لا عيد في زمن الجراح
مجيد الكفائي
في ظل هذه الظروف القاسية يصبح للعيد معنى مختلف تماما فالعيد الذي اعتاد الناس أن يستقبلوه بالفرح والزيارات والتهاني يفقد روحه حين تمتزج تكبيراته بأصوات الألم والمعاناة .
إن الدعوة إلى الامتناع عن مظاهر الاحتفال ليست رفضا للعيد بحد ذاته بل هي وقفة ضمير ورسالة إنسانية تعكس حجم المأساة التي نعيشها ويعيشها اخوتنا في ايران ولبنان وفلسطين واليمن .
إن موقف المرجعية الدينية يأتي من إدراك عميق بأن الفرح لا يكتمل في ظل الظلم وأن التضامن الحقيقي لا يكون بالكلمات فقط بل بالمواقف العملية التي تعبر عن وحدة الشعور والمسؤولية .
فحين تغلق أبواب قاعات التشريفات فإنها تُفتح أبواب التأمل والمراجعة وتوجه الأنظار نحو الأولويات الحقيقية:
إيقاف نزيف الدم وإعلاء قيمة الإنسان والعمل الجاد من أجل السلام ودفع الظلم .
وعلى السياسيين قبل غيرهم أن يدركوا أن الشعوب لم تعد تنتظر منهم خطابات التهنئة بقدر ما تنتظر أفعالا حقيقية تُنهي الأزمات وتُعيد الاستقرار .
فالتخلي عن المظاهر البروتوكولية في مثل هذه الأوقات هو أقل ما يمكن تقديمه احتراما لمعاناة الناس واحزانهم وهو رسالة واضحة بأن المسؤولية الوطنية والإنسانية فوق كل اعتبار .
أما المواطنون فإن التزامهم بهذه الدعوة يعكس وعيا جماعيا ناضجا ويؤكد أن المجتمعات الحية هي التي تشعر ببعضها البعض وتُقدّم القيم على العادات حين تتعارض مع المبادئ .
فالتقليل من مظاهر الفرح لا يعني غياب الأمل بل هو تعبير عن تضامن صادق وانتظار ليوم يكون فيه العيد عيدا حقيقيا للجميع بلا استثناء .
وفي النهاية، يبقى الأمل حاضرًا رغم كل شيء. فالتاريخ علّمنا أن أشد اللحظات ظلمة تسبق بزوغ الفجر وأن إرادة الحياة أقوى من كل الحروب .
لعل هذا الموقف يكون بداية لصحوة ضمير تدفع المسلمين نحو إعلاء صوت السلام واستنكار الحروب والظلم والظلام .