الخلايا الداعشية النائمة.. جيوش الظل في أقبية الفساد، القنبلة التي تنتظر التوقيت

ضياء أبو معارج الدراجي

لم يعد العثور على ترسانة من الأسلحة الثقيلة والمتوسطة في منزل أحد أباطرة الفساد صدمةً للعراقيين، بل أصبح كشفاً لورقة التوت عن حقيقة كانت تُدار في الغرف المظلمة. فهذه الكمية ليست مجرد مخزون من السلاح، بل تمثل قوة تكفي لتجهيز سرية مقاتلة كاملة، قابلة للتشظي إلى نحو ثلاثين خلية نائمة، تستطيع كل واحدة منها التحرك وإعلان الحرب في أقل من ستين دقيقة. وهذه ليست حالة استثنائية، بل تبدو وكأنها جزء من عقيدة راسخة لدى بعض المتنفذين الذين لا يكتفون بنهب المال العام، بل يعملون على تحويل الفساد إلى مظلة تخفي وراءها ترسانات الموت.

والمعادلة هنا مرعبة في بساطتها؛ فإذا كان كل مسؤول فاسد يكدّس من الأسلحة ما يكفي لتسليح ثلاثمائة مقاتل، فإننا لا نواجه أفراداً متفرقين، بل نقف أمام جيش سري قد يتجاوز تعداده عشرة آلاف عنصر، يقبع في الظل بانتظار ساعة الصفر وصدور البيان رقم واحد للانقضاض على الدولة ومؤسساتها ومن فيها. وفي الوقت الذي تُمارس فيه ضغوط دولية وإقليمية تحت شعار حصر السلاح بيد الدولة، وتجريد الحشد والفصائل من السلاح، تجري على الأرض ـ وفق هذه المخاوف ـ واحدة من أخطر عمليات الخداع الاستراتيجي؛ فبينما يُجبر طرف على تسليم سلاحه وتفكيك تشكيلاته ويُستنزف إعلامياً وسياسياً، يراكم الطرف المهزوم في المقابل ترسانات الموت في الخفاء، مستفيداً من مظلات الفساد والنفوذ والعلاقات المتشابكة التي تربطه ببعض المتنفذين في المكون الأكبر.

إنها معادلة خطيرة يتقاسم فيها فاسدو المكونات فتات المال والنفوذ، بينما يبقى الطرف الأكبر منشغلاً بالتسليم والتفكيك، في الوقت الذي يُعاد فيه، بصمت، إنتاج بيئة قد تسمح بولادة داعشية جديدة في الظلام. وإن ضبط مسؤول رفيع مع تلك الكمية المرعبة من الأسلحة يثير أسئلة خطيرة تتجاوز مجرد الفساد المالي أو الإداري، لتلامس هواجس تتعلق بامتدادات فكرية وتنظيمية للجماعات الإرهابية التي عاثت في العراق قتلاً وتدميراً.

فالذين ذبحوا العراقيين بالأمس لم يختفوا بالضرورة، بل قد يكون بعضهم قد غيّر جلده واندسّ في تفاصيل الحياة اليومية تحت غطاء المواطن العادي، مترقباً لحظة ارتخاء قبضة الدولة أو تراجع القوى التي واجهته، ليعيد إنتاج سيناريوهات الخراب والفوضى من جديد.

إن أخطر ما في المشهد هو احتمال تشكل حالة من التجريد الاستراتيجي لطرف، مقابل تسليح موازٍ لطرف آخر. وهنا لا يعود الأمر مجرد خلافات أو صراعات سياسية، بل يتحول إلى مخاوف حقيقية من تحويل أقبية الفساد إلى مستودعات لجيش من الخلايا النائمة التي لا تنتظر سوى اللحظة المناسبة لتفجير المشهد بأكمله فوق رؤوس الجميع.

فالدولة لا تُحمى بالشعارات، ولا يتحقق الأمن بنزع السلاح من جهة واحدة وغضّ الطرف عن مخازن السلاح الأخرى، بل بتجفيف جميع منابع السلاح غير الشرعي، وملاحقة مخازنه أينما كانت، ومنع تحوّل الفساد إلى غطاء لإعادة إنتاج التهديدات التي دفع العراقيون أثماناً باهظة لمواجهتها. لأن الخطر الحقيقي لا يكمن في السلاح الظاهر للعيان، بل في ذلك السلاح المخفي في الأقبية، بانتظار لحظة الانفجار.

ضياء أبو معارج الدراجي