جديد

عصر التحديات الاجتماعية

عصر التحديات الاجتماعية
م.م. جاسم الطليحي
الهوية ” هي سؤال ما يميز الفرد أو الثقافة أو الأمة، ويصير السؤال محيرا حينما تكثر المتشابهات، وتختصر الكثير من المميزات في عدد قليل من الخطوط العامة المشتركة . . . يكاد يوحدها قالب واحد، أو هوية واحدة، وهي تلك القادمة من النصف الآخر الغربي “. 1
في ظل سيطرة القوى العالمية الأحادية )أمريكا ) وما تفرضه بثقافتها على العالم من طريق مفهوم العولمة الذي يسعى إلى إزالة الحواجز والفواصل الثقافية وإلغاء العادات والتقاليد وتوحيد العالم على نمط واحد، أصبح العالم بأسره يعمل جاهداً للحفاظ على هويته وحمايتها من الذوبان في هذا النموذج المفروض بالقوة وبأساليب متنوعة.
العولمة، التي بدأت كنظام اقتصادي عالمي، فرضت نفسها على عالمنا العربي والإسلامي بقوة السلاح وسياساتٍ مليئة بالمكر والخداع التي أدهشت حتى أعتى الشخصيات في عالم الإنس والجن. الغرب، من طريق غزوه الثقافي والإعلامي، يتولى الإجابة عن العديد من التساؤلات، حيث أصبح كل ما يُعرض عبر الفضائيات ويُستعمل في الإنترنت محط نقاش وجدال مستمر. ومع ذلك، لم نتمكن حتى الآن من الإجابة بوضوح عن السؤال المتعلق بكيفية حماية أبنائنا من سيطرة الإنترنت والرقمنة التي باتت طاغية بشكل غير مسبوق؟ وكيف يمكننا توجيه استخدامها بشكل رشيد يسهم في بناء جيل قوي ومتوازن.
لم تعد الرقمنة مجرد حاجة في حياتنا، بل أصبحت ضرورة وواقعًا لا يمكن تجاوزه، والدعوة إلى التخلي عنها أشبه بالدعوة إلى الانقطاع عن جميع ميادين الحياة التي لا غنى لنا عنها. لذا، من الضروري العمل على رفع الوعي بكيفية استثمارها بشكل إيجابي وترشيد استخدامها. ومن أجل حماية مجتمعنا والحفاظ على هويتنا، لابد من تقديم بدائل حقيقية وفعّالة. هذه البدائل لن تحقق الغاية منها إلا إذا تم تطويرها وتقديمها بمستوى عالٍ من الاحترافية والجاذبية، وربما بما يتجاوز ذلك، باستخدام نظريات التأثير قصير المدى وطويل المدى والتي تستهدف العمق الفكري والقناعات وأسلوب الحياة. وكما أن إدمان مشاهد الرذيلة والعنف يؤدي إلى قبولها وعدم الاستياء منها، فإن إدمان مشاهد العفة، والمواقف البطولية، والقيم الإنسانية النبيلة يسهم بشكل أكبر في غرسها واعتمادها كمبادئ حياتية، لأنها تتناغم مع الفطرة الإنسانية السليمة. علينا كأمة أن نعمل على رفع مستوى الوعي وتعزيز التمسك بالهوية الإسلامية والاعتزاز بها، من طريق إظهار مزاياها الفريدة لأبنائها والتعريف بها للعالم أجمع، بأسلوب يجذب الآخرين ويبرز مكنونها الحضاري وقيمها السامية.
إن نخبة المجتمع وأصحاب الفكر والتأثير يحملون على عاتقهم مسؤولية تاريخية جسيمة تتمثل في تعزيز أمننا الثقافي، وذلك من طريق مراقبة ما يُطرح على الساحة الإعلامية والثقافية، والعمل على استعادة الصورة المشرقة والنقية لهويتنا التي تعرضت للتشويه بفعل الأعداء، وأيضًا نتيجة تصرفات فئة من أبناء الأمة ممن أساؤوا إليها بوعي أو بغير وعي. تقع على عاتق هذه النخبة مهمة توجيه المجتمع نحو إدراك القضايا الكبرى المتعلقة بالرؤية الكونية الشاملة والغاية من وجودنا، وإعادة تشكيل محور ارتكاز الأفكار والأهداف العليا التي تستحق أن تكون موضع اهتمامنا الجاد. كما أن من واجبهم تحديد سلم الأولويات بشكل يسهم في النهوض بالمجتمع، بدلاً من السماح للثقافة الغربية بفرض نموذجها المثالي للشخصيات المؤثرة والأنشطة الحياتية والهوايات التي ترغب في الترويج لها بين مجتمعاتنا، مما يؤدي إلى طمس معالم الهوية الثقافية والقيم الاصيلة للامة.
(1) مرصد الاصلاح العربي، التقرير الثاني، تقديم: إسماعيل سراج الدين، تحرير: مصطفى علوي،2009م، مكتبة الإسكندرية، مصر.