مرآة الوجود: تأمّل فلسفي في الصراع الشيعي–اليهودي

خالد الغريباوي

حين يُستدعى الحديث عن الحرب القادمة بين إيران وإسرائيل داخل الأفق الذي رسمته، فإن الصراع الشيعي–اليهودي يتجاوز مجرد تأمل في الذاكرة إلى قراءة في المستقبل، هنا تتداخل السياسة مع الميتافيزيقا، إذ لا تُفهم الحرب المحتملة فقط كحدث عسكري، بل كمرآة تتقاطع فيها روايات دينية عميقة تشكّل وعي الطرفين.

في المخيل الشيعي، يُفهم الصراع الحالي ليس فقط كاختبار للعدالة والمبادئ، بل كجزء من سلسلة أحداث عالمية تؤدي إلى ظهور الإمام المهدي، الذي سيعيد ترتيب العالم على أسس العدالة الإلهية، في هذا التصور، ليس الهدف مجرد الانتصار العسكري على الخصوم، بل تحقيق مرحلة جديدة حيث يسود العدل الإلهي على الأرض، بعد أن يُهزم اليهود و الظالمون ويُستتب الأمن والحق، الحرب القادمة في هذا الإطار، ليست حدثًا عابرًا بل بداية لمرحلة كونية، يكتسب فيها التاريخ بعدًا أخلاقيًا وروحيًا، حيث تتحول الدولة والمجتمع إلى أدوات لتحقيق هذا الوعد الغيبي.

في المقابل، يحمل الوعي اليهودي جذوره النصية في سفر التكوين، حيث تتأسس فكرة العهد والهوية على علاقة خاصة بين الشعب والتاريخ والأرض،، سفر التكوين لا يتحدث عن حرب معاصرة، لكنه يضع الإطار الرمزي لفكرة الشعب الذي يرى نفسه جزءًا من قصة ممتدة منذ البدايات، داخل هذا الأفق تُقرأ التهديدات الوجودية كاختبارات لاستمرارية ذلك العهد. وهكذا تكتسب أي حرب محتملة بعدًا يتجاوز الاستراتيجية: إنها تمس سردية التأسيس ذاتها.

عندما تُسقط هاتان القراءتان على فكرة الحرب القادمة، يظهر الصراع كأنه تقاطع بين زمنين: زمن القيم والمعنى وزمن السياسة والقرار ،، في الرؤية الشيعية يمكن أن تُفهم الحرب كحلقة في دراما كونية تتجه نحو تحقيق وعد عالمي للعدالة، حيث ينقلب المشهد العالمي بعد الانتصار على القوى الغير مسلمة، وفي الرؤية اليهودية، تُفهم الحرب كضرورة للحفاظ على استمرار الهوية الجماعية وحماية العهد التوراتي، بين الاتجاهين يتشكل توتر فلسفي عميق: هل المعنى يتحقق من خلال لحظة الانتصار المطلق وإعادة ترتيب العالم، أم من خلال البقاء المستمر والحفاظ على الهوية عبر الزمن؟

التأمل الفلسفي يكشف أن قوة هذه الروايات لا تكمن في تنبؤاتها فقط، بل في قدرتها على تشكيل وعي المجتمع تجاه الصراع. فحين يُنظر للتاريخ كمسار أخلاقي وروحي، تصبح الحروب المحتملة أكثر من مجرد حسابات عسكرية؛ إنها مواجهة رمزية لاختبار استمرار القيم والهويات عبر الزمن، وفي حالة المخيل الشيعي، اختبار لإمكانية تحقيق وعد عالمي بالعدل والسيطرة بعد القضاء على اعداء الاسلام وكل الجبهة اليزيدية كما اسماها المرشد علي خامنئي.

ومع ذلك، تكشف الفلسفة مفارقة مؤلمة: كلتا الروايتين، الشيعية واليهودية، تنبعان من قلق مشترك تجاه الفناء وفقدان المعنى ، وهذا القلق يجعل الحرب القادمة، في بعدها الرمزي، اختبارًا لقدرة البشر على إدارة اختلاف رواياتهم دون أن تتحول النبوءة إلى قدر محتوم.

في هذا الأفق، لا تبدو الحرب القادمة مجرد مواجهة إقليمية عابرة، بل لحظة مفصلية قد تعيد رسم خرائط القوة والمعنى في الشرق الأوسط والعالم. وإذا اندلعت المواجهة بين إيران وإسرائيل، فإنها لن تغيّر موازين السياسة فقط، بل ستهزّ البنية النفسية والروحية للمنطقة، وتفتح عصرًا جديدًا تتبدل فيه التحالفات والهويات وأسئلة الوجود ذاتها. وعندها قد يتحول المخيل الشيعي إلى واقع رمزي: عالم يُعاد ترتيبه وفق وعد العدالة الإلهية بعد الانتصار على القوى المعارضة، بينما يظل العالم بأسره أمام اختبار وجودي جديد. وفي ظل هذا الاحتمال، يصبح الصراع الشيعي–اليهودي أكثر من نزاع بين طرفين؛ إنه إنذار بأن الشرق الأوسط مقبل على تحوّل عميق قد يغيّر وجه العالم كما عرفناه.