أنصار الشوارب واللحى ..خصومات ليلية افتراضية وصداقات واقعية في الضحى
أحمد الحاج جود الخير
لا شك أن كاريزما الشوارب واللحى قد تلاشت بفعل احداث جسام ألصقت بهما سوية، فلم يعد الشارب أو – الشنبات – تضفي على صاحبها، مفتولة كانت على طريقة – أبو صياح – أو مسبلة على طريقة – أبو عنتر – ، أو كثة على طريقة – غوار الطوشي – أقول لم تعد تضيف لصاحبها تلك الهيبة التي كانت تمنحها لأصحابها على مر التأريخ ولعل أشهر من حملها، الأديب الروسي، مكسيم غوركي، الفيلسوف الألماني فردريك نتشة، هتلر، تشارلي شابلن، ستالين، أينشتاين، المهاتما غاندي،الثائر المكسيكي زاباتا، الأديب المصري، صاحب النظرات والعبرات والفضيلة، مصطفى لطفي المنفلوطي، وغيرهم كثير، وفي الأمثال البغدادية على لسان النساء قولهن ” شفت شواربه وتغزلت بيه، لوما شواربه ماجنت ألفيه ” ولطالما كانت الشوارب علامة على الشجاعة والقوة والأنفة والرجولة، يقطع بها العهد وينجز بمسكها الوعد في الحارات الشعبية بقولهم ” اخذها من هالشارب ” إلا أنها لم تعد كذلك بمعناها المعنوي والعرفي والتراثي ماضيا، وأصبح قطع الوعد بمسك طرف الشارب أشبه بمواعيد عرقوب !!
اللحى بدورها لم تعد ولاسيما بعد أن تحولت الى موضة للشباب ،علامة على الزهد والتقى والورع والأيمان ، ومشاهير الملتحين أكبر من العد والحصر، حتى أن اليونانيين كانوا يقولون “هناك نوعان من الناس في هذا العالم بلا لحية: الطفل والمرأة”.
وفيما كانت جميع الطرق المؤدية الى وسط العاصمة بغداد مزدحمة فقد وجدت نفسي أغير مساري اضطرارا لأجدني قبالة أشهر محل حلاقة رجالي في منطقة باب الشيخ، حلاقة” شنب شيك ” ولفت انتباهي اسم المحل الأنيق والجميل فيما تناهى الى سمعي أحد زبائنه القدامى وهو يترنم بأبيات مغناة على مقام سيكاه : “واگف على العشار ويقره جريده .. وأمشط تواليت حسباله أريده “.
“صحيح ولا عاب حلكك ” هكذا أطلقتها مسموعة أتبعتها بمثل بغدادي بعدما رمقني بنظرة يتطاير منها الشرر ” الفار لو سكر يمشي على شوارب البزون ” وهل رأى الفقر سكارى مثلنا ؟ قطعا لن ولم ير ولذلك ينتفض الجائعون أحيانا برغم جبنهم، لأنهم سكارى وماهم بسكارى ولكن وطأة الفقر والظلم الاجتماعي والتمايز الطبقي المسلط على رقابهم في هذا العالم الذي تجاذبته أكاذيب الرأسمالية والاشراكية ، شديد !! لا أقول ذلك اعتراضا على امتعاض الجائعين ، حاشا وكلا ، ولكن على طريقة تعبيرهم عن مآسيهم وعلى شعاراتهم التي تحولت تدريجيا الى ما يشبه الكدية التي تحاول دغدغة مشاعر فئات وشرائح معينة ، وإغفال أخرى تفوقها أهمية وإنسانية، عمدا او سهوا أو نفاقا، ربما !
فرد علي وأخاله يساري حتى النخاع كان يشذب شاربه الطويل أمام المرآة استعدادا للقاءات تلفزيونية – خطافية محتملة يكرر خلالها – القوانة – المشروخة ذاتها وعلى طريقة المتسولين وترنيمتهم البائسة المعهودة ” شغل ماكو .. تعيينات ماكو .. كهرباء ماكو ..خدمات ماكو ” ليظهر صديقه من خلفه أمام العدسات مبتسما ابتسامة بلهاء ، فيما يظهر صديقه الثاني رافعا علامات النصر هههه ولم يجد أفضل من أبيات للملا عبود الكرخي ليرد علي بها حانقا بعدما لاحظ لحيتي التي لم تحلق منذ اسبوعين انشغالا وليس زهدا أو ورعا :
قيّم الرگاع من هاي اللحى
تشوفه هيبة وعنده لحية مسرّحه
يشتم بلا خجل وبلا مستحه
من يحس المقعد شويه اندحچ
قيم الرگاع من ديرة عفچ
قلت يرى الدكتور ريدوك، أنه يجب السماح بنمو اللحية والشارب كونهما يؤمنان حماية جيدة لدى أولئك الذين لا يمرنون حناجرهم بانتظام وينصح بترك شعر اللحية والشارب ليس للوقاية من التهاب الحلق وبحة الصوت فقط بل ولتجنّب التهاب الشعب الرئوية المزمن والحاد ايضا ” هكذا يزعم وانا مصدقه، الم تسمع بقول قائلهم :
يا جاهلا أمر اللحى متجاهلا لجمالها …متناسيا أمر النبي معظما من شأنها
قال: وهل سمعت بما كان قد وعد به الرئيس الفنزويلي اليساري السابق نيكولاس مادورو، بحلق شاربيه في حال لم يوفر مليون مسكن شعبي بحلول نهاية العام 2015، لكي يعلم الجميع انه لم يف بوعده ” ألم تسمع للمتنبي حين هجا كافور الإخشيدي:
أغَايَةُ الدّينِ أنْ تُحْفُوا شَوَارِبَكم .. يا أُمّةً ضَحكَتْ مِن جَهلِها الأُمَمُ
قلت ألم تقرأ وأنت المثقف الذي يقضي نهاره في شارع الكتب – المتنبي – كتاب “اعتماد الراغب في حلق الشارب” لابن طولون, و”أحكام المذاهب في طول اللحى والشوارب”للنازلي ، و” بلوغ المآرب في قص الشارب” للسيوطي, و”مسألة قص الشارب” للعراقي,.. ألم تسمع بقول القائل :
*إن القساوس قلدوا …….. فيها المسيح لحسنها
قال :المصريون القدماء اختاروا الذقن المستعارة المصنوعة من شعر الماعز خلال الاحتفالات والمناسبات كبديل عن اللحى حرصا على نظافتهم الشخصية على حد وصفهم، حيث عدوها والحواجب الكثيفة دليلا على عدم النظافة، فيما حافظوا على ارتداء اللحية المستعارة الرفيعة التي ظهرت في جميع رسوماتهم تشبها بالإله أوزوريس، وكانت اللحى المستعارة توضع على توابيت الفراعنة .. الم تسمع بقول قائلهم ” لايغرنكم اللحى فان التيس السخل له لحية أيضا “، وقول الجاحظ ” ماطالت لحية رجل إلاّ تكوسج عقله ” بمعنى تبلّد وقول ابن الرومي في رائيته: إن تَطُل لحية ٌ عليك وتعرض ..فالمخالي معروفة للحميرِ
وقوله في قصيدته البائية:
أرى بمن عظمت في الناس لحيتهُ .. من خدعة الدين ان يُدعى أبا الكذب
قلت : أشهر من حلقوا اللحى والشوارب بالأمس باتوا اليوم يطلقونهما فقد صارت سمة من سمات الأناقة والوجاهة ..ألم تر فيصل القاسم، الم تر كاظم الساهر ، الممثل المصري أحمد حلمي وذقنه الطويل في آخر صور له ، ألم تر سيرغو راموس، جيرارد بيكيه ، بيب غوارديولا والقائمة طويلة لقد بات الشغف باللحية الكاملة واضحا بين الرجال بعد ظهور نجوم هوليوود في حفلات توزيع جوائز الأوسكار ومعظمهم قد أطلق لحيته ، وهل تعلم بأن في ألمانيا هناك أكثر من 600 ألف نادٍ وجمعية للحى والشوارب يتبارى أعضاءها للحصول على جائزة بطل العالم لأحسن شارب ولحية..صحيح أنهم لايطلقونها تدينا ، ولكنهم كانوا من أشد المعارضين لها والساخرين منها ومن مطلقيها قبل أشهر ولا أقول سنين ، وهاهم اليوم يعفونها صاغرين أو مقلدين أو متجملين أو …متفيكين !!
اللحى التي استهجنها ابن الرومي والمعري والجاحظ وهم من أصحاب اللحى- بالمناسبة – إنما قصدوا بها أولئك الذين يسرقون بلحاهم ..يقتلون بلحاهم …يهربون الآثار بلحاهم …يغشون في الميزان ..يضحكون على العوام بلحاهم ، يأكلون أموال الناس بالباطل بلحاهم ..يختلسون ويرتشون وينهبون ويظلمون بلحاهم ..يتجسسون على الخلق بلحاهم … أما أصحاب اللحى ممن عرفوا بالزهد والتقى والورع والعلم والصلاح والأصلاح وحسن الخلق والكرم والجود والعطاء والسيرة الحسنة فليسوا ممن عنوهم إطلاقا ، ولو أنك أكملت كل قصيدة مما ذكرت آنفا استللت ابياتا منها لتناسب غايتك – الشنبية – وأهملت أخرى ، لأدركت ذلك مليا !
ودعني صاحبي ، ولكن وقبل أن تودعني أنت أطالب بعودة أصحاب اللحى الى سابق عهدهم النقي، الطاهر، الإيماني، المتزن، كما أدعو أصحاب الشوارب بالعودة الى كبريائهم وشموخهم ونخوتهم وشجاعتهم لأن كاريزما شعر الذقن العليا والسفلى قد نتفت ، وكبريائهما نمرة صفر قد..حلقت ! وإلا فسنذهب إضطرارا الى الذقن النابليوني الحليق حيث لا لحية ولا شارب ..انتظرونا أغاتي ، حلاقة تواليت وراجعين !!