تعريف الوطنية في مجتمعاتنا
كامل سلمان
الوطنية في المفهوم المتداول عند مجتمعاتنا تحددها الجهة التي تستحوذ على السلطة ، هي فقط لها الحق أن تعطي تعريفاً للوطنية وهي وحدها تتحدث عن الوطن والوطنية وهي من تحدد من هو الوطني ومن هو غير الوطني ، وهذه سابقة لم تحدث بأي تجمع بشري ، وأن أتباع تلك الجهة هم وحدهم من ضحوا لأجل الوطن حسب اعتقادهم ويجب أن يستذكرهم التأريخ ويتم تمجيدهم بالمناسبات الوطنية وحتى الدينية وأن الامتيازات تعطى فقط لهؤلاء الذين يسمونهم بالمجاهدين أو المضحين . هذا الشيء حصل مع عناصر حزب البعث عندما تسلق الحزب السلطة في العراق فأصبح مفهوم الوطنية هو الانتماء والتضحية لحزب البعث وأن كوادره الحزبية كانوا وحدهم يتمتعون بحس وطني عالي يفوق الحس الوطني عند بقية أفراد المجتمع ، وحصل الشيء نفسه مرة أخرى لعناصر الأحزاب الدينية بعد سقوط حزب البعث فأصبح الرفحاويين وعناصر الأحزاب الدينية هم وحدهم من جاهدوا لتحرير الوطن وهم لهم الحق في تحديد الولاء الوطني حتى لو كان هذا الولاء مقروناً بالولاء لدولة أخرى ، نعم مفاهيم ما أنزل الله بها من سلطان ، ابتدعوها وفرضوها على الناس ، وهذا الحال يتكرر مع كل من فاز بالسلطة . القضية عند هؤلاء ليست قضية وطن ولا وطنية ، فهؤلاء جميعاً نفعيين يستغلون مفهوم الوطن لصالحهم وقيمة الوطن عندهم تعادل قيمة ما يحصلون عليه من غنائم بعد الفوز بالكعكة ، هي سرقة علنية بغطاء وطني جهادي لأن الوطنية الحقيقية والتي لا يمكن أن يدركوها هو أن يكون الوطن وحده الرابح في الأخير وليست الأحزاب ورجالاتها ، أما هذه السياسة التي يتبعونها بجعل الوطنية حكراً لأفكارهم وجعل الناس يشكّكون بأنفسهم وبوطنيّتهم وحبهم للوطن هي سياسة خبيثة هدفها إشعار الناس بالدونية والنقص كي يعمل الناس على سد هذا النقص الذي صار عندهم بإسترضاء هؤلاء السلطويين والتزلف إليهم بعد أن أصبحت مفاصل الدولة تحت قبضتهم ، وقد نجحوا فعلاً مع الضعفاء الذين على شاكلتهم ومع الناس الذين يبحثون عن سبل العيش ، مثلما نجح البعثيون من قبل كذلك نجح من جاء بعدهم .. البعثيون ولأجل ترسيخ تعريفهم للوطنية من خلال ربطها بالعروبة عملوا على جعل الشهادة الجنسية العراقية مقياس للتصنيف لكل العراقيين فجعلوها أصناف درجة أولى وثانية وثالثة ورابعة وحرمان فئة واسعة من أبناء الشعب من الشهادة الجنسية كالكورد الفيلية ومن ثم رميهم خارج الحدود . الإسلاميون من بعد عام 2003 م ربطوا الوطنية بالحب والولاء للجمهورية الإسلامية الإيرانية . إذاً نحن أمام مشكلة مزمنة مستعصية تتجدد مع كل نظام حكم جديد وهي الوطنية التي أصبحت لكل كتلة حاكمة معيارها الخاص بهذا التقييم ، يطالبون المواطن الكوردي بالولاء الوطني وبنفس الوقت يعاملونه كجزء غريب عن الوطن . المقاييس التي يصنعون بها الوطنية هي مقاييس شاذة عن باقي المجتمعات البشرية ، دائماً هنالك فئة تعاني من مقاييسهم ، ففي العهد السابق كان الكورد عموماً والكورد الفيلية خصوصاً وأبناء الجنوب العراقي والأقليات الدينية والعرقية خارج حساباتهم الوطنية والحال يتكرر مع العهد الحالي والسبب دوماً هو نفس السبب ( أن لا يتقاطع حب الوطن مع ايديولوجياتهم وأن لا يكون للوطن أولوية في مناهجهم ) لهذا السبب حب الوطن الحقيقي في عقائدهم أمسى عاراً يجب محاربته فأما أن يزج بمن يحب الوطن قلباً وقالباً في السجون أو يُقتل أو يُنفى من الأرض فمثل هذا الإنسان حسب اعتقادهم يشكل خطراً حقيقياً عليهم ولا يمكن السماح له بالتعبير عن وطنيته لهذا السبب قُتل شباب تشرين ولنفس السبب نجد الملايين من الهاربين إلى ديار الغربة وكذلك الملايين يعيشون حياة الحرمان والذلة . هذه هي واحدة من أكبر معاناة المواطن العراقي وخاصة طبقة المثقفين عندما يأتي إنسان جاهل يقيّم وطنية الآخرين حسب ميزانه العقائدي .
تعريف الوطنية في مجتمعاتنا