د. فاضل حسن شريف
خلال أيام العيد على المؤمنين أن يتراحموا فيما بينهم وخاصة بين الأقارب لأن العيد هو وقت هداية وسكينة بعيدا عن الغضب والشحناء. والرسل والأنبياء والأئمة عليهم السلام مثال للرحمة والهداية والعصمة. جاء في تفسير الميسر: قال الله تعالى عن (هدى ورحمة) “وَلَقَدْ جِئْنَاهُم بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَىٰ عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ” ﴿الأعراف 52﴾ هدى اسم، وَرَحْمَةً: وَ حرف عطف، رَحْمَةً اسم. ولقد جئنا الكفار بقرآن أنزلناه عليك أيها الرسول بيَّنَّاه مشتملا على علم عظيم، هاديًا من الضلالة إلى الرشد ورحمة لقوم يؤمنون بالله ويعملون بشرعه. وخصَّهم دون غيرهم، لأنهم هم المنتفعون به. قوله سبحانه “وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ ۖ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ” ﴿الأعراف 154﴾ ولما سكن عن موسى غضبه أخذ الألواح بعد أن ألقاها على الأرض، وفيها بيان للحق ورحمة للذين يخافون الله، ويخشون عقابه. قوله عز وجل “هُدًى وَرَحْمَةً لِّلْمُحْسِنِينَ” ﴿لقمان 3﴾ هُدًى: يهتدي به من يؤمن به ويحسن. وَرَحْمَةً: رحمة تنال من آمن وأحسن. هذه الآيات هدى ورحمة للذين أحسنوا العمل بما أنزل الله في القرآن، وما أمرهم به رسوله محمد صلى الله عليه وسلم. وعن العصمة وضرورات الهداية الربانية يقول الشيخ جلال الدين الصغير: ووصف عملية الإرسال بأنها رحمة “وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ” (الاعراف 52). ومن الواضح أن هؤلاء الرسل طالما انهم أرسلوا بهذه المهمة فسيلزم أن تكون طاعتهم واجبة على من أرسلوا إليه، وبموجب هذه الطاعة ستتم محاسبتهم ومكافأتهم.
الأحسان والرقة بين الناس خاصة خلال أيام العيد تجلب التراحم والرأفة كما هي صفة نبي الرحمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم. جاء في معاني القرآن الكريم: رحم الرحم: رحم المرأة، وامرأة رحوم تشتكي رحمها. ومنه استعير الرحم للقرابة، لكونهم خارجين من رحم واحدة، يقال: رحم ورحم قال تعالى: “وأقرب رحما” (الكهف 81)، والرحمة رقة تقتضي الإحسان إلى المرحوم، وقد تستعمل تارة في الرقة المجردة، وتارة في الإحسان المجرد عن الرقة، نحو: رحم الله فلانا. وإذا وصف به الباري فليس يراد به إلا الإحسان المجرد دون الرقة، وعلى هذا روي أن الرحمة من الله إنعام وإفضال، ومن الآدميين رقة وتعطف. وعلى هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم ذاكرا عن ربه (أنه لما خلق الرحم قال له: أنا الرحمن، وأنت الرحم، شققت اسمك من اسمي، فمن وصلك وصلته، ومن قطعك بتته) (الحديث، عن عبد الرحمن بن عوف قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (قال الله: أنا الله، وأنا الرحمن، خلقت الرحم، وشققت لها من اسمي، فمن وصلها وصلته، ومن قطعها قطعته) أخرجه الترمذي وقال: حديث صحيح، انظر: عارضة الأحوذي 8/10، وأخرجه الحاكم 4/157 وصححه، ووافقه الذهبي، وأحمد برقم 1680، وأبو داود في الزكاة برقم 1694، باب صلة الرحم. وانظر: شرح السنة 1/179-180) فذلك إشارة إلى ما تقدم، وهو أن الرحمة منطوية على معنيين: الرقة والإحسان، فركز تعالى في طبائع الناس الرقة، وتفرد بالإحسان، فصار كما أن لفظ الرحم من الرحمة، فمعناه الموجود في الناس من المعنى الموجود لله تعالى، فتناسب معناهما تناسب لفظيهما. والرحمن والرحيم، نحو: ندمان ونديم، ولا يطلق الرحمن إلا على الله تعالى من حيث إن معناه لا يصح إلا له، إذ هو الذي وسع كل شيء رحمة، والرحيم يستعمل في غيره وهو الذي كثرت رحمته، قال تعالى: “إن الله غفور رحيم” (البقرة 182)، وقال في صفة النبي صلى الله عليه وسلم: “لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم” (التوبة 128)، وقيل: إن الله تعالى: هو رحمن الدنيا، ورحيم الآخرة، وذلك أن إحسانه في الدنيا يعم.
خشية الله تعالى باب للرحمة بين الناس وخاصة خلال أيام الأعياد فهي أولى من بقية الأيام، وتمثل شعار المحسنين. جاء في تفسير مجمع البيان للشيخ الطبرسي: قوله عز وجل “وَلَقَدْ جِئْنَاهُم بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَىٰ عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ” ﴿الأعراف 52﴾ “هدى ورحمة لقوم يؤمنون” أي: دلالة ترشدهم إلى الحق، وتنجيهم من الضلالة، ونعمة على جميع المؤمنين، لأنهم المنتفعون به. قوله سبحانه “وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ ۖ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ” ﴿الأعراف 154﴾ “هدى” أي: دلالة وبيان لما يحتاج إليه من أمور الدين “ورحمة” أي نعمة ومنفعة “للذين هم لربهم يرهبون” أي: يخشون ربهم. قوله عز وجل “هُدًى وَرَحْمَةً لِّلْمُحْسِنِينَ” ﴿لقمان 3﴾ أي بيان ودلالة ونعمة للمطيعين وقيل للموحدين وقيل للذين يحسنون العمل. عن تفسير الميزان للسيد الطباطبائي: قوله عز وجل “هُدًى وَرَحْمَةً لِّلْمُحْسِنِينَ” ﴿لقمان 3﴾ وصفه أيضا بأنه هدى ورحمة للمحسنين تتميما لصفة حكمته فهو يهدي إلى الواقع الحق ويوصل إليه لا كاللهو الشاغل للإنسان عما يهمه، وهو رحمة لا نقمة صارفة عن النعمة.
خلال أيام العيد خاصة فإن من علامات المؤمن عدم غضبه، والقرآن الكريم هو منهاج المؤمن نحو الهداية والرحمة. جاء في التفسير المبين للشيخ محمد جواد مغنية: قوله عز وجل “وَلَقَدْ جِئْنَاهُم بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَىٰ عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ” ﴿الأعراف 52﴾ قال سبحانه: لقد جئنا هؤلاء بالقرآن يهدي إلى الرشد، ويبين عن علم ما يحتاج إليه الناس في معاشهم ومعادهم، وضمن لمن آمن وعمل بتعاليمه الهداية إلى الخير في الدنيا، ورحمة اللَّه وثوابه في الآخرة. قوله سبحانه “وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ ۖ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ” ﴿الأعراف 154﴾ ان موسى نبي معصوم، ما في ذلك ريب، ولكنه انسان يحزن ويفرح، ويرضى ويغضب. وقد تملكه الغضب حين فوجئ بارتداد قومه عن دين اللَّه، وتركه الغضب حين استعطفه أخوه هارون، ووعده اللَّه بالانتقام من المرتدين، وبعد أن عاد موسى عليه السلام إلى وضعه الطبيعي عاد إلى الألواح التي ألقاها حين غضبه، واطمأن إلى ما فيها من الهدى لمن يتفتح قلبه للخير، والى ما فيها من الرحمة لمن يخشى نقمة اللَّه وعذابه. ان حكمة اللَّه جل ثناؤه اقتضت أن يهب الرضوان والرحمة لكل من أطاعه مخافة نقمته، وان ينزل النقمة والعذاب بكل من عصاه اتكالا على رحمته. قوله عز وجل “هُدًى وَرَحْمَةً لِّلْمُحْسِنِينَ” ﴿لقمان 3﴾ وهم الذين يطلبون الحق ويعملون به لأنه حق، ولا ريب ان القرآن هدى ورحمة لكل من أخلص للَّه وللحق، أما الذين أعمت المطامع قلوبهم فهم الداء الذي لا دواء له إلا الاستئصال.
تظهر علامات المتقي خلال العيد فهو الذي يخاف الله فتراه يحسن للآخرين وخاصة لأقاربه والمحتاجين، والقرآن الكريم خير هاد لمن يحسن للآخرين. جاء في الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي: قوله سبحانه “وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ ۖ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ” ﴿الأعراف 154﴾ تلك الألواح التي كانت تحتوي من أوّلها إلى آخرها على الرحمة والهداية، رحمة وهداية للذين يشعرون بالمسؤولية، والذين يخافون الله، ويخضعون لأوامره وتعاليمه. قوله عز وجل “هُدًى وَرَحْمَةً لِّلْمُحْسِنِينَ” ﴿لقمان 3﴾ إنّ الهداية في الحقيقة مقدّمة لرحمة الله، لأنّ الإنسان يجد الحقيقة أوّلا في ظلّ نور القرآن، ويعتقد بها ويعمل بها، وبعد ذلك يكون مشمولا برحمة الله الواسعة ونعمه التي لا حدّ لها. وممّا يستحقّ الإنتباه أنّ هذه السورة إعتبرت القرآن سبباً لهداية ورحمة (المحسنين)، وفي بداية سورة النمل: “هدىً وبشرى للمؤمنين” وفي بداية سورة البقرة: “هدىً للمتّقين”. وهذا الإختلاف في التعبير ربّما كان بسبب أنّ روح التسليم وقبول الحقائق لا تحيا في الإنسان بدون التقوى، وعند ذلك سوف لا تتحقّق الهداية، وبعد مرحلة قبول الحقّ نصل إلى مرحلة الإيمان التي تتضمّن البشارة بالنعم الإلهية علاوة على الهداية، وإذا تقدّمنا أكثر فسنصل إلى مرحلة العمل الصالح، وعندها تتجلّى رحمة الله أكثر من ذي قبل.
جاء عن مركز الاشعاع الاسلامي للدراسات والبحوث ما هو السلوك الصحيح في الاعياد الاسلامية؟ للشيخ صالح الكرباسي: مما يؤسف له في عصرنا الحاضر هو أن الأعياد الإسلامية تحولت من آية ربانية و حركة رسالية تجمع كافة المؤمنين على طاعة الله و نهجه الى مسرح للمرح و البذخ و و التفاخر و الغناء و الرقص و الفحشاء و ممارسة المنكرات، خلافاً لفلسفة العيد الذي هو يوم تعود فيه القيم الإنسانية و الإسلامية لتجري في عروق الأمة الإسلامية من جديد بحيوية مضاعفة. إن يوم العيد هو يوم العبادة الخالصة، و يوم التزاور وصلة الرحم، يوم الرحمة و الشفقة و التواصل مع الفقراء و المساكين و مواساتهم، و هو يوم المحبة و العطف و الحنان و العفو، و يوم التلاحم ورص الصفوف، فأين نحن من هذه القيم و التعاليم الراقية. هل يوم العيد يوم فرح و ابتهاج و لبس الجديد؟ إن يوم العيد يوم فرح و راحة لمن عمل بما أمره الله، و تحلى بالقيم الإنسانية فعمل بواجباته و أطاع الله، و أنتهى مما نهاه عنه فأمن وعيد الله و عذابه. قال رسول الله صلى الله عليه و آله في خطبته المعروفة التي أدلى بها في الجمعة التي سبقت شهر رمضان: (فَإِنَّ الشَّقِيَّ مَنْ حُرِمَ غُفْرَانَ اللَّهِ فِي هَذَا الشَّهْرِ الْعَظِيمِ). اذن فمن لم يغفر له و لم يستلم الجائزة كيف يفرح.