جديد

تأويل عدم سجود ابليس لأدم عند الحلاج

شيخ جليل الحاج مطنش الساعدي

يرى الحلاج أن قصة امتناع إبليس عن السجود لآدم ليست مجرد قصة عصيان، بل تحمل بعدًا رمزيًا يتعلق بالمحبة والتوحيد. وهذا التأويل من أشهر تأويلات التصوف، وقد أثار جدلًا كبيرًا بين العلماء.
عند الحلاج، يمكن تلخيص الفكرة في النقاط التالية:
إبليس كان موحدًا في زعمه: يرى الحلاج أن إبليس قال في باطن أمره: لا أسجد إلا لله، فامتنع عن السجود لآدم لأنه رأى أن السجود لغير الله يناقض التوحيد.

المحنة بين الأمر والحقيقة:

يميز الحلاج بين ظاهر الأمر الإلهي وباطن المحبة. فإبليس – في هذا التأويل – تمسك بما اعتقده حقيقة التوحيد، لكنه خالف الأمر الإلهي الصريح، ولذلك استحق اللعنة.
إبليس عاشقٌ ضلّ الطريق: يصف الحلاج إبليس أحيانًا بأنه “عاشق” أفسد عليه العشقُ الأدبَ مع الله؛ فقد ادعى الإخلاص، لكنه وقع في الكبر والاعتراض على الحكمة الإلهية.

الخطأ الحقيقي هو رؤية النفس:

مع أن إبليس احتج بالتوحيد، إلا أن الحلاج يلمح إلى أن قوله: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ﴾ يكشف أن الأنا والكبر كانا حاضرين، ففسد توحيده بهذا الادعاء.
ومن أشهر ما نُقل عن الحلاج في هذا السياق قوله في كتاب الطواسين إن إبليس وفرعون كان لكل منهما دعوى في المعرفة، لكنهما هلكا بسبب الوقوف مع النفس وعدم الامتثال.

هل كان الحلاج يبرئ إبليس؟

لا. فالحلاج لا يقول إن إبليس كان على حق شرعًا، وإنما يقدم قراءة رمزية وصوفية لشخصية إبليس بوصفها مثالًا للمحب الذي ادعى التوحيد لكنه أخطأ الأدب مع الله. لذلك بقي إبليس عنده ملعونًا، لأن حقيقة العبودية هي امتثال الأمر الإلهي، لا مجرد التمسك بتصور عقلي أو ذوقي للتوحيد.

موقف علماء الإسلام

رفض جمهور علماء العقيدة هذا التأويل، لأن القرآن يصرح بأن سبب امتناع إبليس كان الاستكبار والمعصية، كما في قوله تعالى:
﴿أَبَىٰ وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ (البقرة: 34)
ولذلك عدّ كثير من العلماء تأويل الحلاج وغيره من بعض الصوفية تأويلًا رمزيًا لا يجوز حمل الآيات عليه على أنه تفسير لمعناها الأصلي.
وبذلك فإن تأويل الحلاج ليس تفسيرًا لغويًا أو عقديًا للآية، بل هو إشارة صوفية تستعمل قصة إبليس للتعبير عن العلاقة بين التوحيد، والمحبة، والامتثال، مع بقاء الحكم الشرعي والقرآني بأن إبليس عاصٍ ..