صباح البغدادي
على وقع تصعيد عسكري غير مسبوق وتبادل للضربات المستمرة منذ ثلاثة أسابيع بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية، ينطلق رئيس الوزراء العراقي، علي الزيدي، يوم الخميس 23 تموز 2026، في زيارة رسمية بالغة الحساسية إلى العاصمة الإيرانية طهران. وتأتي هذه المحطة الإقليمية فور اختتام الزيدي جولة دبلوماسية مكثفة في واشنطن دامت خمسة أيام، أسفرت عن توقيع 48 اتفاقاً ومذكرة تفاهم شملت قطاعات حيوية مختلفة. وتتزامن الزيارة مع توترات خانقة تعصف بالملاحة الدولية في مضيق هرمز، مما يهدد استقرار الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة. ومع ذلك، فإن القراءة الحقيقية لهذه الزيارة لا تقف عند حدود الملفات التقليدية المدرجة على جدول الأعمال – مثل أزمة الغاز أو وضع الفصائل المسلحة – بل تتعداها إلى اختبار تاريخي لمفهوم “السيادة العراقية الجديدة” ومن خلال اختبار السيادة الحقيقية العراقية والتي نراها تتمثل بانها يجب إن لا تكون وجود إملاءات ولا توبيخ لان الشارع الأوساط السياسية في بغداد تترقب هذه الزيارة بعين الحذر؛ والمطلب الشعبي والسياسي الأبرز اليوم هو ألا يسمح رئيس الوزراء، أو أي عضو في وفده الوزاري، بفتح المجال لأي نوع من الإملاءات أو إشارات “التوبيخ” – ولو بالإيحاء غير المباشر – رداً على الاتفاقات الاقتصادية والأمنية التي أبرمتها بغداد مع واشنطن لحماية المصلحة العراقية العليا. لان الوفد العراقي في طهران لا يمثل شخوصه أو تحالفاته الحزبية ، بل يمثل الدولة العراقية بكامل سيادتها وفق مبدأ التعامل بالمثل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية.
ونتمنى أن تكون المحادثات الثنائية في الغرف المغلقة وذلك من جميع أعضاء الوفد وبدون استثناء ومن خلال استعمال نبرة حازمة وصارمة ومباشرة تختلف عن أدبيات الدبلوماسية التقليدية المقيدة لعهود ما بعد 2003. ومن المتوقع – بل نراه من الضروري شعبياً – أن يعمل وينقل الوفد العراقي امتعاض وانزعاج بغداد الشديد من التصريحات الأخيرة لمستشار المرشد الأعلى الإيراني، علي أكبر ولايتي، والتي حملت عبارات اعتبرها الشارع العراقي مهينة ومسّاً مباشراً بشخص رئيس الوزراء وبكرامة الدولة. والرسالة الحتمية في ختام هذه الزيارة والتي يجب أن تصل إلى طهران وبشكل صارم مفادها بأن : “عراق اليوم يختلف عن عراق الأمس”، وأن تكرار مثل هذه التجاوزات الإعلامية والسياسية أمر غير مسموح به وغير قابل للمرور دون عواقب على طبيعة العلاقات بين البلدين.
وفي سياق متصل كذلك ، يجب أن يدرك الجانب الإيراني، سواء الحكومة أو قيادات الحرس الثوري، أن ملف “ملاحقة الفاسدين” وحملات الإصلاح الداخلي الجارية في بغداد هي قضية عراقية صرفة. لا يحق لأي قوى إقليمية التدخل في مجريات التحقيقات أو محاولة التأثير عليها لحماية شخوص أو جهات تخدم مصالحها الخارجية. حتى وإن كانت هناك فصائل مسلحة تدين بالولاء العقائدي أو العسكري لطهران، فإن بسط سلطة القانون العراقي عليها وعلى تمويلها هو أمر سيادي غير قابل للنقاش أو المساومة مع أي طرف أجنبي. وان كافة الابعاد السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي رافقت ملف الفساد وما تزال يجب ان يبقى دائمآ خط أحمر سيادي بوجه اي من المحادثات الجانبية أو حتى إلى احتمالية قيام بعض أعضاء الحكومة الإيرانية بفتح نقاشات، سواء في الاجتماعات الرسمية أو عبر “المحادثات الجانبية والخطوط الخلفية”، حول تفاصيل ملف مكافحة الفساد في العراق، والآليات الكفيلة بإنهاء مظاهر الحصانة السياسية عن المتهمين بالتورط في شبهات هدر المال العام، لاسيما الشخصيات القيادية المقربة من طهران. وهنا يبرز لنا المحور الأكثر حساسية؛ حيث يجب على الزيدي ووفده رفض النقاش في هذا الملف فوراً وبشكل قاطع. إن فتح ملف الملاحقات القضائية وحملات الإصلاح الداخلي الجارية في بغداد مع أي طرف خارجي هو مساس بقدسية القضاء العراقي. لا يحق لأي قوى إقليمية التدخل في مجريات التحقيقات أو محاولة التأثير عليها لحماية شخوص أو جهات تخدم مصالحها الخارجية. حتى وإن كانت هناك فصائل مسلحة تدين بالولاء العقائدي أو العسكري لطهران، فإن بسط سلطة القانون العراقي وملاحقة الفساد المالي داخل حدود البلاد هو شأن سيادي عراقي بحت، وغير قابل للتفاوض أو المساومة مع أي مسؤول إيراني أو قيادي في الحرس الثوري.
صحيح أن المشهد السياسي والاقتصادي الذي يمر رئيس الوزراء علي فالح الزيدي ما يزال يحمل تعقيدات وتدخلات إقليمية ولكن يجب العمل إلى اختبار لدبلوماسيته المتوازنة؛ فالذهاب إلى طهران مباشرة بعد العودة من واشنطن يتطلب إظهار “مخالب سيادية” تؤكد أن بغداد لم تعد ساحة لتصفية الحسابات أو تلقي التوجيهات، بل شريكاً إقليمياً يفرض أمره الواقع ومصالحه الوطنية أولاً وأخيراً.