آية المشكاة في تفسير مجمع البيان للشيخ الطبرسي

د. فاضل حسن شريف

جاء في تفسير مجمع البيان للشيخ الطبرسي: قوله تعالى “اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ۖ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ ۖ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ ۚ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ ۗ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ ۗ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ” (النور 35) “الله نور السماوات والأرض” (النور 35) اختلف في معناه على وجوه أحدها: الله هادي أهل السماوات والأرض، إلى ما فيه من مصالحهم، عن ابن عباس. والثاني: الله منور السماوات والأرض بالشمس، والقمر، والنجوم، عن الحسن، وأبي عالية، والضحاك. والثالث: مزين السماوات بالملائكة، ومزين الأرض بالأنبياء والعلماء، عن أبي بن كعب. وإنما ورد النور في صفة الله تعالى، لأن كل نفع وإحسان وإنعام منه. وهذا كما يقال: فلان رحمة، وفلان عذاب: إذا كثر فعل ذلك منه. وعلى هذا قول الشاعر: ألم تر أنا نور قوم، وإنما * يبين في الظلماء للناس نورها وإنما المعنى. إنا نسعى فيما ينفعهم، ومنا خيرهم. وكذا قول أبي طالب في مدح النبي صلى الله عليه وآله وسلم: وأبيض يستسقى الغمام بوجهه * ثمال اليتامى، عصمة للأرامل. يلوذ به الهلاك من آل هاشم * فهم عنده في نعمة، وفواضل. لم يعن بقوله: أبيض، بياض لونه، وإنما أراد كثرة أفضاله وإحسانه، ونفعه، والاهتداء به. ولهذا المعنى سماه الله تعالى سراجا منيرا. “مثل نوره” (النور 35) فيه وجوه أحدها: إن المعنى مثل نور الله الذي هدى به المؤمنين، وهو الإيمان في قلوبهم، عن أبي بن كعب، والضحاك. وكان أبي يقرأ: مثل نور من آمن به والثاني: مثل نوره الذي هو القرآن في القلب، عن ابن عباس، والحسن، وزيد بن أسلم والثالث. إنه عنى بالنور محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأضافه إلى نفسه، تشريفا له، عن كعب، وسعيد بن جبير. فالمعنى مثل محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الرابع: إن نوره سبحانه الأدلة الدالة على توحيده وعدله، التي هي في الظهور والوضوح مثل النور، عن أبي مسلم. الخامس: إن النور هنا الطاعة أي: مثل طاعة الله في قلب المؤمن، عن ابن عباس في رواية أخرى.

وستطرد الشيخ الطبرسي قائلا: قوله تعالى “كمشكاة فيها مصباح” (النور 35) المشكاة: هي الكوة في الحائط، يوضع عليها زجاجة، ثم يكون المصباح خلف تلك الزجاجة، ويكون للكوة باب آخر يوضع المصباح فيه، وقيل: المشكاة عمود القنديل الذي فيه الفتيلة، وهو مثل الكوة. والمصباح السراج وقيل: المشكاة القنديل. والمصباح الفتيلة، عن مجاهد “المصباح في زجاجة” (النور 35) أي: ذلك السراج في زجاجة. وفائدة اختصاص الزجاجة بالذكر، أنه أصفى الجواهر. فالمصباح فيه أضوأ “الزجاجة كأنها كوكب دري” (النور 35) أي: تلك الزجاجة مثل الكوكب العظيم المضئ الذي يشبه الدر في صفائه ونوره ونقائه. وإذا جعلته من الدرء، وهو الدفع، فمعناه: المندفع السريع الوقع في الانقضاض. ويكون ذلك أقوى لضوئه. “يوقد من شجرة مباركة” (النور 35) أي: يشتعل ذلك السراج من دهن شجرة مباركة “زيتونة” أراد بالشجرة المباركة شجرة الزيتون، لأن فيها أنواع المنافع، فإن الزيت يسرج به، وهو أدام، ودهان، ودباغ، ويوقد بحطبه، وثفله، ويغسل برماده الإبريسم، ولا يحتاج في استخراج دهنه إلى إعصار. وقيل: إنه خص الزيتونة، لأن دهنها أصفى وأضوأ. وقيل: لأنها أول شجرة نبتت في الدنيا بعد الطوفان، ومنبتها منزل الأنبياء. وقيل لأنه بارك فيها سبعون نبيا منهم إبراهيم، فلذلك سميت مباركة. “لا شرقية ولا غربية” (النور 35) أي: لا يفئ عليها ظل شرق، ولا غرب، فهي ضاحية للشمس، لا يظلها جبل، ولا شجر، ولا كهف، فزيتها يكون أصفى، عن ابن عباس، والكلبي، وعكرمة، وقتادة. فعلى هذا يكون المعنى: إنها ليست بشرقية لا تصيبها الشمس إذا هي غربت، ولا هي غربية لا تصيبها الشمس إذا طلعت، بل هي شرقية غربية، أخذت بحظها من الأمرين. وقيل: معناه أنها ليست من شجر الدنيا فتكون شرقية أو غربية، عن الحسن. وقيل: معناه أنها ليست في مقنوة لا تصيبها الشمس، ولا هي بارزة للشمس لا يصيبها الظل، بل يصيبها الشمس والظل، عن السدي. وقيل: ليست من شجر الشرق، ولا من شجر الغرب، لأن ما اختص بإحدى الجهتين كان أقل زيتا، وأضعف ضوءا، لكنها من شجر الشام، وهي ما بين الشرق والغرب، عن ابن زيد. “يكاد زيتها يضئ” (النور 35) من صفائه، وفرط ضيائه “ولو لم تمسسه نار” (النور 35) أي: قبل أن تصيبه النار، وتشتعل فيه. واختلف في هذا المشبه والمشبه به على أقوال أحدها: إنه مثل ضربه الله لنبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فالمشكاة صدره، والزجاجة قلبه، والمصباح فيه النبوة، لا شرقية ولا غربية، أي: لا يهودية، ولا نصرانية، توقد من شجرة مباركة، يعني شجرة النبوة، وهي إبراهيم عليه السلام، يكاد نور محمد صلى الله عليه وآله وسلم يبين للناس، ولو لم يتكلم به، كما أن ذلك الزيت يكاد يضئ. ولو لم تمسسه نار أي: تصبه النار، عن كعب، وجماعة من المفسرين. وقد قيل أيضا: إن المشكاة إبراهيم، والزجاجة إسماعيل، والمصباح محمد صلى الله عليه وآله وسلم، كما سمي سراجا في موضع آخر. من شجرة مباركة: يعني إبراهيم، لأن أكثر الأنبياء من صلبه. لا شرقية ولا غربية: لا نصرانية ولا يهودية، لأن النصارى تصلي إلى المشرق، واليهود تصلي إلى المغرب. يكاد زيتها يضئ أي: تكاد محاسن محمد صلى الله عليه وآله وسلم تظهر قبل أن يوحى إليه.

قوله تعالى “نور على نور” (النور 35) أي: نبي من نسل نبي، عن محمد بن كعب. وقيل: إن المشكاة عبد المطلب، والزجاجة عبد الله، والمصباح هو النبي صلى الله عليه وآله وسلم، لا شرقية ولا غربية، بل مكية، لأن مكة وسط الدنيا، عن الضحاك. وروي عن الرضا عليه السلام أنه قال: نحن المشكاة فيها، والمصباح محمد صلى الله عليه وآله وسلم يهدي الله لولايتنا من أحب. وفي كتاب التوحيد لأبي جعفر بن بابويه، رحمه الله بالإسناد عن عيسى بن راشد، عن أبي جعفر الباقر عليه السلام في قوله: “كمشكاة فيها مصباح” (النور 35) قال: نور العلم في صدر النبي صلى الله عليه وآله وسلم المصباح في زجاجة، الزجاجة صدر علي عليه السلام، صار علم النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى صدر على، علم النبي عليا يوقد من شجرة مباركة نور العلم، لا شرقية ولا غربية، لا يهودية ولا نصرانية، يكاد زيتها يضئ، ولو لم تمسسه نار قال: يكاد العالم من آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم يتكلم بالعلم، قبل أن يسأل. نور على نور أي: إمام مؤيد بنور العلم والحكمة، في إثر إمام من آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وذلك من لدن آدم عليه السلام إلى أن تقوم الساعة. فهؤلاء الأوصياء الذين جعلهم الله خلفاء في أرضه، وحججه على خلقه، لا تخلو الأرض في كل عصر من واحد منهم، يدل عليه قول أبي طالب في رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أنت الأمين محمد، * قرم، أغر، مسود لمسودين أطاهر * كرموا، وطاب المولد أنت السعيد من السعود * تكنفتك الأسعد من لدن آدم لم يزل * فينا وصى مرشد ولقد عرفتك صادقا، * والقول لا يتفند ما زلت تنطق بالصواب، * وأنت طفل أمرد. تحقيق هذه الجملة يقتضي: أن الشجرة المباركة المذكورة في الآية، هي دوحة التقى والرضوان، وعترة الهدى والإيمان، شجرة أصلها النبوة، وفرعها الإمامة، وأغصانها التنزيل، وأوراقها التأويل، وخدمها جبرائيل وميكائيل وثانيها: إنه مثل ضربه الله للمؤمن: والمشكاة نفسه، والزجاجة صدره، والمصباح الإيمان، والقرآن في قلبه، يوقد من شجرة مباركة هي الإخلاص لله وحده، لا شريك له، فهي خضراء ناعمة، كشجرة التف بها الشجر، فلا يصيبها الشمس على أي حال كانت، لا إذا طلعت، ولا إذا غربت، وكذلك المؤمن قد احترز من أن يصيبه شئ من الفتر، فهو بين أربع خلال: إن أعطي شكر، وإن ابتلي صبر، وإن حكم عدل، وإن قال صدق، فهو في سائر الناس كالرجل الحي يمشي بين القبور، نور على نور، كلامه نور، وعلمه نور، ومدخله نور، ومخرجه نور، ومصيره إلى الجنة نور يوم القيامة، عن أبي بن كعب. وثالثها: إنه مثل القرآن في قلب المؤمن، فكما أن هذا المصباح يستضاء به، وهو كما هو لا ينقص، فكذلك القرآن يهتدى به، ويعمل به. فالمصباح هو القران، والزجاجة قلب المؤمن، والمشكاة لسانه، وفمه، والشجرة المباركة شجرة الوحي، يكاد زيتها يضئ، يكاد حجج القران تتضح، وإن لم تقرأ. وقيل: يكاد حجج الله على خلقه تضئ، لمن تفكر فيها وتدبرها، ولو لم ينزل القرآن. نور على نور: يعني أن القرآن نور مع سائر الأدلة قبله، فازدادوا به نورا على نور، عن الحسن، وابن زيد. وعلى هذا فيجوز أن يكون المراد ترتب الأدلة، فإن الدلائل يترتب بعضها على بعض، ولا يكاد العاقل يستفيد منها إلا بمراعاة الترتيب، فمن ذهب عن الترتيب، فقد ذهب عن طريق الاستفادة. وقال مجاهد: ضوء نور السراج، على ضوء الزيت، على ضوء الزجاجة. “يهدي الله لنوره من يشاء” (النور 35) أي: يهدي الله لدينه وإيمانه من يشاء، بأن يفعل له لطفا يختار عنده الإيمان إذا علم أن له لطفا. وقيل: معناه يهدي الله لنبوته وولايته من يشاء، ممن يعلم أنه يصلح لذلك. “ويضرب الله الأمثال للناس” (النور 35) تقريبا إلى الأفهام، وتسهيلا لدرك المرام. “والله بكل شئ عليم” فيضع الأشياء مواضعها