الذين سرقوا جامعاتنا…

created by photogrid

بقلم: عبّاس داخل حسن/ فنلندا

في الوقت الذي تخطو فيه الجامعات العالميّة العريقة خطوات عملاقة غير مسبوقة في التّاريخ في صنع الإنسان وبناء المجتمع وصناعة الحاضر والمستقبل، فإنّ جامعاتنا العربيّة –إلّا من رحم ربيّ- تسير –بكلّ سبق إصرار وتصميم- نحو الهاويّة، ولم يظلّ منها سوى حدود جغرافيّة تربض على صدورنا، وتمزّق آمالنا، وتحتلّ مساحات عمرانيّة كبيرة لا قيمة لها في مدننا وعواصمنا ومحافظاتنا، وذلك كلّه على أيدي (السّادة الأوغاد الأفاضل!) الذين سرقوا جامعاتنا متنكّرين على صور إدارات جامعيّة منحطّة، وهيئات تدريسيّة رجعيّة، وقوانين عرفيّة باليّة، وحكومات مترهّلة مثقلة بالفساد والانشغال بالسّرقات والمحسوبيّات والنّهب المليونيّ والملياريّ، وحدّث عن أكثر من ذلك دون حرج.
كي لا أطيل على نفسي وعلى القرّاء الأكارم، فلن أطبّل لجامعاتنا العربيّة وفق المعتاد، أو المُنتظر منّي ومن غيري، ولن أعدّد منجزاتها الوهميّة السّرابيّة التي لا وجود لها إلّا على ورق تقارير الإدارات الجامعيّة الفاسدة، وفي نشرات الإعلام المأجور لا سيما الجامعيّ منه؛ إذ يتصدّى الكثيرون من المهرّجين في ثياب إعلاميين في الجامعات والوزارات المعنيّة بذلك للعب هذا الدّور القذر؛ فهم رجال ونساء المهمّات القذرة، وهم المُستقطَبون لهذه المهمّة بالتّحديد، وهي تزويق الأداء الجامعيّ الرّديء، ووضع مكياج له يخفي ملامحه الشّوهاء وفساده المشين وعيوبه المنفّرة، وهم يجتهدون في ذلك أيّما اجتهاد، لكنّهم لا ينجحون بعد ذلك كلّه إلّا في التّرقّص كالقرود دون جدوى إلى حدّ أنّهم يثيرون الاشمئزاز في الأنفس إلى حدّ الرّثاء لهم، أو التّقزّز منهم، كما هو حالي.
وأنا عندما أتحدّث عن التّعليم الجامعيّ في جامعاتنا العربيّة، فأنا لا أعني به فقط التّعليم في المرحلة الجامعيّة الأولى (البكالوريوس)، أو ما يقابل هذه التّسمية من تسميات مختلفة على امتداد الجامعات العربيّة، بل أعني به ابتداءً التّعليم المدرسيّ كلّه في مراحله جميعاً؛ إذ هو العتبات الأولى نحو الانهيار، مروراً بالمرحلة الجامعيّة الأولى، انتقالاً إلى مراحل الدّراسات العليا، وقوفاً مليّاً عند الهيئات التّدريسيّة والعمل البحثيّ والعمل الإداريّ الجامعيّ، وكلّ ما يرتبط بذلك، ويدور في فلكه من تفاصيل طويلة.
لكن الحديث عن ذلك ليس ذا شجون، بل هو ذو مصائب وأوجاع ونكسات وفجائع لا حصر لها؛ لذلك أكتفي بإشارات سريعة وبارقة، في ضوء اقتراح أن يكون حديثي هذا مقارنة مفتوحة بين التّعليم العربيّ المتهاوي بقصد قاصدين، وبين التّعليم العالميّ الصّاعد بأنظمته وأبنائه ومنتسبيه، ومثالٌ على ذلك التّعليم الفنلنديّ الذي يُعد تعليماً رياديّاً في كوكب الأرض، وأنا شخصيّاً شاهد عليه على امتداد 35 عاماً متّصلاً عشتها في فنلندا، وما أزال، وكنتُ ذاتي من حصيلة هذا التّعليم العريق، كما هم الآن أبنائي وبناتي في مراحل تعليميّة متفاوتة من الحضانة إلى الجامعة في تخصّصات متنوّعة، فضلاً عن المدارس المهنيّة التي تُعدُّ حرفين مهرة بارعين، لا تصنع عبيداً أذّلاء كما هو الحال في وطننا العربيّ الذين نظر نظرة دونيّة إلى الحرفة والحرفيين.
أوّل مصائب التّعليم في الوطن العربيّ وفق رأيي: أنّه غدا بامتياز استحقاقاً واستقاطباً لـ (المعاتيه) و(خاملي الذّكاء والقدرات والمروءة والنّباهة) في ظلّ سعار العصابات الأكاديميّة والمجتمعيّة التي قرّبت الأغبياء ومحددي القدرات أو معدوميها، ووهبتهم العلامات العليا والشهادات الجامعيّة وأبحاث التّرقيات، وعيّنتهم في الجامعات، ورقّتهم درجة علميّة تلو أخرى، وأوصلتهم إلى أرفع المناصب الجامعيّة والبحثيّة والعلميّة بقوّة الواسطات والمحسوبيّات والجهويّات والحزبيّات والإقليميات والتّنفّعات وغيرها من أطوار الفساد والانحطاط والهدم في المجتمع العربيّ من منطلق أنّ هدم المجتمعات يكون بتخريب التّعليم أوّلاً.
النّتيجة ماذا كانت؟ هي باختصار: أكوام من الموظّفين والأساتذة الجامعيين والإداريين الجامعيين والتّعليميين ومن ثم الموظّفين في كلّ مفصل من مفاصل المجتمع العربيّ المفرغين تماماً من الضّمير والقيم والموهبة والقدرة والعلم والإنجاز والانتماء، في إزاء قلّة من النّخب المبدعة الذّكية الوطنيّة المخلصة القادرة على الإبداع والابتكار ودفع المجتمع إلى الأمام.
لكن هؤلاء النّخبة غدوا عقبة مزعجة في وجه الفاسدين الذين يتحالفون ضدّهم في الغالب لأجل التّخلّص منهم؛ لأنّهم يغرّدون خارج السّرب، ويكشفون انحطاطهم، ويشيرون –ولو بصمتهم- إلى فساد المفسدين، وتساقط السّاقطين، وتهاوي المتهاوين.
في ظلّ ذلك كلّه يمكن تلخيص الرّاهن العربيّ العلميّ والتّعليميّ والبحثيّ وكلّ ما ينبثق عنه في: إدارات فاسدة تسّلقت إلى أماكنها بالمسحوبيّات، قطاعات مجتمعيّة علميّة مفرغة من أيّ علم أو عطاء أو ابتكار، هيئات تدريسيّة فاشلة مزوّرة منذ رسائلها وأطروحاتها مروراً بطريقة تعينها، انتهاء بأبحاثها وترقياتها وسيرورة عملها، وفي النّهاية حصيلة تعليميّة صفريّة، طلبة يتخرّجون بشهادات ورقيّة تشهد بأنّهم حصلوا على علم لم يحصّلوا منه شيئاً، في فضاءات جامعيّة ببنيات تحتيّة مدمّرة، وبيئة تربويّة فاشلة، ونتاجات تعليميّة معدومة، وممارسات جمعيّة مشينة، على رأسها العنصريّات، والشّغب الطّلابيّ، والقمع الفكريّ، والطّائفيّة، والتّسيس إلى حدّ مسخ الذّات الباحثة، وصولاً إلى نهاية مأساويّة، وهي طالب جامعيّ عربيّ لا يملك أيّ مقوّمات أو مؤهلات حقيقيّة للبناء والابتكار، بل هو مشحون بتطاحن مجتمعيّ كبير، وبعقد نقص متعدّدة ومركّبة، وخبرات جامعيّة تتخلّص في المحسوبيّة وعدم الدّراسة وعدم الانضباط والانحياز إلى الأفكار القبليّة والعنصريّة والطّائفيّة للانخراط في منظومة كاملة قائمة على الفساد والرّشاوى والغشّ والتّزوير والعصابات والشّلل.
لن أضرب أمثلة إقليميّة حولنا لجيران لنا ليسوا عرباً كي لا تقولوا أنّني أطبّل في عرس آخرين، لكن يكفي أن أشير لكم إلى الإحصاءات العالميّة والإقليميّة لدول الجوار التي تسبقنا منجزاً وعدداً ونزاهة واختراعاً في الحقلين: العلميّ والتّعليميّ، في حين (جامعاتنا العربيّة العظيمة) مشغولة برصد أخبار رؤسائها، وتصوير حفلات نوّاب رؤسائها، وتلميع صور زوجات وأزواج وأقارب ومعارف المسؤولين فيها، على اعتبار أنّ الجامعات العربيّة هي –بامتياز- مزارع وإقطاعيّات عائليّة وجهويّة وعشائريّة وحزبيّة.
أين هي جامعاتنا وإنجازاتها بعيداً عن سخافات حفلات التّخريج، وصور المتخرّجين، وكلمات المسؤولين، وأغاني المغنّين فيها، والمطبّلين لها، والمكرّمين فيها بمنطق المحاصصة والإرضاءات للأطراف المذكورة آنفاً؟
الحصيلة لا شيء. أين هي أبحاثنا التي قدّمت أيّ منجز علميّ واكتشافيّ جديد للعالم؟ الحصيلة صفر، وإن كان الرّقم الوهميّ هو مئات الألوف من الأبحاث السّنويّة المزوّرة والمسروقة بطرق مختلفة يعرفها القاصي والدّاني، ولم تعد سرّاً جامعيّاً أبداً؛ إذ جميعنا نعرف بالأسماء والتّفاصيل والشّواهد الثّابتة أسماء الأساتذة الجامعيين الذين يسرقون أبحاثهم، أو يزورنها، أو على الأقلّ يضعون أسماءهم عليها، وهم لم يكتبوا حرفاً واحداً فيها تحت مسمّيات كثيرة، مثل: الأبحاث المشتركة، والمجموعات البحثيّة الجامعيّة والإقليميّة والعالميّة، والإشراف على الطّلبة في الدّراسات العليا، فضلاً عن تأجير أقلام بحثيّة للكتابة لهم ممّن يملكون القدرات البحثيّة الحقيقيّة، لكن حظوظهم العاثرة جعلتهم كتبة للصوص الأبحاث الذين وجدوا من يعيّنهم في الجامعات في مواقع تدريسيّة وإداريّة عريقة، في حين بقي الكتبة السّريّون قليلو الحظّ هم مَنْ يسطّرون لهم أبحاثهم، ويخيطون لهم رتبهم الأكاديميّة البرّاقة التي تضعهم في أعلى مراتب المناصب العلميّة العربيّة المعاصرة، في حين أنّ مكانهم الحقيقيّ والطّبيعيّ هو السّجن على جرائم التّزوير والاستغلال والغشّ والنّصب التي قاموا بها في رحلتهم مع الأبحاث والتّرقيات والتّعينات والإشرافات على الرّسائل والأطروحات العلميّة والبحثيّة المختلفة.
يكفي على سبيل المثال أن أذكرَ أنّ هناك تجارة كاملة رائجة في سوق المتنبّي في العراق تعمل على صناعة البحث العلميّ لمن يشتريه من أكاديميين يلهثون وراء التّرقيات، أو طلبة دراسات عليا، كما أنّ هناك أكثر 23 ألف رسالة ماجستير ودكتوراة تمّ شراؤها من قبل العراقيين من لبنان فقط، وعلى إثر ذلك فتحت الحكومة اللّبنانيّة تحقيقاً في ذلك، في حين أنّ هذه الشّهادات المزوّرة قد تسرّبت تباعاً إلى المجتمع العراقيّ، ووصل الكثير من حملتها إلى أعلى الدّرجات العلميّة والوظيفيّة في المجتمع العراقيّ، ممّن نعرفهم، ونعرف أسماءهم، وهم لا يخجلون من ذلك، ويتبجّحون علينا بشهاداتهم، ويوصوننا في كلماتهم الرّنانة بالعمل والإنجاز والشّرف.
كلامي هذا إنْ خصصتُ بها العراق؛ فذلك لأنّ أهل البلاد أعرف بها، وأنا أعرف بالعراق من غيرها، لكن الجرب ليس فينا فقط، فهو –والحمد للأوغاد- مستشرٍ في الجسد التّعليميّ العربيّ كلّه، إلى درجة أنّ أيّ حديث عن هذا الفساد البحثيّ والعلميّ في أيّ جامعة أو بلد عربيّ، هو ذاته ينطبق على (جامعاتنا العربيّة العتيدة!)، و(إداراتها الحكيمة المقتدرة!).
بفضل هذا الواقع العربيّ التّعليميّ المرير وصلنا إلى حدّ الإفلاس الفكريّ والمعرفيّ وحتى الإنسانيّ، وبات كلّ شيء عندنا مستورد حتى مشاعرنا ومواقفنا وآمالنا.
يقول العرب عندما كانوا عرباً أنّ الخرق اتّسع على الرّاتق، وهو في جامعاتنا اتّسع إلى حدّ أنّه لم يعد خرقاً، بل أصبح فضيحة على رؤوس الأشهاد، أو ثقباً أسودَ يبتلعنا جميعاً، ويسرق حاضرنا، ولا يعدنا بأيّ مستقبل كان سوى أنّ نهيم على هامش التّاريخ والإنسانيّة.
ماذا أبقيتم لنا أيّها اللّصوص الأوباش؟ لقد سرقتم كلّ شيء: مستقبلنا، جامعاتنا، قيمنا المعرفيّة، حصيلتنا العلميّة، أعرافنا الأكاديميّة، آمالنا، مناهجنا، أساتذتنا الأشراف، علومنا المهمّة، طلبتنا النّجباء.
ماذا نسمع الآن حول جامعاتنا العربيّة؟ بعيداً عن الإعلام العربيّ المطبّل المزّمر، وبعيداً عن الإعلام الجامعيّ المأجور حيث سفلة المزّورين والأفّاقين والمنافقين، ليس هناك سوى أخبار متواترة يوثّقها الإعلام العالميّ وأحياناً الإعلام العربيّ المنحاز إلى الحقيقة على ما في ذلك الانحياز من خطورة في أوطان مسمومة مسعورة بوليسيّة، فإنّ المشهد العربيّ الأكاديميّ يواجهنا كلّ يوم بصفعة موجعة جديدة: فنرى إدارات جامعيّة فاسدة تسقط الجامعات في الدّيون والإفلاس دون أيّ محاسبة مجتمعيّة أو قانونيّة أو حكوميّة على ذلك، ونرى أساتذة جامعيّين مقتدرين مبدعين مهمّشين مبعدين عن أيّ صلاحيّات جامعيّة، في حين نرى أساتذة مزورين يتسّلقون المناصب، ويتحدّثون بكلّ وقاحة في زمن الرّويبضة، ضمن ممارسات جامعيّة مخيفة موزّعة بين الجرائم والغشّ والتّزوير والانخراط في العصابات والإدمان والسّقوط في مصائد الاستغلال والرّذيلة.
كم يطيب لكثير من الآفّاقين أن يجعّروا لنا من مناصبهم الجامعيّة بأنّ الجامعات العربيّة في خير، وأنّ إداراتها مقتدرة، وأنّ مقدّراتها محفوظة، لكن الحقيقة الرّقميّة والإحصائيّة هي أنّ جامعاتنا العربيّة في جلّها مدينة ومفلسة ومنهوبة، وأنّ شهادتنا الجامعيّة لا تساوي الورق الذي كُتبت عليه، ويُنظر إليها خارج وطننا العربيّ على أنّها لا شيء، كما الخرّيج العربيّ لا وزن حقيقيّ له خارج بلده، ولا تستقطبه الجامعات العالميّة العريقة إلّا نادراً، في حين في القريب -قبل ثلاثة عقود فقط، كان الطّالب الجامعيّ العراقيّ – على سبيل المثال لا الحصر- الخرّيج من جامعة الطّبّ العراقيّة يُستقطب بكلّ تقدير في عواصم العلم والنّور في العالم، أمّا الآن فلا جامعة في العالم تفتح له أبوابها إلّا أن امتحنتْ علمه، وأثبتَ لها أهليّته وجدارته بعيداً عمّا تقول الشّهادات التي يحملها، بعد أن أصبحتْ مصدر ريبة وعدم ثقة في العالم كلّه.
أتابع بإصرار المشهد التّعليّميّ العربيّ، وأيضاً المشهد البحثيّ المرتبط وجوباً بالمشهد التّعليميّ، فتكون حصيلة المشهد البحثيّ العربيّ هي صفر مربّع كامل ناصع الوضوح؛ فلا منجز عربيّ بحثيّ مؤسسّيّ جامعيّ بحقّ على الرّغم من الميزانيّات البحثيّة العملاقة التي تُصرف بغير حقّ في وجوه بعيدّة عن الإنجاز البحثيّ الحقيقيّ، إنّما المنجزات العلميّة والبحثيّة وبراءات الاختراعات هي منجزات فرديّة لذوات علميّة عريقّة، غالباً هم خارج السّرب، وبعيداً عن قطيع اللّصّوص، وفي الغالب ينتهي بهم المطاف في الغرب حيث يجدون التّقدير والحياديّة والاحترام وفضاءات العمل والتّقدّم والإنجاز بعيداً عن المشهديّة العربيّة حيث الفساد وعقليّة القطيع وإدارات المزارع وسلوكيّات الضّباع التي تمزّق أيّ مبدع حقيقيّ.
البيئة الأكاديميّة العربيّة هي بيئة طاردة بامتياز لكلّ مبدع أو ذي قدرات وكفاءات حقيقيّة، في حين هي مرتع للضّباع التي تنهشها دون رادع أو محاسب أو معاقب؛ فلا عجب –إذن- أن نتابع بعيوننا تغطيات إعلاميّة موثّقة وأحياناً مصّورة عن اعتداءات وتجاوزات من الجميع في حقّ الجميع؛ فنرى أستاذة جامعيين يقبلون الرّشاوى من الطّلبة نظير نجاحهم في المواد التي يدرّسونها، بل إنّ البعض منهم يوصل العلامة مزفوفة إلى الطّالب في بلده دون أن يداوم في الجامعة، أو أن يحضر محاضرة واحدة فيها، ما دام ذلك الطّالب قادرعلى دفع نظير ذلك من أموال وهدايا ودعوات أكاديميّة وسياحيّة، وأحياناً تعينات مؤقّتة في جامعاتهم.
في حين وصلت الحالة إلى حدّ الغرق في المستنقع؛ فنجد أساتذة يراودون طالباتهم عن أنفسهنّ مقابل العلامات، بل حتى أنّهم يمارسون الرّذيلة والشّذوذ مع طلبتهم الذّكور، فضلاً عن الإناث.
أعرف أنّ الكثيرين ممّن يتخفّون خلف عباءات الأكاديميّة وشرف المهنة وأعراف الجامعات سوف ينغصون رؤوسهم، ويرفعون العقائر بالخزي والعار من كلامي هذا، وسوف يرجموني بكلّ التّهم التي تعنّ على خواطرهم، ابتداء من جهلي، مروراً بخيانتي المزعومة، انتهاء بحقدي على ذواتهم الرّفيعة!، لكن ذلك كلّه لا يغيّر من حقيقة الحال، ولا يحجب الواقع المفضوح عن الجميع؛ فالشّمس لا تحجب بغربال، ومَنْ ينتفض لصالح الوطن هو ابنه، ونباحكم لن يغير من حقيقة أنّكم لصوص قد سرقتم الأوطان، وسرقتم – كذلك- حظوظ وجهود وأماكن الأكاديميين والطّلبة الشّرفاء الذين انقطعوا للعلم، ونالوا منه حظوظاً عظيمة بالعمل والعلم والاجتهاد والكدح.
ومن باب التحّدي المحض الذي يروق لي غالباً، فلمن يجد في نفسه أن يقارعني في كلامي هذا فليتقدّم؛ لأبدأ منه في رسم ملامح الفساد؛ إذ في جعبتي أسماء وتفاصيل وفساد كثير، كما في جعبة العالم كلّه أمثلة مشرّفة عن دول بمقدّرات متواضعة، لكنّها بنت نفسها بمقدّرات العلم والإبداع والنّزاهة، كما هو الحال في فنلندا وسنغافورة وماليزيا، فضلاً عن الدّول التي استفادت من مقدّراتها، وعظّمت منجزاتها، وارتقت بإنسانها، كما هو الحال في الصّين ودول اسكندنافيا، في حين أنّ أوطاننا العربيّة تترّبع على مقدّرات أسطوريّة من الجغرافيا والثّروات والطّاقة البشريّة، وبعد ذلك كلّه الحصيلة: صفر بفضل (السّادة اللّصوص الأوغاد!).
لن أملي على (أوطاننا العظيمة!) قائمة توصيات لحلّ هذه المشكلة المفترضة؛ إذ إنّهم جميعاً هم المشكلة لا الحلّ؛ فكيف للفاسد أن يساهم في إلغاء وجوده، ومحاسبة سقوطه.
نحن –باختصار ووضوح وتحدٍ- في حاجة إلى ثورة بيضاء حقيقيّة، ليست ثورة دماء وقتل واغتيالات وتصفيات، بل هي ثورة مؤسسات ودول وإدارات لأجل إعادة العمل الأكاديميّ إلى مكانه الطّبيعيّ، وإنقاذ ما يمكن إنقاذه، وحتى ذلك الوقت (يا قلب لا تحزن ولا تنتظر).