إقليم كردستان إلى أين؟
عندما تُكرَّم المظاهر… وتُحارب الكفاءات، يبدأ انهيار الأوطان.
بقلم / يحيى هركي ـ كاتب وصحفي ـ المانيا
المقدمة :
كم هو مؤلم أن ترى وطنًا يملك كل مقومات النجاح ثم يعجز عن تحقيق ما يستحقه شعبه. وكم هو مؤلم أن ترى شعبًا عُرف عبر تاريخه بالشجاعة والتضحية والكرم لكنه يواجه اليوم أزمات كان بالإمكان تجاوز كثير منها لو بقي ميزان القيم في مكانه الصحيح.
وقبل أن نتهم الآخرين علينا أن نسأل أنفسنا: أين أخطأنا؟
هل مشكلتنا في قلة المال؟
هل مشكلتنا في نقص الموارد؟
هل مشكلتنا في غياب العقول؟
كلا…
إقليم كردستان يملك الأرض والثروات والكفاءات والشباب القادر على البناء. لكن الخطر الحقيقي لا يكمن في نقص الإمكانيات بل في اختلال المعايير التي نقيس بها الناس.
فعندما تصبح الواسطة أقوى من الكفاءة والتملق أقصر طريق إلى النجاح والمظاهر أهم من الجوهر والصورة مع مسؤول أغلى من خدمة المواطن يبدأ الانهيار بصمت دون أن يشعر به أحد.
إن أخطر ما يهدد الأوطان ليس العدو الذي يقف على الحدود، بل ضياع القيم داخل المجتمع. فعندما يُكرَّم من لا يستحق ويُهمَّش من يستحق تصل رسالة خطيرة إلى الشباب تقول إن الاجتهاد والعلم والنزاهة لم تعد الطريق إلى النجاح.
وهنا تبدأ الخسارة الحقيقية.
يفقد المجتهد حماسه ويصاب المبدع بالإحباط وتهاجر الكفاءات بحثًا عن بيئة تحترم قدراتها بينما يبقى الوطن هو الخاسر الأكبر.
لقد أصبح بعض الناس يقيسون قيمة الإنسان بمنصبه، أو بسيارته، أو بعدد متابعيه، أو بصوره مع أصحاب النفوذ وكأن الأخلاق والعلم والإخلاص والعمل الشريف لم تعد معايير تستحق الاحترام.
أي مستقبل ينتظر مجتمعًا تصبح فيه المظاهر أهم من المبادئ؟
وأي نهضة يمكن أن تتحقق إذا شعر الشاب أن العلاقات الشخصية تفتح الأبواب أكثر من الكفاءة؟
إن الأمم لا تنهار فجأة بل تنهار عندما يصبح الخطأ أمرًا عاديًا والسكوت عنه نوعًا من المجاملة ويُنظر إلى من ينتقده بإخلاص على أنه مصدر إزعاج لا صاحب غيرة على وطنه.
إن النقد الصادق ليس عداوة للوطن بل هو أحد أشكال الوفاء له. فالوطن الذي لا يسمع الحقيقة لن يستطيع أن يصحح أخطاءه والمجتمع الذي يخاف من النقد، سيكرر أخطاءه جيلاً بعد جيل.
ولذلك فإن مسؤولية الإصلاح لا تقع على الحكومة وحدها، ولا على المثقف وحده، ولا على الإعلام وحده، بل هي مسؤولية الجميع.
فالأسرة مطالبة بأن تربي أبناءها على الصدق واحترام الآخرين. والمدرسة مطالبة بأن تصنع الإنسان قبل أن تمنحه الشهادة. والجامعة مطالبة بأن تخرج الكفاءات لا الباحثين عن الوظيفة فقط.
والإعلام مطالب بأن يقدم القدوة الحقيقية لا أن يصنع شهرة فارغة. والمسؤول مطالب بأن يجعل العدالة والكفاءة أساس كل قرار. والمواطن مطالب بأن يحترم القانون ويؤدي عمله بإخلاص ويرفض الواسطة والتملق مهما كانت المغريات. إن الأوطان لا تبنى بالشعارات ولا بالتصفيق ولا بالمظاهر بل تبنى بالعدل والعلم والعمل واحترام الإنسان.
وإذا أردنا مستقبلًا يليق بإقليم كردستان، فعلينا أن نعيد الاعتبار للقيم التي صنعت قوة هذا الشعب عبر تاريخه وأن نمنح الفرصة لمن يستحق وأن نجعل الكفاءة فوق كل اعتبار لأن الوطن الذي يحترم أبناءه المخلصين هو الوطن القادر على النهوض.
الخلاصة :
إن مستقبل إقليم كردستان لن تحدده كمية النفط ولا عدد المباني ولا كثرة الشعارات بل سيحدده ميزان القيم الذي نختاره لأنفسنا. فإما أن نكرم الكفاءة ونحارب الواسطة ونحترم العمل الشريف ونمنح الشباب الأمل فنصنع وطنًا قويًا يفتخر به الجميع.
وإما أن نستمر في تمجيد المظاهر وتهميش أصحاب الكفاءة والصمت أمام الأخطاء فنخسر أبناءنا قبل أن نخسر مستقبلنا. إن التاريخ لا يرحم الشعوب التي تعرف أخطاءها ثم تتجاهلها لكنه ينصف الشعوب التي تمتلك الشجاعة لتواجه الحقيقة وتبدأ الإصلاح.
لا أكتب لأنتقد فقط… بل أكتب لأغيّر.
لأن الأوطان لا تبنى بالصمت ولا تتقدم بالمجاملات ولا تزدهر بالفساد بل تنهض بالكلمة الصادقة والفكرة الحرة والعمل المخلص.لان إقليم كردستان يستحق مستقبلًا أفضل؟