البعث حين حكم
كتب رياض الفرطوسي
الحديث عن تجربة حزب البعث في العراق لا يمكن أن يكون مجرد استرجاع للماضي أو تمريناً نظرياً. هذه تجربة خلفت ندوباً عميقة في المجتمع، وآلاماً لم تُنسَ، وضحايا ما زالت حياتهم اليومية تعكس أثرها. لذلك، أي قراءة لهذه الحقبة لا تهدف إلى تلميع أي شعارات، ولا إلى الدفاع عن أيديولوجيا فقدت شرعيتها في واقعها، بل إلى فهم كيف تحولت فكرة إلى سلطة، وكيف انعكس ذلك على الإنسان قبل الدولة.
البعث لم يولد في العراق. تشكّل في دمشق أواخر الأربعينيات، في زمنٍ كان العرب فيه يتلمسون جراحهم بعد نكبة فلسطين. كانت المنطقة تغلي بالقومية، وكانت الكلمات تبدو أقوى من البنادق. وحدة، حرية، اشتراكية؛ ثلاث مفردات بدت كأنها وعدٌ بالخلاص من استعمارٍ خارجي وأنظمةٍ تقليدية عاجزة. الفكرة، في أصلها، لم تكن عراقية، ولم تكن طائفية، ولم تُصغ لتكون جهازاً أمنياً. كانت مشروعاً نهضوياً يريد استعادة كرامة جماعية مهدورة.
دخل البعث العراق عبر طلاب ومثقفين تأثروا بالمناخ القومي في بيروت ودمشق. في الخمسينيات، وجد الحزب تربة خصبة في بلدٍ يعيش صراعاً بين الملكية والشيوعيين والقوميين، وبين مدٍّ حضري ونزعات ريفية، وبين جيشٍ يرى نفسه وصياً على السياسة ونخبٍ مدنية متعثرة. كان العراق آنذاك مختبراً مفتوحاً للأفكار الكبرى. لكن الأفكار، حين تدخل مختبر السلطة، تتغير كيميائياً.
الفرق الجوهري بين البعث العراقي والحزب الشيوعي في الاتحاد السوفيتي أن الأخير استند إلى منظومة فكرية فلسفية متماسكة، مهما اختلفنا معها، بينما كان البعث مزيجاً من قومية رومانسية واشتراكية عامة غير محددة المعالم. وفي سوريا، ظل البعث محكوماً بتوازنات معقدة داخل بنية عسكرية حزبية. أما في العراق، فقد اتخذ مساراً أكثر حدة: اندمج الحزب بالدولة، ثم ابتلعها، ثم اختصرها في شخص.
هنا تتلاشى الفكرة وتظهر السلطة عارية. “الوحدة” بقيت شعاراً يُرفع في الخطب، بينما كانت الحروب تمزق الداخل والخارج. “الاشتراكية” تحولت إلى إدارة ريعية لثروة نفطية ضخمة، تشتري الولاءات أكثر مما تبني اقتصاداً إنتاجياً. “الحرية” صارت كلمة خطرة إن نطقها مواطن خارج السياق المرسوم له. لم يكن القمع تفصيلاً عارضاً، بل جزءاً عضوياً من بنية الحكم؛ شبكة أمنية كثيفة، رقابة، تصفيات، وحروب داخلية وخارجية دفعت أثمانها أجيال كاملة.
الخصوصية العراقية للبعث لا تكمن في الشعار، بل في تحوّله إلى نظام شمولي مكتمل الأركان، يختزل الأمة في القائد، ويختزل الدولة في الحزب، ويختزل الحزب في دائرة ضيقة من الولاء الشخصي. هذه ليست خيانة عرضية للفكرة، بل نتيجة منطقية حين تُرفع الأيديولوجيا فوق المجتمع، وحين يُقدَّم “المشروع التاريخي” ذريعة لتعليق الحقوق وتأجيل العدالة إلى أجلٍ غير مسمى. الضحايا لم يكونوا أرقاماً في تقارير، بل بشراً سُحقت حياتهم باسم الضرورة القومية أو المعركة المصيرية.
ومع ذلك، فإن نقد تجربة البعث لا يكتمل إن لم نضعها في سياق أوسع: سياق علاقتنا المتوترة بالحداثة وبالقيم التي صاغها العالم المعاصر. بعد كل انكشاف لازدواجية غربية، بعد كل حرب تُدار بمعايير مزدوجة، يرتفع صوت يقول: هذه القيم ليست لنا، إنها قناع لهيمنة، فلماذا نتمسك بها؟ السؤال مفهوم، لكن الإجابة السهلة قد تقود إلى فخ أخطر.
هناك فرق بين القيمة والسياسة، بين المبدأ وتطبيقه. أن تفشل حكومة غربية في احترام حرية التعبير لا يعني أن حرية التعبير فكرة زائفة. أن تُداس حقوق شعب تحت أنظار العالم لا يعني أن مفهوم الكرامة الإنسانية بلا معنى. القيم الكبرى، حين تتبلور، تخرج من سياقها الأول لتصبح ملكاً مشاعاً للبشر. لا أحد يحتكر العدالة، ولا أحد يملك براءة اختراع للحرية.
القول إن حقوق الإنسان “دخيلة” لأنه لم يكن لنا الدور الأكبر في صياغتها، هو في جوهره استقالة طوعية من التاريخ. كل حضارة كانت مركزية في لحظة ما، والحضارة الغربية ليست استثناء. الفرق أن عالم اليوم متداخل إلى درجة يستحيل معها أن نعيش في جزيرة ثقافية مغلقة. وسائل التواصل، الاقتصاد العالمي، أنماط الحياة، كلها كسرت الجدران القديمة. لسنا خارج الحداثة حتى لو أنكرناها؛ نحن في قلبها، شئنا أم أبينا.
هذا لا يعني قبول كل ما يُصدَّر إلينا بلا نقاش. بعض التحولات الثقافية في الغرب تُطرح أحياناً بروح تبشيرية، وكأنها الحقيقة النهائية التي لا تقبل التأويل. من حق أي مجتمع أن يناقش، أن ينتقد، أن يبحث عن توازناته الأخلاقية الخاصة. لكن تحويل هذا النقاش إلى ذريعة لرفض فكرة الحقوق من أساسها، أو لتبرير أنظمة تقمع شعوبها باسم “الخصوصية”، هو قفزة إلى الخلف.
المفارقة المؤلمة أن كثيراً من الأنظمة التي تهاجم “القيم الغربية” لم تفعل ذلك دفاعاً عن هوية أصيلة، بل دفاعاً عن سلطتها. الخصوصية تحولت إلى درع للاستبداد. وهنا يلتقي نقد الغرب مع نقد البعث في نقطة واحدة: لا قداسة لسلطة لا تخضع للمساءلة، ولا شرعية لفكرة تضع نفسها فوق الإنسان.
تجربة البعث العراقي تثبت بمرارة أن أي فكرة، مهما عظمت شعاراتها أو بدت نبيلة، إذا لم تُقَيَّد بالقوانين والمؤسسات، وبفصل حقيقي للسلطات، وبحرية تعبير حقيقية، فإنها تتحوّل سريعاً إلى آلة قمع. الشعارات التي كانت تُرفع كبوصلات أخلاقية، تحوّلت إلى أبواب سجناء ومقصات حريات. الكرامة الإنسانية، إذا لم تحمها المؤسسات، تصبح عرضة للضياع، وتبقى مجرد حلمٍ بلا أثر، قصيدة تتردد في الذاكرة ولا تجد مكانها في الواقع. لكل من عاش تحت هذه السلطة، لم تكن هذه مجرد نظرية سياسية، بل واقع يومي من الخوف والحرمان، درس قاسٍ في كيف يمكن للأفكار أن تُخنق الإنسان حين تتحول إلى سلطة مطلقة.لسنا معنيين اليوم بإنقاذ أي فكرة من مصيرها، ولا بإعادة الاعتبار لأيديولوجيا أثبتت تجربتها أنها حين أمسكت بالدولة حوّلتها إلى جهاز إخضاع. ما يعنينا هو الإنسان الذي عاش تحتها، الضحايا الذين دفعوا ثمن الشعارات، والمجتمع الذي خرج من تلك الحقبة مثقلاً بالخوف والخراب. الأفكار تُقاس بنتائجها، لا بنواياها الأولى.
حين نفهم هذا، ندرك أن المعركة ليست بين شرقٍ وغرب، ولا بين قومية وليبرالية، بل بين إنسان يريد أن يعيش بكرامة، وسلطة تخاف من تلك الكرامة. والباقي تفاصيل.