صباح البغدادي
بعيداً عن ضجيج وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، وتلك الحسابات السريعة للربح والخسارة السياسية، يستمر نوري المالكي في إصراره على الذهاب إلى آخر المشوار للحصول على الولاية الثالثة لرئاسة الوزراء، محتداً تحدياً مباشراً لتصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي هدد بقطع الدعم الأمريكي عن العراق إذا عاد المالكي إلى السلطة. لكن، وفقاً لتسريبات متواترة تصلنا تباعآ بأن ، هناك محاولات حثيثة من بعض قادة الإطار – خاصة المقربين من زعيم التيار الوطني الشيعي مقتدى الصدر – لتقريب وجهات النظر قدر الإمكان والوصول إلى نقطة الالتقاء بين الرجلين. هذه المحاولات، التي تحمل طابعاً استقصائياً في هذا المقال، تصطدم بجدران من الماضي الأليم، وتطرح تساؤلات استراتيجية حول ما إذا كانت نوايا المالكي صادقة أم مجرد مناورة لمواجهة “الفيتو” الأمريكي.التسريبات: جهود خلف الكواليس لتحالف غير متوقعمن خلال تحقيقاتنا الاستقصائية، التي اعتمدت على مصادر متعددة داخل الإطار التنسيقي ومقربة من التيار الصدري، تكشف التسريبات أن هناك حوارات مفتوحة واتصالات متواصلة بين ممثلين عن المالكي وقادة الإطار للتقريب بينه وبين الصدر. يأمل المالكي، حسب هذه المصادر، في أن يقف الصدر إلى جانبه في تحديه للحصول على الولاية الثالثة، مستفيداً من دعم جماهير التيار الصدري المليونية لإرسال رسالة قوية إلى إدارة البيت الأبيض بأن لديه شعبية جارفة لا يمكن تحديها. على سبيل المثال، أفادت تسريبات حديثة بأن اجتماعات طارئة عقدت في بغداد بين نواب من ائتلاف دولة القانون (بزعامة المالكي) ومستشارين للصدر، حيث تم طرح عروض مغرية تشمل وزارات سيادية ومناصب رفيعة مقابل مشاركة في الاحتجاجات ضد “التدخل الأمريكي”. لكن هذه الجهود ليست جديدة تماماً؛ ففي السنوات الماضية، شهدت الساحة الشيعية محاولات مشابهة، كما في 2021 عندما اندلع خلاف علني بين الاثنين بعد تسريب تسجيلات صوتية وصف فيها المالكي الصدر بـ”الجبان” و”الدموي”، مما أدى إلى تصعيد إعلامي. اليوم، مع إصرار المالكي على الترشح رغم الرفض الأمريكي، يبدو أن هذه المحاولات تأتي كرد فعل دفاعي، لكنها تكشف عن انقسامات داخل الإطار نفسه، حيث يرى بعض الأعضاء (مثل هادي العامري من منظمة بدر) في التحالف مع الصدر مفتاحاً للاستقرار، بينما يخشى آخرون من فقدان النفوذ.عقبات الماضي : “صولة الفرسان” والتسجيلات المصورة كسيف مسلط على الرغم من الجهود، يظل السيد مقتدى الصدر على موقفه الرافض، حسب التسريبات ذاتها. السبب الرئيسي هو “غصة” الماضي، خاصة عملية “صولة الفرسان” في 2008، التي شنها المالكي ضد جيش المهدي (التابع للصدر) بدعم أمريكي صريح، مما أدى إلى زج قيادات ومقاتلين في السجون وقتل عشرات. هذه الحملة، التي وصفتها تقارير دولية (مثل تلك من منظمة هيومن رايتس ووتش) بأنها “انتقامية وطائفية”، خلقت جرحاً عميقاً في ذاكرة التيار الصدري، الذي يرى فيها خيانة داخلية مدعومة خارجياً.أضف إلى ذلك التسجيلات المصورة والصوتية الخاصة بالمالكي، التي تُعاد تداولها الآن في الأرشيف الإعلامي لفضائيات عراقية مثل الشرقية أو البغدادية. في هذه المقابلات، يظهر المالكي وهو يوجه انتقادات حادة وشخصية للصدر، واصفاً إياه بـ”الفوضوي” و”الخطر على العراق”، مما يجعل أي تقارب يبدو كـ”مكر أخ”، كما يقول المثل العربي. في تحقيقنا، تواصلنا مع مصادر مقربة من الصدر، التي أكدت أن هذه التسجيلات تُستخدم الآن كدليل في الحوارات الداخلية، حيث يطرح السؤال المتكرر: “هل يشعر المالكي اليوم بالذنب ويريد التقارب لنبذ الخلافات، أم أن رفض ترامب هو السبب الوحيد؟” الإجابات، حسب هذه المصادر، تكاد تكون متوافقة: إذا وافقت الإدارة الأمريكية على ترشيحه، فهل سيواجه الصدر مرة أخرى بالتهديد والوعيد في أي ظرف طارئ، سواء عفوياً أم مفتعلاً؟تحليل استراتيجي: نوايا المالكي ودلالات التقاربمن منظور استراتيجي، يبدو أن محاولات التقارب ليست عفوية، بل جزء من خطة دفاعية للمالكي لمواجهة “الفيتو” الأمريكي. ترامب، الذي وصف عودة المالكي بأنها “ستؤدي إلى عدم تقديم أي مساعدات أمريكية”، يضع العراق أمام اختبار: هل يقبل بزعيم يُتهم بتعزيز النفوذ الإيراني، أم يبحث عن بدائل؟ هنا، يأمل المالكي في استخدام جماهير الصدر كـ”سلاح شعبي” لإرسال رسالة إلى واشنطن بأن له دعماً جارفاً، لكن الرفض القاطع من الصدر – الذي أمر أنصاره بالهدوء وعدم الانجرار إلى “كلاسيكو المالكي-ترامب” – يجعل هذا التقارب يصطدم بعقبة رئيسية: عدم الثقة.استقصائياً، أظهرت تحقيقاتنا أن الحوارات تخللتها إظهار تسجيلات مصورة سابقة، التي أثبتت صحتها، حيث يتلفظ المالكي بعبارات صارخة ضد التيار الصدري وزعيمه. هذا يعزز الشكوك في أن التقارب ليس إلا تكتيكاً مؤقتاً، وأن المالكي قد يعود إلى “العداء” إذا نجح في الولاية الثالثة، خاصة مع تاريخه في استهداف الخصوم السياسيين.نظرة استباقية: مستقبل التحالفات وتداعياتها استباقياً، إذا نجحت هذه المحاولات – رغم عقبة الرفض – فقد يؤدي ذلك إلى تحالف هش داخل الإطار التنسيقي، يعتمد على مصالح مؤقتة، لكن يهدد بانهيار سريع إذا عاد المالكي إلى السلطة وواجه أزمات داخلية (مثل احتجاجات شعبية أو خلافات مع الكرد). استراتيجياً، قد يستغل ترامب أي تقارب لفرض شروط قاسية، مثل تقليص نفوذ الفصائل الولائية أو إصلاحات اقتصادية، مما يعمق الشرخ مع إيران.أما إذا استمر الرفض، فسيكون ذلك إشارة إلى قوة التيار الصدري كقطب مستقل، قد يدفع الصدر إلى تحالفات بديلة مع كتل سنية أو كردية، مما يعيد رسم خريطة التحالفات الشيعية. في المستقبل، يبدو أن هذا التقارب لن يكسر عقبة الماضي إلا إذا قدم المالكي اعتذاراً علنياً أو ضمانات حقيقية، وإلا سيظل “مكر أخ” يهدد الاستقرار العراقي.في الختام، يظل السؤال المركزي: هل يريد المالكي التقارب لمصلحة العراق، أم لكرسي السلطة؟ الإجابة، حسب التسريبات والتاريخ، تميل إلى الثانية، مما يجعل أي تقارب محفوفاً بالمخاطر. العراق يحتاج إلى زعماء ينبذون الخلافات الحقيقية، لا يستغلونها لأجندات شخصية.