د. فاضل حسن شريف
جاء في صفحة إعجاز القرآن الكريم – فأتُوا بِسُورَةٍ مِن مِثلِهِ عن تكرار حرف أو ضمير في القرآن الكريم للكاتب أبو محمد خليفة: ووقعَ حرفَ عطفٍ أربعَ مرات: (والذينَ لم يستجيبوا، ومثلَه معَه، ومأواهم، وبئسَ). ووقعت أصليةً في ثلاثةِ مواضعَ: (لو، سوء، مأواهم). وتنشأُ واوٌ حينَ إشباعِ ضمةِ الهاءِ في المواضعِ الثلاثةِ: (لهُ= لهو، مثلَهُ=مثلهو، معَهُ=معهو) والواوُ سواءٌ أكانَ حرفَ مدٍّ، أمْ حرفَ لينٍ، حرفٌ مجهورٌ استمراريٌّ مرقَّقٌ منفتحٌ، سهلُ النطقِ وجميلُ الوقعِ على الأذنِ والسمْعِ. وجواباً على سؤالٍ يردُ غالباً، حول مثل تلك التكرارات، فنقول إن في مثل هذه الحالات يخطئ كثير من الناس، وربما كبار الشعراء، فيقعون في ما يسمى في النقد العربي بـ (المعاظلة اللفظية)، حيث يؤدي تكرار حرف أو كلمة أو أداة إلى تراكُبٍ يشينُ النظم البشري، فيصبح من الصعوبة بمكان قراءة الكلام المتعاظل، فمما عابه النقاد على أبي تمام، وهو من كبار الشعراء، قوله: كأنه لاجتماع الروح فيه له * في كل جارحةٍ من جسمه روح> فانظر إلى ثقل النطق في نهاية الشطر الأول من البيت (فيه له)، وانظر إلى قوله تعالى في سورة يس: “لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُندٌ مُّحْضَرُونَ” حيث تتالى ضمير الغائب للجمع (هم) ثلاث مرات، وانظر إلى الجمال الصوتي والسمعي الذي أضافه هذا التكرار. واقرأ بيت أبي الطيب المتنبي في وصف الفرس: وتسعدني في غمرةٍ بعد غمرةٍ * سبوحٌ لها منها عليها شواهد فقد وصفه ابن الأثير في كتابه المثل السائر بأنه: (من الثقيل الثقيل الثقيل). واقرأ أيضاً قول المتنبي: تبيت وفودهم تسري إليه * وجدواه التي سألوه اغتفار فخلفهم برد البيض عنهم * وهامهم له معهم معار> يقول عنه ابن الأثير: (وقوله وهامهم له معهم مما يثقل النطق به، ويتعثر اللسان فيه، لكنه أقرب حالاً من الأول).
وعن التفسير المبين للشيخ محمد جواد مغنية: قوله عز وجل “يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۖ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ ۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ” ﴿التغابن 1﴾ وتقدم مثله في أول سورة الجمعة “لَهُ الْمُلْكُ” يؤتيه من يشاء وينزعه ممن يشاء “ولَهُ الْحَمْدُ” على عظيم إحسانه ونيّر برهانه”وهُو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ” من غير آلة وروية بل بكلمة “كن”. وعن الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي: قوله عز وجل “يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۖ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ ۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ” ﴿التغابن 1﴾ تبدأ هذه السورة بتسبيح الله، الله المالك المهيمن على العالمين القادر على كل شيء “يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض” ويضيف “له الملك” والحاكمية على عالم الوجود كافة، ولهذا السبب: “وله الحمد وهو على كل شيء قدير”. ولا حاجة للحديث عن تسبيح المخلوقات جميعا لله الواحد الأحد بعد أن تطرقنا إلى ذلك في مواضع عديدة، وهذا التسبيح ملازم لقدرته على كل شيء وتملكه لكل الأشياء، ذلك لأن كل أسرار جماله وجلاله مطوية في هذين الأمرين.
عن مركز الامام الصادق عليه السلام حول التكرار في القرآن: وظيفة التكرار فى القرآن: مع هذه المزالق كلها جاء التكرار فى القرآن الكريم محكماً. وقد ورد فيه كثيراً فليس فيه موضع قد أخذ عليه دَعْ دعاوى المغالين فإن بينهم وبين القرآن تارات؛ فهم له أعداء وإذا أحسنا الفهم لكتاب الله فإن التكرار فيه مع سلامته من المآخذ والعيوب يؤدى وظيفتين: أولاهما: من الناحية الدينية. ثانيهما: من الناحية الأدبية. فالناحية الدينية باعتبار أن القرآن كتاب هداية وإرشاد وتشريع لا يخلو منها فن من فنونه، وأهم ما يؤديه التكرار من الناحية الدينية هو تقرير المكرر وتوكيده وإظهار العناية به ليكون فى السلوك أمثل وللاعتقاد أبين. أما الناحية الأدبية فإن دور التكرار فيها متعدد وإن كان الهدف منه فى جميع مواضعه يؤدى إلى تأكيد المعانى وإبرازها فى معرض الوضوح والبيان. وليكن حديثنا عنه على حسب المنهج الذى أثبتناه فى صدر هذا البحث. تكرار الأداة: ومن أمثلتها قوله تعالى: “ثم إن ربك للذين هاجروا من بعدما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحِيِم” (النحل 110). “ثم إن ربك للذيِن عملوا السوء بجهالة ثم تابوا من بعد ذلك وأصلحوا إن ربك من بعدها لغفور رحيم” (النحل 119). والظاهر من النظر فى الآيتين تكرار ” إنَّ ” فيهما. وهذا الظاهر يقتضى الاكتفاء ب ” إنَّ ” الأولى. ولم يطلب إلا خبرها. وهو فى الموضعين أعنى الخبر ” لغفور رحيم ” لكن هذا الظاهر خولف وأعيدت ” إنَّ ” مرة أخرى. ولهذه المخالفة سبب. وهذا السبب هو طول الفصل بين ” إنَّ ” الأولى وخبرها. وهذا أمر يُشعِر بتنافيه مع الغرض المسوقة من أجله ” إنَّ ” وهو التوكيد. لهذا اقتضت البلاغة إعادتها لتلحظ النسبة بين الركنين على ما حقها أن تكون عليه من التوكيد. على أن هناك وظيفة أخرى هى: لو أن قارئاً تلا هاتين الآيتين دون أن يكرر فيهما ” إنَّ ” ثم تلاهما بتكرارها مرة أخرى لظهر له الفرق بين الحالتين: قلق وضعف فى الأولى، وتناسق وقوة فى الثانية. ومن أجل هذا الطول كررت فى قول الشاعر: وإن امرأً طَالَتْ مَوَاثِيقُ عَهْدِهِ * عَلَى مِثْلِ هَذاَ إنَّهُ لَكَرِيمُ. يقول ابن الأثير رائياً هذا الرأى: ” فإذا وردت ” إنَّ ” وكان بين اسمها وخبرها فسحة طويلة من الكلام. فإعادة ” إنَّ ” أحسن فى حكم البلاغة والفصاحة كالذى تقدّم من الآيات “.
جاء في روائع البيان عن الفرق بين استعمال من وما في قوله تعالى: “وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ” (الرعد 15) وقوله تعالى “وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ” (النحل 49) للدكتور فاضل السامرائي: (من) تستعمل لذوات العقلاء وأولي العلم فقط أما (ما) فتستعمل لصفات العقلاء”وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا” (الشمس 8)، و”فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ” (النساء 3)، و”وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأنْثَى” (الليل 3) والله هو الخالق،”وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا” (الشمس 8) والله هو المسوي، وذوات غير العاقل (أشرب من ما تشرب) وهي أعمّ وأشمل. لكن يبقى السؤال لماذا الاختلاف في الاستعمال في القرآن الكريم فمرة تأتي (من) ومرة تأتي (ما)؟ ونستعرض الآيات التي وردت فيها (من) مع السجود: قال تعالى في سورة الرعد: “وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ” (الرعد 15) والطوع والكره من صفات العقلاء فاستعمل (من) والكلام في العقلاء أيضاً فاستخدم (من). أما في سورة النحل في قوله تعالى: “أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ (48) وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (49)” (النحل 48-49) الدابة أغلب ما تستعمل في اللغة لغير العاقل وهي عامة وشاملة فاستعمل (ما) كما أنه في الآية جاءت كلمة (شيء) وهي أعمّ كلمة. وعليه فإنه من ناحية العموم ناسب استعمال (ما) ومن ناحية استعمالها لغير العاقل ناسب استعمال (ما) لأن الدابة كما أسلفنا تستعمل في الغالب لغير العاقل. ونلاحظ في القرآن أنه تعالى عندما يستعمل (من) يعطف عليها ما لا يعقل كما في قوله تعالى في سورة الحج: “أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ” (الحج 18). أما عندما يستعمل (ما) فإنه يعطف عليها ما يعقل”وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِن دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَة ” (النحل 49) وهو خط بياني لم يتخلف في القرآن أبدا والحكمة البيانية منه الجمع. وكذلك استعمال من مع فعل يسبّح كما في قوله تعالى في سورة الإسراء: “تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا” (الاسراء 44) وفي سورة النور”أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ” (النور 41). واستعمال (ما) كما في قوله تعالى في سورة الحشر”هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ” (الحشر 24) وسورة الجمعة “يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ” (الجمعة 1) وسورة التغابن”يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ” (التغابن 1) وسورة الحديد”سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ” (الحديد 1) والحكمة البيانية من ذلك جمع كل شيء.
التكرار في آيات القرآن الكريم يُعدّ من أبرز أساليب البلاغة والبيان، ولا يأتي قط عبثاً أو لمجرد الحشو، بل يؤدي وظائف دقيقة مثل: التوكيد والتقرير، لفت الانتباه وتأكيد المعنى في نفس القارئ، والتهويل أو التعظيم، والإشباع في تعداد النعم.يأتي التكرار في الآيات بعدة صور:1. تكرار الكلمة متلاصقة (دون فاصل)مثل تكرار الكلمة مرتين لتشديد المعنى:”كَلاَّ إِذَا دُكَّتِ الأَرْضُ دَكّاً دَكّاً” (الفجر 21)، (لتأكيد شدة الدك والتهويل).”وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً” (الفجر 22).”وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ” (الواقعة 10).2. تكرار الكلمة في مواضع متفرقة من الآية نفسها”هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ” (المؤمنون 36) (للتأكيد والمبالغة في الاستبعاد).”اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ” (العلق 3) وتكرار فعل القراءة فيه حثّ على التعلم والتكرار.”مَاءً فَدَفَقَ * خُلِقَ مِن مَّاءٍ دَافِقٍ” (الطارق 6-7).3. تكرار الآيات الكاملة “فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ” (الرحمن)، وهي الآية الأكثر تكراراً في القرآن، حيث تكررت 31 مرة لتقرير النعم وتذكير العباد بها. “وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ” (المرسلات) تكررت 10 مرات للتهويل والتوكيد.4. تكرار كلمات محددة في القرآن الكريم (إحصائياً)للبحث الدقيق عن الكلمات أو الآيات، يمكنك استخدام أداة الباحث القرآني أو الاطلاع على إحصائيات المصحف الإلكتروني لمعرفة مواقعها وعدد مرات تكرارها بدقة:لفظ الجلالة (الله) هو أكثر كلمة تكررت في القرآن (2,697 مرة).كلمة (اليوم) وردت (365 مرة) بعدد أيام السنة.كلمة (الدنيا) وردت (115 مرة) مساوية تماماً لعدد مرات ورود كلمة (الآخرة).