أزمة القيادة ومستقبلها
الجزء الثاني: ثلاثة وجوه للغد – أي قيادة تنتظرنا؟
كتب رياض الفرطوسي
حين نرفع أعيننا نحو المستقبل، حتى عام 2035 أو 2040، نجد أن القيادة لم تعد تنتظرنا في قالب واحد. هي ليست نسخة متكررة من الماضي، ولا امتداداً آلياً لما نعرف اليوم. بل تتشكل أمامنا ثلاثة وجوه، ثلاثة سيناريوهات كبرى، كل منها يحمل تحدياته وفرصه، وكل منها يطرح سؤالاً جوهرياً: أي قيادة سنحتاجها؟
القيادة الرقمية الذكية
في هذا العالم، لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد مساعد، بل أصبح شريكاً في القرار، أحياناً يفهم الواقع أفضل من أي إنسان. القائد يعمل عبر منصات افتراضية، تحركها البيانات وتضبطها الخوارزميات. القرارات تُتخذ بسرعة الضوء، والقيمة الإنسانية أحياناً تتراجع أمام كفاءة الخوارزميات ودقتها.
التحدي: كيف يحافظ القائد على إنسانيته، ويظل قادراً على الإلهام والتوجيه، لا مجرد إدارة أنظمة رقمية؟
القيادة الإنسانية الخادمة
على الضفة الأخرى، هناك قيادة تعيد الإنسان إلى قلب العملية السياسية والاجتماعية. الذكاء العاطفي يتقدم التحليلي، والقيم الأخلاقية ليست شعارات مزخرفة، بل معايير حية تحكم كل قرار. العدالة، الاستدامة، والبعد المجتمعي ليست رؤى نظرية، بل واقع يومي يُصنع على يد القائد الذي يفكر في أثر كل خيار على البشر من حوله.
التحدي: كيف يوازن هذا القائد بين البطء الأخلاقي وضغط سرعة الأحداث؟ كيف ينجو من أن تصبح مبادئه شعارات بلا أثر في عالم لا يتوقف؟
قيادة الفوضى
هناك وجه ثالث، حيث يسود اضطراب اقتصادي وتقلب سياسي وأزمات متلاحقة. في هذا العالم، لا تُبنى استراتيجيات بعيدة المدى، بل تُطفأ الحرائق في كل لحظة. هنا، المرونة، السرعة، والحسم تصبح مهارات البقاء الأساسية، أكثر من أي معرفة نظرية أو تخطيط مسبق.
الحقيقة الصادمة: الواقع غالباً لن يكون نسخة نقية من أي سيناريو واحد. إنه مزيج هجين، تتقاطع فيه التقنية والقيم والفوضى، أحياناً في آن واحد. تجاهل أي احتمال سيكون خطأ قاتلاً.
ماذا نستخلص؟
مستقبل القيادة سينقسم بين ثلاثة سيناريوهات محتملة: الرقمي، الإنساني، والفوضوي.
التكنولوجيا ستصبح لاعباً حاسماً، تحدد الإيقاع وتفرض واقعاً جديداً على القائد والمجتمع.
القيم الإنسانية قد تعود بقوة، أو تتراجع أمام سرعة التحولات وعدم الاستقرار.
الاستعداد الحقيقي لا يعني التمسك بنموذج واحد، بل تطوير قدرة القائد على التعامل مع سيناريوهات هجينة ومتداخلة.
في النهاية، القيادة بعد الغد لن تكون امتداداً لما نعرفه اليوم، بل قدرة على التنقل بين ثلاثة عوالم متوازية، تحمل كل منها مخاطرها وفرصها. من يفهم هذا، يصنع قادة قادرين على مواجهة المستقبل بكل وجوهه، لا مجرد نسخة من حاضر سريع الزوال.