحريض الممنهج الذي شهدته الساحة العراقية مؤخراً ضد النساء، خصوصاً من لا يرتدين الحجاب أو يمارسن جزءاً من حريتهن في الأماكن العامة، وكأن جسد المرأة وملبسها أصبحا ساحة لتفريغ الغرائز المنفلتة. هذا الواقع لا يعكس فقط أزمة أخلاقية، بل يكشف عن عطب في دور العائلة التي تتغاضى عن سلوكيات أبنائها، وعن ضعف في مؤسسات الدولة التي لم تتخذ إجراءات رادعة توقف هذا السعار الاجتماعي.
ومع ذلك، فإن معالجة الظاهرة لا تقتصر على العقوبات وحدها، بل تتطلب إعادة بناء الوعي الجمعي، وإصلاح الخطاب الاجتماعي، وتربية الأفراد على احترام المرأة كإنسان كامل الحقوق. وهنا لا بد من التنويه إلى أن المرأة نفسها مطالبة بالالتزام بعفتها وحيائها، وتجنب الأماكن التي قد تعرضها للتحرش والمشاكل، وأن يكون خروجها في إطار الضوابط الشرعية والاجتماعية، وبصحبة محرم يحفظ لها كرامتها ويصونها من الانتهاك. فالمسؤولية مشتركة بين المجتمع والدولة والأسرة والمرأة نفسها، وكل طرف يتحمل دوره في مواجهة هذه الأزمة.
إن التحرش ليس مجرد فعل مشين، بل هو انعكاس لانهيار منظومة القيم، وإذا لم تتم مواجهته بوعي وإصلاح شامل، فإنه سيتحول إلى خطر يهدد السلم الاجتماعي ويقوض الثقة بين الأفراد. ومن هنا، فإن التصدي له واجب أخلاقي وقانوني وثقافي، يفرض علينا جميعاً أن نعيد النظر في جذور الظاهرة، وأن نعمل على بناء مجتمع يحترم إنسانية المرأة ويحميها من أن تكون ضحية لغرائز منفلتة أو أعراف مشوهة.