صناعة الابناء

صناعة الأبناء

الجزء الثالث: العقل والإرادة… عمودا الشخصية

كتب رياض الفرطوسي

كثيرون يختزلون التربية في كلمات.
نصيحة سريعة قبل النوم.
تنبيه عابر على مائدة الطعام.
محاضرة قصيرة عند الخطأ.

لكن التربية، في حقيقتها، ليست كلاماً يُقال… بل بناءً يُقام.

ليست تلقيناً لمعلومات، ولا حشداً لقواعد السلوك، بل صياغة إنسان من الداخل.
أن تعيد ترتيب طريقته في التفكير، وأن تمنحه بوصلة أخلاقية توجه قراراته حين تغيب أنت.

الإنسان لا يتحرك بعفوية خالصة.
يحركه شيئان:
ما يفهمه… وما يريده.

هنا تكمن المعادلة البسيطة والعميقة في آن:
عقلٌ يدرك، وإرادةٌ تفعل.

العقل هو القدرة على الفهم والتحليل والتمييز.
أن يعرف لماذا يفعل ما يفعل.
أن يفرّق بين الخطأ والصواب لا خوفاً من عقاب، بل وعياً بالعواقب.

أما الإرادة فهي الطاقة التي تدفعه إلى التنفيذ.
أن يتحول الفهم إلى سلوك، والفكرة إلى قرار، والقرار إلى فعل.

قد تجد طفلًا يفهم الصواب، لكنه لا يريده.
وقد تجد آخر متحمساً، لكنه بلا رؤية.
كلاهما يحتاج إلى تربية.

أسوأ الحالات أن يجتمع غياب الفهم مع غياب الرغبة؛
هناك يبدأ الانحدار.
وأفضلها أن يجتمع الوعي بالفعل؛
هناك تبدأ الشخصية في التشكل.

هدف التربية ليس أن يبقى الابن متكئاً عليك في كل خطوة.
ليس أن يسألك عن كل قرار، ولا أن ينتظر إشارتك في كل موقف.
إذا ظلّ محتاجاً إليك ليفكر بدلًا عنه، فأنت لم تبنِ عقلًا.
وإذا ظلّ محتاجاً إليك لتدفعه كل مرة، فأنت لم تبنِ إرادة.

النجاح الحقيقي في التربية لحظةٌ دقيقة:
أن تكتشف أن ابنك لم يعد يعتمد عليك في كل شيء.
أنه صار قادراً على الفهم وحده، واتخاذ القرار وحده، وتحمل نتيجته وحده.

بعض الآباء يخطئون حين يظنون أن السيطرة تعني النجاح.
كلما كان الابن أكثر التصاقاً، شعروا بالاطمئنان.
لكن الحقيقة المزعجة تقول العكس:
التعلق الزائد قد يكون علامة ضعف تربوي، لا قوّة.

أنت لا تربي أبناءك ليبقوا في ظلك إلى الأبد،
بل ليقفوا في الضوء وحدهم.

التربية ليست ربطاً دائماً، بل إعدادٌ للفصل الصحي.
أن تعلّمه كيف يفكر دون أن تُملي عليه.
وكيف يتحرك دون أن تدفعه من الخلف.
وكيف يختار، حتى لو خالفك أحياناً.

مقياسك الصادق بسيط وقاسٍ:
إلى أي درجة يستطيع ابنك أن يستقلّ عنك فكراً وقراراً؟
كلما ارتفعت هذه الدرجة، اقتربتَ أنت من النجاح.

لكن تبقى عقدة المسألة:
العقل يمكن تغذيته بالعلم والخبرة والحوار…
أما الإرادة، فكيف تُبنى؟
كيف نزرع في الأبناء قوة الفعل، لا مجرد حسن الفهم؟

وهنا تبدأ المرحلة العملية من صناعة الأبناء.