الصورة التي لم تحترق

رياض سعد

لم يكن أحمد كارهاً للحب، بل كان يخافه...

كان يرى في الزواج قفصًا من ذهب، وفي الحرية جناحين لا يُستغنى عنهما… ؛  لذا لم يكن أحمد راغباً في الزواج أبداً… ؛  رغم شبقه الجنسي، فقد كان يعشق الحرية إعجاب النسر بفضاءات السماء، ويخشى القيود خوف السجين من قضبان الزنزانة. وكانت طريقته الوحيدة للإشباع هي العادة السرية، كهفاً سرياً يلوذ به من عواصف الجسد، مُعتقَداً أنّه يحافظ على استقلاليّته وسط صحراء من التوقعات… ؛ فقد عاش سنواته الأولى مكتفيًا بعزلته، يتقاسم الليل مع أفكاره، ويصادق الصمت أكثر مما يصادق البشر… ؛  كان يؤمن أن الوحدة أصدق من الوعود، وأن القلب إذا تعلّق صار هشًّا وسهل كسره … .

حاول الأب مرارًا أن يغيّر قناعاته، فكان يصطدم بجدار صلب من الرفض… ؛ ولما يئس الأب من أحمد، التفت إلى خالد، الابن الأصغر… ؛  خالد، الذي لم يكن مستعدًا، رضخ خالد، كغصنٍ رطبٍ تحت وطأة الفأس ، ودُوّن يوم الخميس في تقويم العائلة يومَ خطبةٍ تليق بالأعراف … ؛ وقَبِل على مضض بالزواج من ابنة خاله، هيفاء…

نعم , كان لأخيه خالد قلبٌ أكثر رقة، وإن كان أقلّ صلابة. وحين اصطدم الأب – ذلك الرجل الذي تشبّثت تجاعيد وجهه بتقاليد العشيرة كما تتشبث جذور السنديان بالتربة – برفض أحمد المتكرر، التفتَ إلى ابنه الأصغر… ؛ كان حلم الأب بسيطاً وعنيفاً كفخ الصياد: أن يرى أحفاده يلعبون بين قدميه، ليصنع من لحمهم ودمهم امتداداً لاسمه في سجلّ القبيلة، في مجتمعٍ يخلط بين قيمة الإنسان وعدد رجاله ، ويجعل من التفاخر بالذرية نَشيداً مقدساً… ؛ كان تأخر الزواج يُعد نقصًا أو عيبا غير معلن.

لكنّ خالداً، وفي لحظة جنون شجاع … ؛ و قبل أن تُعلَّق الزينة، وقبل أن تُقرأ الفاتحة، تراجع خالد فجأة… ؛ وهرب من المصير كطائر يقطع قفصه عند الفجر… ؛  وهنا انفجر بركان الغضب في صدر الأب وعلا صوته : تحطمت الأواني، وتناثر زجاج النوافذ كدموع مكلوم، وصار البيت مسرحاً لهياج كرامة مجروحة… ؛  ولجأ خالد إلى بيت عمته أم إحسان، تلك المرأة التي كانت تحمله في عينيها كقطرة ندى على ورقة ربيع…

الأب: سلطة المجتمع المتجسدة في شخص واحد

الأب ليس شريرًا.

هو ابن ثقافة ترى في الزواج إنجازًا اجتماعيًا، وفي الأحفاد امتدادًا للذات.

غضبه ليس ذاتيًا، بل جمعي.

هو يتصرف كوكيل عن العشيرة، لا كأب فقط.

انهياره حين هرب خالد سببه شعوره بانكسار صورته أمام الناس.

كرامته مرتبطة بنظرة الآخرين، لا براحة أبنائه.

يمثل جيلًا يقدّم “الشكل” على “الجوهر”، والاستقرار الظاهري على السلام النفسي…

كان هروب خالد إهانة علنية في  رائعة النهار وعلى رؤوس الاشهاد … ؛ وبقي الأب وحيدًا في مواجهة فضيحة اجتماعية تلوح في الأفق… ؛ اذ كان فسخ الخطبة في عرف العائلة عارًا صامتًا، يلتصق باسم الفتاة قبل الجميع…

خالد: الهارب من مسؤولية لم يخترها …

خالد شخصية ضعيفة أمام الضغط…

رضخ أولًا، ثم تمرّد، ثم هرب… ؛ هو نموذج للإنسان الذي لا يملك لغة المواجهة، فيلجأ إلى الفرار.

انسحابه المفاجئ ليس شجاعة، بل ارتباك داخلي.

لم يكن مستعدًا لبناء حياة، لكنه لم يعرف كيف يقول “لا” في الوقت المناسب…

***

أمّا أحمد، فكان يراقب المشهد من برج عزلته… ؛ وهنا، تقدم خطوة إلى الأمام…

لم يفعلها بدافع الحب والرغبة ، بل بدافع المسؤولية والحمية … ؛ رأى دمعة العار في عيني أبيه وانهياره النفسي ، وتخيّل الهمسات السامة تنتشر كالذباب حول سمعة الفتاة (هيفاء) وعائلتها، حيث يتحول فسخ الخطبة في عُرف القبيلة إلى وصمة تلتصق بالبنت، بغضّ النظر عن الحقيقة… ؛  رأى جسراً من الصداقة العائلية ينهار؛  وتخيّل القطيعة مع الخال ، و رأى والده يتحول إلى ظلّ مهزوم… ؛  شعرَ بثقل المسؤولية، ذلك الوحش الذي كان يهرب منه طويلاً، يطوق صدره الآن طوقاً حديدياً… ؛ فقرر أن يقدم نفسه قرباناً على مذبح العرف والسلامة العائلية , و أن يتحمل العبء وحده … .

ذهب مع عمه سعيد إلى بيت الخال… ؛ وعندما رأى هيفاء للمرة الأولى، انكسرت قناعاته القديمة على شاطئ جمالها… ؛  كانت كالقمر في ليلة اكتماله، جمالاً يخطف الأنفاس ويُذهل البصائر… ؛ لم تكن جميلة فحسب، بل كانت تشبه صباحًا خجولًا يطل من نافذة بعيدة… ؛  في عينيها شيء من الحيرة، وفي ابتسامتها ظل سؤال مؤجل… ؛ تحوّل قبوله من قرارٍ قسريّ إلى استسلامٍ مليءٍ بالترقب ؛ و من تضحية إلى قناعة، ومن واجب ثقيل إلى احتمال حياة…!!

 في مجتمعه، كان جمال المرأة هو الباب الذهبي الذي يدفع الكثيرين لدخول متاهة الزواج، حتى لو كان خلف ذلك الباب حدائق مليئة بالأشواك، وغالباً ما يُنسى جمال الروح تحت ركام الألوان والأشكال…!!

وفي يوم الخميس، بعد وليمةٍ من اللحم والضحكات المصطنعة، قرأوا سورة الفاتحة , و تمت الخطبة، وتعالت الزغاريد، ورقص الأطفال، واختلط صوت الموسيقى بفرقعات الهواء… ؛  وانطلقت العيارات النارية، ودار الشباب في دائرة الفرح المرسوم، لكن أحمد بدأ يشعر وكأنه يشاهد المسرحية من خلف زجاج سميك.

أحمد: الرجل الذي دخل الزواج وهو يحمل جراح الحرية …

أحمد ليس باردًا كما يبدو، بل متحفّظ حدّ الألم.

هو نموذج للإنسان الذي بنى حول قلبه أسوارًا عالية، ليس لأنه لا يريد الحب، بل لأنه يخشاه… ؛ فالحرية عنده ليست ترفًا، بل آلية دفاع… ؛  لقد تعلّم مبكرًا أن التعلّق يجعل الإنسان مكشوفًا، وأن القرب يخلق نقاط ضعف.

قراره بالزواج لم يكن انبثاق رغبة، بل استجابة لضغط أخلاقي واجتماعي… ؛ فقد دخل العلاقة من موقع “المنقذ”، لا من موقع العاشق… ؛  وهذا خطأ نفسي شائع: حين يبدأ الحب من التضحية بدل الرغبة، يتحول لاحقًا إلى مرارة…

***

بعد الخطوبة، زار هيفاء… ؛  قبل خدودها الوردية وشفتيها القرمزية التي تنبض كزهرة رمان، لكنه شعر ببرودٍ غريب في ردودها، وكأن قبلةً منها كانت كلمةً تُنطق بلا معنى… ؛  كانت هناك هُوة صامتة… ؛  ألحّ عليها أن تبوح له بأسرار قلبها، وأقسم لها على المصحف أنه سيتحمّل الوزر وينسحب لو كان هناك حبّ سابق في حياتها… ؛  نفت ذلك بلهجة الجريح الذي يدافع عن كرامته، فأراح قلبُهُ المتيّم إلى كلماتها، مؤمناً بالظاهر الجميل…

لكنّ شبح الماضي كان يتربص… ؛ ففي يوم الزفاف، لاحظ أحمد وسط كل ذلك الضجيج  ؛ شاباً غريباً بسيارة يابانية فاخرة ( سوبر موديل 1985 )، يقود بمحاذاة موكبهم… ؛  كانت عينا الغريب، كعيني ذئب جائع في ظلمة الغابة، تحدقان في هيفاء بإصرارٍ مريب… ؛  ولحظ نظرة خاطفة، سريعة كالبرق، ألقتها هيفاء نحو الغريب، نظرة ثقيلة بكل ما لم يُقل… ؛ نعم , انه شاب لا ينتمي إلى العائلة، يحدق في هيفاء بنظرة لا تشبه نظرات الفضوليين… ؛  كانت نظرة ممتلئة بشيء أعمق… بشيء مؤلم… ؛ ثم اختفى الغريب فجأة، وكأنه طيف، لكنّ الظلّ بقي في قلب أحمد…

تجاهل أحمد الأمر على مضض … ؛ فالحياة، كما كان يعتقد، لا تُبنى على الظنون.

بعد الزواج، حاول الاقتراب منها… ؛  قبّل جبينها، استمع إلى صمتها، قرأ ارتباكها… ؛  كانت لطيفة، لكنها بعيدة… ؛ حاضرة بجسدها، غائبة بروحها… ؛  سألها ذات مساء عن ماضيها، أقسمت له أنها لم تعرف حبًا قبلَه، فصدّقها… ؛ بل أراد أن يصدقها…!!

هيفاء: الأنثى الممزقة بين الماضي والواجب …

هيفاء ليست خائنة بالمعنى السطحي…

هي ضحية انتقال قاسٍ من علاقة عاطفية إلى زواج تقليدي دون مساحة للحزن أو الوداع أو المعالجة النفسية…

هي فتاة لم تُمنح حق الاختيار الحقيقي…

حين دخلت حياة أحمد، كانت تحمل في داخلها علاقة لم تُدفن بعد…

برودها العاطفي ليس قسوة، بل حالة انفصال داخلي… ؛  جسدها حاضر، لكن روحها ما تزال معلّقة في زمن سابق.

إنكارها لماضيها ليس خبثًا، بل خوف: خوف من الفضيحة، من خسارة الاستقرار، من نظرة المجتمع…

هيفاء تمثل مأساة كثير من النساء في البيئات المحافظة: يُطلب منهن أن ينتقلن من حب إلى زواج كما يُنقل الأثاث من بيت إلى بيت.

***

ومرت الأيام… ؛ وبعد شهرين من الزواج، وفي زيارةٍ لبيت أهلها، رأى أحمد ذلك الشاب مرة أخرى واقفاً عند مدخل الشارع، ضخم الجثة، خشن الملامح، تلمع في عينيه نيران شهوة بدائية… ؛  عندها، بدأ الجليد يذوب ليكشف عن الصخور الحادة للشكّ… , و تسلل القلق إلى صدره، لكنه دفنه تحت طبقات من الثقة. ؛  لم يتركها، وظلّ يراقب كالصقر حتى فرّ الغريب…

***

حتى جاءت خديجة…

مرت أشهرٌ على صفيحٍ ساخن من القلق المقموع… ؛  حتى جاءت اللحظة القاضية: فقد زار خديجة، احدى نساء الاقارب , كثيرة الثرثرة … ؛ وطالما وضعت السمّ في عسل النصح… ؛  وبحجة الإعجاب، قالت له بلا اكتراث : “أنت يا أحمد ثاني رجل في حياة هيفاء، فلم تعشق غير زياد من قبل”… ؛  وسَمَت أوصافه، فعرف أحمد أنه الشاب الغريب، عشيق الماضي الذي لم يمت… ؛ سقط العالم دفعة واحدة…!!

خديجة: ناقلة الخراب البارد

خديجة تمثل أخطر نوع من البشر: الذين يدمّرون دون أن يرفعوا صوتهم… ؛ لم تقل الحقيقة بدافع أخلاقي، بل بدافع خفي: الغيرة، الفضول، أو الرغبة في إشعال مأساة…

هي مثال على العنف الاجتماعي الناعم: كلمة واحدة، توقيت واحد، كفيلان بتحطيم بيت كامل…

وأما زياد :

زياد: الماضي الذي يرفض الموت … ؛ فهو ليس مجرد “عاشق سابق”…

هو رمز للعاطفة غير المغلقة، للعلاقة التي انتهت اجتماعيًا لكنها بقيت حيّة نفسيًا…

ظهوره الصامت يعكس التعلق المرضي: مراقبة من بعيد، حضور بلا تدخل، انتظار بلا أمل…

هو ظلّ يسير خلف القصة، لا ليغيّرها، بل ليذكّر بأن بعض العلاقات لا تموت، بل تتحول إلى أشباح…

***

عاد أحمد إلى البيت كمن يركض فوق زجاج مكسور… ؛ تحول الحبّ إلى بركان غضب أعمى… ؛ اذ هرع إلى البيت كعاصفة هوجاء، وانهالت يده عليها ضرباً مبرحاً، ليس انتقاماً للخيانة بقدر ما هو إحراقٌ لصورة الحبّ الوهمي الذي عاشه… ؛ وقد واجه هيفاء بالحقيقة، لم تنكر… ، ولم تملك القوة للاعتراف الكامل… ؛  كان الغضب أكبر من اللغة، والخذلان أوسع من الغفران.

أرجَعَها إلى أهلها، وأرسل ورقة الطلاق كسهم الوداع الأخير… ؛  ثم جمع صور الزفاف، كل تلك الابتسامات المحنطة، وأشعل فيها النار… ؛  ارتفعت ألسنة اللهب لتأكل الورق والألوان، وذاكرته معها… ؛ وظن أنه أنهى القصة .

***

لكنّ صورة واحدة نَجَت من المحرقة، نصف محروقة، توقفت النيران عند حافة وجهها… ؛ ففي تلك الصورة، كانت هيفاء تنظر بعيداً، بعمقٍ وشرود، نحو جهةٍ لا علاقة لها به ولا بهذه الزفة المصورة… ؛  كانت تنظر نحو شبحها، نحو حبيبها الحقيقي.

وكلّما اشتدت لوعة الغبن في صدر أحمد، وأحسّ بأن الحياة خانته مرتين: مرة حين سلبته حريته، ومرة حين سلبته وهم حبه، يخرج تلك الصورة المحروقة… ؛  يحدّق في عينيها المائيتين في الصورة، في ذلك الشرود البعيد، محاولاً أن يفكّ رموز نظرة لم تكن له قط، ويتساءل: هل كان هو الطرف الدخيل في قصة حبٍ لم يكتب له فصولها، مجرد بديلٍ أجبرت الأعراف والشكليات على صنع إطار له، بينما بقي القلب الحقيقي معلقاً بشخصٍ آخر، خارج المشهد تماماً …؟!