من العثمانيين إلى الجمهورية: تاريخ الإقطاع الزراعي في العراق

وكيف دمّر انقلاب تموز الأسود عام 1958 كل محاولات الإصلاح

حيدر جوهر


🌑 المرحلة العثمانية (قبل 1917):

خلال الحكم العثماني، كانت الأراضي الزراعية تُدار بأسلوب إقطاعي صارم:

الأراضي مملوكة للدولة (السلطان)، ويمنحها للأعيان والوجهاء مقابل جمع الضرائب.

الفلاح مجرد “تابع”، يعمل في الأرض دون ملكية أو حماية قانونية.

غياب البنية التحتية الحديثة كالري والتخزين، ما جعل الزراعة بدائية ومتقلبة.

👑 المرحلة الملكية (1921–1958):

ورثت الدولة العراقية الحديثة نظامًا زراعيًا هشًا ومجتمعًا ريفيًا فقيرًا.

لكن الحكم الملكي بدأ محاولات حقيقية لإصلاح القطاع الزراعي، رغم التحديات الهائلة:

✅ أبرز السياسات والخطوات:

1. إصدار قوانين تنظيم الأراضي، ومحاولة تنظيم العلاقة بين الملاك والفلاحين.

2. توسعة شبكات الري وبناء السدود (مثل سد الدبس وسدة الرمادي).

3. تأسيس “مجلس الإعمار” عام 1950، الذي خصص مليارات الدنانير لتطوير الريف.

4. برامج لتشجيع الزراعة الحديثة والميكنة.

5. استقدام خبراء أجانب، وخطط خمسية طويلة الأمد لتطوير الزراعة.

➡️ رغم التفاوت الطبقي، بدأ الإنتاج الزراعي يتحسن تدريجيًا، وكان العراق لا يزال شبه مكتفٍ ذاتيًا.

⚫️ انقلاب تموز الأسود 1958: بداية الانهيار

جاء عبد الكريم قاسم بانقلاب عسكري في 14 تموز 1958، وأسقط النظام الملكي. أحد أبرز قراراته كان:

🧨 “قانون الإصلاح الزراعي”

ورغم نواياه الظاهرة لمحاربة الإقطاع، إلا أن هذا القانون أدى إلى دمار تدريجي للزراعة العراقية:

❌ أبرز الأخطاء:

1. تقسيم الأراضي الكبيرة إلى قطع صغيرة جداً لا تكفي لإنتاج اقتصادي مجدٍ.

2. الفلاحون الذين حصلوا على الأرض لم يتلقوا أي دعم أو تدريب، ولا يملكون المعدات أو الخبرة.

3. غياب التمويل الحكومي الفعّال، وعدم وجود قروض أو دعم فني.

4. نزوح جماعي من الريف إلى المدن، حيث ترك الفلاحون الأرض وذهبوا يبحثون عن العمل.

5. تدمير نظام السوق الزراعي والربط بين الإنتاج والتوزيع.

📉 النتيجة:

انهيار الإنتاج الزراعي.

تحوّل العراق من بلد منتج ومكتفٍ إلى بلد مستورد للغذاء.

ضياع الريف، وتضخم المدن الفقيرة.

اختناق الاقتصاد، وبدء الاعتماد على النفط فقط.

…….. ….

منذ سبعين عامًا، والشعب يتداول قصة ملفقة وسخيفة تقول:

“عندما احتل الإنجليز العراق، أخذوا أراضي الفلاحين بالقوة، ووزعوها كهدايا للعملاء والجواسيس من الشيوخ أو الإقطاعيين، وجعلوا الفلاحين عبيدًا عندهم!”

😆 دكتورهم، مثقفهم، جاهلهم، خريجهم، أميهم… الجميع يردد هذه القصة وكأنها حقيقة!

🤗 لكن الحقيقة مختلفة تمامًا:

📌 الوضع عند تأسيس المملكة

عندما تأسست المملكة العراقية عام 1921:

لم تكن الدولة تمتلك شيئًا يذكر: لا نفط، لا غاز، لا موازنات مليارية.

الأراضي الزراعية لم تتجاوز 800 ألف دونم.

الزراعة كانت بدائية ومتخلفة، بقايا النظام العثماني الذي كان يؤجر الأراضي للملاكين.

🌹 المرحلة الأولى (أول 20 سنة)

أعلنت الحكومة أن كل من يستطيع استصلاح الأرض ويتكفل بجلب أدوات الزراعة ومستلزماتها (حبوب، مضخات، مكائن، مبيدات) ستُمنح له الأرض كإيجار (وليس ملكية شخصية).

تقدم الكثير من الميسورين والشيوخ والتجار (من المسلمين واليهود والمسيحيين والصابئة، إضافة إلى الضباط القدامى) واستصلحوا مئات الآلاف من الدونمات، وشغّلوا الفلاحين فيها ضمن استثمار زراعي منتج.

🌹 المرحلة الثانية (آخر 18 سنة)

بعد ارتفاع مبيعات وأسعار النفط، قررت الحكومة الملكية أن تتولى بنفسها إنشاء مشاريع زراعية عملاقة:

بناء السدود.

إنشاء الأحواض المائية.

تنفيذ مشاريع ري حديثة واسعة النطاق.

📊 النتيجة في نهاية العهد الملكي

قفزت الأراضي الزراعية من 800 ألف دونم إلى حوالي 58 مليون دونم (أو أقل بقليل).

العراق دخل قائمة أكبر 20 دولة في العالم في إنتاج الحبوب (القمح، الذرة، الماش، الرز).

أما التمور فكان العراق ينتج 80% من تمور العالم.

💥 انقلاب 1958 وما بعده

بعد انقلاب عبد الكريم قاسم عام 1958، سُحبت الأراضي من المستأجرين، وأعيدت للحكومة.

قام الزعيم بتوزيعها على الفلاحين كملكية شخصية، فباعوها في اليوم التالي، وهاجروا نحو المدن.

اخترع قاسم بدعة جديدة: توزيع قطع سكنية في المدن بمساحة 144 مترًا فارغة بلا أي بناء أو بنية تحتية.

النتيجة:

انهارت الزراعة خلال سنتين ونصف، وانخفضت الأراضي المزروعة إلى حوالي مليوني دونم فقط.

بدأ العراق يستورد حتى البصل!

🚨 عهد البعث

جاء حزب البعث وكرر نفس الخطأ.

بحلول 1980–1990 أصبح العراق يستورد 30% من إنتاج الرز الأمريكي… وفي الإعلام يصرخون: تسقط أمريكا!

(وهنا لا بد أن نسأل: كيف يكون شكل “القشمر” إذن؟!)