إيران والمنطقة بعد العاصفة اختراق أم صراع استخباراتي
(الحلقة الاولى)
كتب رياض الفرطوسي
في عالم الاستخبارات لا توجد دولة محصنة تماماً، وكل قوة كبيرة تتحول تلقائياً إلى هدف كبير. من هذه الزاوية يمكن قراءة قصة رجل الدين الإيراني رضا طباطبائي، الذي ظهر لسنوات على شاشة التلفزيون الرسمي بعمامته وصوته الهادئ، قبل أن تتكشف رواية تقول إنه كان على صلة بالموساد. الحكاية في ظاهرها قصة تجسس كلاسيكية، لكنها في جوهرها تكشف شيئاً آخر، طبيعة الدولة التي تتحرك في مساحة واسعة من الصراع والرقابة المتبادلة.
إيران ليست دولة صغيرة يمكن مراقبتها من بعيد. إنها دولة قارية تقريباً، بنسيج اجتماعي كثيف، ومؤسسات متشعبة، وإعلام ضخم يعمل بلا توقف. في ايران اليوم 54 قناة تلفزيونية، و86 محطة إذاعية، و178 صحيفة يومية تصدر بلغات متعددة، من الفارسية إلى العربية والإنجليزية والفرنسية والألمانية والكردية. هذه الأرقام وحدها تقول إن المشهد الإعلامي في إيران ليس بسيطاً أو أحادياً كما يتخيله البعض.
هذه المنظومة الإعلامية يعمل فيها أكثر من ثلاثة عشر ألف شخص، كثير منهم حاصلون على شهادات عليا في التاريخ والعلوم السياسية وعلم النفس، وبعضهم تخرج في جامعات غربية. نتيجة لذلك، يمتلك الإعلام الإيراني قدرة عالية على توجيه النقاشات العامة داخلياً، وصياغة الرسائل التي تشكل الرأي العام بطريقة متماسكة ومدروسة، بحيث يستطيع التأثير على المجتمع وتحديد أولويات الحوار العام بمهارة واضحة.
لكن هذه القوة نفسها تحمل جانباً آخر من المعادلة. الإعلام الواسع يعني تدفقاً دائماً للمعلومات، وتحليلات، وظهور شخصيات عامة. في زمن التكنولوجيا، تتحول هذه المادة كلها إلى منجم معلومات مفتوح لأجهزة الاستخبارات الأجنبية. المقابلات، البرامج، النقاشات الفكرية، كلها تتحول إلى خيوط صغيرة في شبكة أكبر.
لهذا، فإن أي اختراق، مهما كان حجمه، لا يعني بالضرورة انهيار الدولة أو ضعفها الكلي. بل قد يكون مؤشراً على حجم الصراع الاستخباراتي المستمر حول مؤسساتها الحساسة، مثل الإعلام، الأجهزة الأمنية، والمراكز العلمية. فالدول التي لا تملك وزناً إقليمياً حقيقياً لا تستثمر أجهزة استخبارات كبرى سنوات طويلة في مراقبتها، أما الدول التي تلعب أدواراً استراتيجية، مثل إيران، فإن مؤسساتها دائماً تحت المجهر والمراقبة الدولية المكثفة.
في حالة إيران، يبدو المشهد أقرب إلى مباراة طويلة بين أجهزة محترفة. عمليات اغتيال لعلماء نوويين، محاولات اختراق، واعتقالات متكررة لشبكات تجسس. كل ذلك يشير إلى معركة مستمرة أكثر مما يشير إلى ثغرة عابرة. فالدول التي تتعرض لهذا الحجم من الضغط الأمني غالباً ما تكون أيضاً الدول التي تملك قدرة كبيرة على الصمود.
وربما تكمن المفارقة في أن الدولة التي تبدو في نظر خصومها مغلقة، تمتلك في الواقع واحدة من أكثر البيئات الإعلامية كثافة في المنطقة. بيئة تخلق حركة فكرية وثقافية نشطة، لكنها في الوقت نفسه تجعل إيران ساحة مفتوحة لصراع استخباراتي طويل لا يتوقف.