في السياسة، لا توجد المآزق الكبرى حين يغيب الوضوح فقط، بل حين تتصارع داخل الإنسان حقيقتان متناقضتان، كلتاهما تحمل شيئاً من الصواب وشيئاً من الخطر. وهكذا يجد العراقي نفسه اليوم واقفاً فوق أرض هشة، ينظر إلى السماء فلا يرى إلا دخان الحروب، وينظر إلى الداخل فلا يرى إلا خراب الروح الوطنية التي أُنهكت بين الطوائف والاحتلالات والمشاريع الخارجية.
العراقي الوطني، المخلص لفكرة العراق، لا يمكنه أن يتصالح بسهولة مع النظام الشيعي الحاكم الذي نشأ بعد الاحتلال الأمريكي، وترعرع تحت ظلال النفوذ الإيراني. هذه حقيقة لا ينكرها كثير من العراقيين، حتى من أبناء البيئة الشيعية نفسها. فالناس ترى الفساد، وترى كيف تحوّلت الدولة إلى غنيمة، وكيف أصبح الولاء للطائفة والحزب أقوى من الولاء للوطن. وترى أيضاً كيف أن ملالي النجف، ومعهم طبقة سياسية كاملة، استندوا إلى إيران في تثبيت سلطتهم، حتى بدا العراق أحياناً وكأنه ساحة من ساحات النفوذ الإيراني لا دولة ذات سيادة كاملة.
لكن المأساة لا تقف هنا.فحين تتعرض إيران اليوم لضغط أمريكي إسرائيلي، يدخل العقل العراقي في دوامة التناقض. هل يقف ضد إيران لأنها ساهمت في تكريس النظام الذي يرفضه؟ أم يقف معها لأن الطرف الآخر ليس ملاكاً، بل إمبراطورية لا ترى في المنطقة سوى حقول نفط، وقواعد عسكرية، وحدوداً يجب أن تُرسم بما يخدم أمن إسرائيل؟هنا يبدأ الارتباك الأخلاقي والسياسي.
أمريكا لا تتحرك بدافع الإنسانية. هذا ما تعلمه العراقيون بدمائهم منذ 2003. لم تأتِ واشنطن لتبني العراق، بل لتفككه، وتعيد تشكيله بما يخدم مصالحها ومصالح إسرائيل. ملايين العراقيين يدركون أن الاحتلال الأمريكي لم يكن مشروع حرية، بل مشروع سيطرة. وأن إسرائيل، التي تتحدث كثيراً عن الأمن، تحمل في جوهرها مشروعاً توسعياً لا يريد للمنطقة أن تستقر، لأن استقرارها يعني ظهور قوى مستقلة قد تهدد هيمنتها.
لهذا يبدو المشهد شديد التعقيد: العراقي يرفض الهيمنة الإيرانية، لكنه في الوقت نفسه لا يستطيع أن يرى أمريكا وإسرائيل باعتبارهما قوة خير. بل قد يرى أن التناقض مع إيران، رغم مرارته، يبقى تناقضاً “أصغر” مقارنة بالتناقض الوجودي مع المشروع الأمريكي الإسرائيلي.
إنها ليست محبة لإيران بقدر ما هي قراءة لموازين الخطر.فإيران، مهما بلغ نفوذها، تبقى دولة من هذه المنطقة، تحمل تاريخها وثقافتها وعقدها وطموحاتها. أما أمريكا فهي قوة عابرة للقارات، لا يعنيها مصير الشعوب إلا بقدر ما يخدم استراتيجيتها. وإسرائيل ليست مجرد دولة تبحث عن الأمان، بل كيان يرى في تفكك العالم العربي ضمانة لبقائه متفوقاً ومهيمناً.
ومن هنا ينشأ ذلك الشعور المرير: أن العراقي قد يجد نفسه مضطراً للوقوف مرحلياً في خندق لا يحبه، فقط لأن الخندق المقابل أكثر خطراً وأكثر قدرة على التدمير.وهذا ليس جديداً في التاريخ.في الأساطير الإغريقية القديمة، كان البحّارة يخشون المرور في مضيق ضيق تحرسه قوتان مرعبتان: الوحش البحري “سكايلا” من جهة، ودوامة “كاريبديس” من الجهة الأخرى. إذا اقتربت السفينة من سكايلا، فقدت بعض رجالها، أما إذا انجرفت نحو كاريبديس فإن الدوامة تبتلع السفينة كلها بمن فيها. ولهذا كان القادة يختارون المرور قرب سكايلا، لا لأنها أقل شراً أخلاقياً، بل لأنها أقل فناءً.
وهكذا تبدو حال العراق اليوم.إنها ليست معادلة أخلاقية نقية، بل معادلة بقاء. فالسياسة في الشرق الأوسط ليست ميداناً للاختيارات المثالية، بل حقل ألغام تمشي فيه الشعوب وهي تعرف أن كل خطوة قد تجرحها. العراقي الذي يحلم بوطن مستقل، حر، غير تابع لإيران ولا لأمريكا، يجد نفسه مجبراً على المفاضلة بين نفوذين، كلاهما ثقيل، لكن أحدهما أشد افتراساً من الآخر.
وهنا تكمن المأساة الحقيقية: أن الوطنية لم تعد تعني اختيار الخير الكامل، بل اختيار الضرر الأقل، وتأجيل المعركة الكبرى إلى زمن قد لا يأتي قريباً.إن العراق، منذ سقوط بغداد وحتى اليوم، يُساق قهرًا داخل صراع التاريخ. وكل قوة دخلته ادّعت أنها جاءت لإنقاذه، لكنها لم تترك خلفها سوى ندوبٍ أعمق. الإيراني يقول إنه يحمي المذهب والمقاومة، والأمريكي يقول إنه يحمي الديمقراطية، والإسرائيلي يقول إنه يدافع عن أمنه، بينما يبقى العراقي البسيط واقفًا أمام هذا المشهد كله متسائلًا: من يحمي العراق نفسه؟
هذا السؤال هو جوهر القضية كلها.فالإنسان حين يُدفع إلى الاختيار بين تناقضين، لا يختار دائماً من يحب، بل يختار من يراه أقل خطراً على وجوده. ولهذا قد يقف كثير من العراقيين اليوم ضد العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران، ليس لأنهم راضون عن النفوذ الإيراني في العراق، بل لأنهم يعرفون جيداً ماذا تعني الهيمنة الأمريكية حين تُترك بلا مقاومة، وماذا يعني أن تصبح إسرائيل القوة الوحيدة التي تعيد تشكيل المنطقة كما تشاء.إنها لحظة تختلط فيها الأخلاق بالبراغماتية، والوطنية بالخوف، والوعي بالغضب.
وربما كانت أعظم مآسي الشرق الأوسط أن شعوبه لا تُمنح فرصة الاختيار بين الخير والشر، بل تُجبر دائماً على الاختيار بين جرحين.
وفي النهاية، يبقى العراقي الحقيقي هو ذاك الذي لا يفقد البوصلة رغم العواصف: يرفض أن يكون العراق تابعاً لإيران، ويرفض أيضاً أن يكون جسراً لمشاريع أمريكا وإسرائيل. يؤمن أن الوطن يجب أن يكون أكبر من الطوائف، وأكبر من المحاور، وأكبر من الحروب التي تُدار فوق أرضه.
لكن حتى يأتي ذلك اليوم، سيظل العراقي يعيش هذا التناقض القاسي، مثل رجل يمشي فوق حبل مشدود بين هاويتين، يعرف أن السقوط في أي جهة قد يكون قاتلاً، ومع ذلك يواصل السير، لأن التوقف نفسه نوع من الهلاك.
علي جاسم ياسين