جديد

حصر السلاح بيد الدولة في العراق ولبنان .. بين متطلبات بناء الدولة وهواجس الأمن الوطني وتعقيدات البيئة الإقليمية والتحديات الخارجية

رياض سعد

المقدمة

يُعد احتكار الدولة لاستخدام القوة المسلحة أحد المبادئ الأساسية التي تقوم عليها الدولة الحديثة، وهو مبدأ استقر في الفكر السياسي والقانون الدستوري بوصفه الضمانة الرئيسة لحفظ الأمن الداخلي، وصيانة السيادة، وإنفاذ القانون، ومنع تعدد مراكز القرار العسكري والأمني… ؛  فالدولة التي لا تمتلك وحدها سلطة استخدام القوة المشروعة تبقى عرضةً للاهتزاز الداخلي، ولتضارب الولاءات، ولتنامي نفوذ القوى غير الرسمية، بما ينعكس سلباً على الاستقرار السياسي والاجتماعي والتنمية الاقتصادية ووحدة القرار الوطني.

ومع ذلك، فإن هذا المبدأ، على وجاهته النظرية، لا يُطبَّق في فراغ، وإنما يتأثر بالسياقات التاريخية والأمنية التي تمر بها الدول… ؛  فثمة دول عاشت ظروفاً استثنائية تمثلت في الاحتلال الأجنبي، أو الحروب الأهلية، أو انهيار مؤسسات الدولة، أو تمدد التنظيمات الإرهابية والعصابات الاجرامية ، الأمر الذي أدى إلى نشوء تشكيلات مسلحة خارج البناء العسكري التقليدي، بعضها نشأ بمبادرات شعبية، وبعضها بغطاء سياسي أو قانوني، وبعضها الآخر في إطار مقاومة الاحتلال أو مكافحة الإرهاب.

ويُعد العراق ولبنان من أبرز النماذج التي تجسد هذه الإشكالية… ؛  ففي العراق أدى سقوط  النظام البعثي الاجرامي عام 2003، و انهيار  الدوائر الحكومية والمؤسسات العامة , وتصاعد أعمال العنف الطائفي والتكفيري ، ثم اجتياح تنظيم داعش لمساحات واسعة من البلاد سنة 2014… ؛  إلى بروز قوى مسلحة شاركت، إلى جانب القوات المسلحة العراقية، في استعادة المدن وإنهاء سيطرة التنظيم الارهابي … ؛  أما في لبنان فقد ارتبط وجود قوى المقاومة المسلحة باستمرار الصراع العربي الإسرائيلي، والاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان لعقود، فضلاً عن تعقيدات النظام السياسي الطائفي والتدخلات الإقليمية والدولية.

ومن هنا أصبح الجدل الدائر حول حصر السلاح بيد الدولة أكثر تعقيداً من مجرد كونه نقاشاً قانونياً أو دستورياً، إذ تداخلت فيه اعتبارات الأمن الوطني، والذاكرة التاريخية، وموازين القوى الإقليمية، ومخاوف المكونات الاجتماعية، فضلاً عن رهانات القوى الدولية التي تنظر إلى العراق ولبنان بوصفهما ساحتين تتقاطع فيهما المصالح والنفوذ.

وانطلاقاً من ذلك، لا يمكن مقاربة هذه القضية بمنطق الشعارات أو المواقف المسبقة، بل تتطلب دراسة شاملة توازن بين مبدأ بناء الدولة الحديثة من جهة، وبين الاعتبارات الأمنية والواقعية التي أفرزتها عقود من الاحتلال والإرهاب والصراعات الإقليمية من جهة أخرى. كما تستلزم فهماً للجذور التاريخية التي أدت إلى نشوء تلك التشكيلات المسلحة، والظروف التي أسهمت في استمرارها، والتحديات التي تواجه أي مشروع يهدف إلى إعادة تنظيمها أو دمجها ضمن المؤسسات الرسمية.

ولذلك تسعى هذه الدراسة إلى معالجة الإشكاليات الآتية:

* ما الأسس القانونية والفلسفية التي يقوم عليها مبدأ احتكار الدولة للسلاح؟

* ما الظروف التاريخية التي أدت إلى نشوء حركات المقاومة والتشكيلات المسلحة في العراق ولبنان؟

* ما الحجج التي يستند إليها المطالبون بحصر السلاح بيد الدولة؟

* وما الحجج التي يستند إليها الرافضون لنزع السلاح قبل اكتمال بناء الدولة وتوافر ضمانات الأمن الوطني؟

* وما المخاطر التي قد تنجم عن نزع السلاح بصورة متسرعة، أو عن استمرار تعدد مراكز القوة المسلحة؟

* وهل يمكن الوصول إلى صيغة وطنية تحقق في آنٍ واحد بناء الدولة والحفاظ على الأمن والاستقرار؟

إن الهدف من هذه الدراسة ليس الانتصار لطرف سياسي أو تبني خطاب أيديولوجي، وإنما تقديم قراءة تحليلية تستند إلى التجارب التاريخية، والواقع الأمني، والمبادئ الدستورية، وتجارب الدول التي مرت بظروف مشابهة، سعياً إلى فهم أكثر عمقاً لهذه القضية التي تعد من أكثر الملفات حساسية في الشرق الأوسط المعاصر.

# الفصل الأول : الأساس الفلسفي والقانوني لاحتكار الدولة للسلاح

يُعد احتكار الدولة لاستخدام القوة المسلحة من أهم المبادئ التي قامت عليها الدولة الحديثة منذ القرن السابع عشر، وقد ارتبط هذا المفهوم بتطور نظرية السيادة التي بلورها عدد من فلاسفة السياسة والقانون، وفي مقدمتهم **توماس هوبز** و**جون لوك** و**جان جاك روسو**، ثم تطورت لاحقاً مع نشوء الدولة الدستورية الحديثة، حتى أصبح احتكار القوة المشروعة من أبرز خصائص الدولة في الفكر السياسي المعاصر، وهو المفهوم الذي صاغه عالم الاجتماع الألماني **ماكس فيبر** عندما عرف الدولة بأنها: *«الجماعة البشرية التي تحتكر، داخل إقليم معين، الاستخدام المشروع للقوة المادية».*

ويستند هذا المبدأ إلى فكرة جوهرية مفادها أن الأمن لا يمكن أن يتحقق إذا تعددت مراكز القرار العسكري، أو إذا امتلكت جماعات مختلفة القدرة على استخدام القوة بصورة مستقلة عن السلطة الشرعية، لأن ذلك يؤدي إلى ازدواجية القرار، وتعارض الولاءات، وإضعاف هيبة القانون، وربما انزلاق الدولة إلى الفوضى أو الحرب الأهلية.

ولهذا تنص معظم الدساتير الحديثة على أن القوات المسلحة هي المؤسسة الوحيدة المخولة بحماية البلاد، وأنها تخضع للسلطة الدستورية المنتخبة، وتعمل وفق القانون بعيداً عن الانتماءات الحزبية أو الطائفية أو القومية.

كما تؤكد المواثيق الدولية أن من واجبات الدولة الأساسية حماية حدودها، وصيانة أمن مواطنيها، واحتكار استخدام القوة وفق القانون، مع الالتزام بقواعد حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني.

ومن هنا فإن مبدأ **حصر السلاح بيد الدولة** ليس شعاراً سياسياً عابراً، وإنما هو قاعدة دستورية وقانونية مستقرة في الفكر السياسي العالمي.

غير أن الإقرار بصحة هذا المبدأ من الناحية النظرية لا يعني إمكانية تطبيقه فوراً في جميع الدول بالكيفية نفسها، لأن الدولة ليست نموذجاً مجرداً، بل هي نتاج تاريخ طويل من التفاعلات الاجتماعية والسياسية والعسكرية.

فالفرق كبير بين دولة مستقرة تمتلك مؤسسات راسخة منذ قرون، وبين دولة خرجت لتوها من حرب أهلية أو احتلال أجنبي أو انهيار أمني شامل.

ولهذا فإن العلوم السياسية تميز بين **الدولة القانونية المكتملة** و**الدولة الهشة**.

ففي الأولى تحتكر الحكومة استخدام القوة بصورة طبيعية لأن المؤسسات تعمل بكفاءة وتحظى بثقة المجتمع.

أما الثانية فتواجه غالباً تحديات معقدة، مثل:

* ضعف الجيش.

* الانقسام المجتمعي.

* التدخلات الخارجية.

* الإرهاب.

* انهيار الاقتصاد.

* فقدان الثقة بين الدولة والمجتمع.

وفي مثل هذه البيئات قد تنشأ تشكيلات مسلحة بوصفها نتيجة لأزمة الدولة، لا سبباً لها.

ومن هنا يؤكد كثير من الباحثين في دراسات الأمن أن السؤال الحقيقي ليس:

هل يجب أن تحتكر الدولة السلاح؟

بل: متى تصبح الدولة قادرة فعلاً على احتكار السلاح؟

فالقدرة تسبق الاحتكار، والثقة تسبق التجريد، وبناء المؤسسات يسبق مطالبة المجتمع بالتخلي عن وسائل الدفاع التي لجأ إليها خلال مراحل الانهيار الأمني والفشل الحكومي والتهديد الخارجي .

ولهذا لم تنجح معظم تجارب نزع السلاح في العالم إلا بعد تحقق ثلاثة شروط رئيسة:

1. وجود جيش وطني قوي يحظى بثقة جميع المواطنين.

2. وجود مؤسسات سياسية وقضائية مستقلة وعادلة.

3. زوال الأخطار الخارجية والداخلية التي أدت أصلاً إلى ظهور الجماعات المسلحة.

وبغياب هذه الشروط، يتحول نزع السلاح إلى عملية شديدة الحساسية، وقد يثير مخاوف بعض الفئات والمكونات التي تعتقد أن الدولة لا تزال عاجزة عن حمايتها أو حماية حدودها، وهو ما يفسر استمرار الجدل في عدد من الدول الخارجة من النزاعات المسلحة.

# الفصل الثاني : العراق ولبنان: لماذا نشأت حركات المقاومة والتشكيلات المسلحة؟

لفهم الجدل الدائر اليوم حول السلاح في العراق ولبنان، لا بد من العودة إلى الظروف التاريخية التي أفرزت هذه الظاهرة، لأن أي تحليل يتجاهل السياق التاريخي يظل تحليلاً ناقصاً.

فالتشكيلات المسلحة في البلدين لم تنشأ في ظل أوضاع طبيعية، ولم تظهر في بيئة مستقرة تمتلك فيها الدولة مؤسسات أمنية راسخة، وإنما ولدت في ظروف استثنائية فرضتها الحروب والاحتلالات والانهيارات الأمنية.

# أولاً: الحالة اللبنانية

يرتبط ظهور المقاومة المسلحة في لبنان ارتباطاً وثيقاً بالصراع العربي الإسرائيلي.

فمنذ الاجتياحات الإسرائيلية المتكررة للأراضي اللبنانية، ولا سيما اجتياح عام 1982، تعرض جنوب لبنان لاحتلال طويل، رافقته مواجهات عسكرية ونزوح واسع للسكان.

وفي ظل محدودية قدرة الدولة اللبنانية آنذاك على استعادة الأراضي المحتلة أو حماية القرى الحدودية، ظهرت تنظيمات مقاومة تبنت خيار الكفاح المسلح ضد الاحتلال، واستطاعت مع مرور الوقت أن تتحول إلى لاعب أساسي في معادلة الأمن اللبناني.

وقد انسحبت إسرائيل من معظم جنوب لبنان سنة 2000، إلا أن استمرار النزاع حول بعض المناطق الحدودية، وتكرار المواجهات العسكرية، ولا سيما حرب تموز 2006، أبقى ملف السلاح حاضراً في الحياة السياسية اللبنانية.

ومنذ ذلك الحين انقسم اللبنانيون بين اتجاه يرى أن استمرار السلاح يمثل ضرورة ردعية في مواجهة إسرائيل وحماية الشيعة من التكفيريين والارهابيين ، واتجاه آخر يرى أن بقاء أي قوة مسلحة خارج المؤسسة العسكرية يعرقل بناء الدولة ويؤدي إلى ازدواجية القرار العسكري.

ومن ثم أصبح السلاح في لبنان قضية تتجاوز بعدها العسكري، لتغدو جزءاً من التوازنات الداخلية والإقليمية والدولية.

# ثانياً: الحالة العراقية

أما العراق، فقد شهد بعد عام 2003 انهياراً شبه كامل لمنظومة الدولة نتيجة حل الجيش والمؤسسات الأمنية، وما تبع ذلك من فراغ أمني واسع، وانتشار الجماعات المسلحة والمجاميع الطائفية والفصائل الاجنبية التكفيرية والاجرامية ، وتصاعد أعمال العنف الطائفي، وظهور تنظيمات إرهابية استهدفت المدنيين والمؤسسات العامة.

ثم بلغت الأزمة ذروتها في صيف عام 2014 عندما تمكن تنظيم داعش من السيطرة على مساحات واسعة من شمال وغرب العراق، وانهارت قطعات عسكرية في بعض المناطق، الأمر الذي شكل تهديداً وجودياً للدولة العراقية والتجربة الديمقراطية .

وفي تلك الظروف شاركت القوات المسلحة العراقية، ومعها متطوعون وتشكيلات مسلحة مختلفة، في عمليات الدفاع عن المدن واستعادة الأراضي، ثم صدر تشريع ينظم وضع بعض هذه التشكيلات والحشد الشعبي ضمن إطار قانوني داخل المنظومة الأمنية للدولة.

ومنذ انتهاء العمليات العسكرية الكبرى ضد تنظيم داعش، انتقل الجدل من مرحلة الضرورة الأمنية إلى مرحلة مستقبل هذه التشكيلات، وكيفية تنظيمها، ودورها، وعلاقتها بالمؤسسات الرسمية.

وهكذا، فإن الجدل القائم اليوم لا يتعلق فقط بشرعية وجود السلاح، بل أيضاً بالسؤال الأوسع: كيف يمكن الانتقال من مرحلة الاستثناء التي فرضتها الحرب إلى مرحلة الدولة المستقرة التي تحتكر استخدام القوة، مع مراعاة الواقع الأمني والتوازنات السياسية والاجتماعية التي تشكلت خلال سنوات الصراع؟

# الفصل الثالث:  الحجج المؤيدة لحصر السلاح بيد الدولة

ينطلق المطالبون بحصر السلاح بيد الدولة من قاعدة دستورية وسياسية تكاد تحظى بإجماع في الفكر السياسي المعاصر، وهي أن الدولة لا تستطيع ممارسة سيادتها الكاملة ما لم تكن المؤسسة العسكرية الرسمية هي الجهة الوحيدة المخولة باستخدام القوة المسلحة… ؛  ويرون أن استمرار أي تشكيلات مسلحة موازية، مهما كانت دوافع نشأتها أو تضحياتها، يمثل وضعاً استثنائياً ينبغي أن ينتهي عندما تستعيد الدولة قدرتها على أداء وظائفها الأساسية.

وتستند هذه الرؤية إلى جملة من الاعتبارات.

أولاً: وحدة القرار العسكري

إن تعدد الجهات المسلحة قد يؤدي إلى تضارب في القرار الأمني والعسكري، ويجعل الدولة عاجزة عن رسم سياسة دفاعية موحدة، خصوصاً في الأزمات الكبرى التي تتطلب وجود قيادة واحدة تتحمل المسؤولية الدستورية أمام الشعب.

فالجيوش الحديثة لا تقوم على تعدد مراكز القيادة، بل على وحدة القيادة والتخطيط والتمويل والعقيدة العسكرية، لأن ذلك يحقق الانضباط والكفاءة ويمنع تضارب الأوامر والولاءات.

ثانياً: ترسيخ سيادة القانون

يرى أنصار هذا الاتجاه أن وجود أي قوة مسلحة خارج التسلسل العسكري الرسمي، حتى لو كانت تعمل بالتنسيق مع الدولة، قد يخلق إشكالات قانونية تتعلق بالمساءلة والاختصاصات، ويؤثر في مبدأ المساواة أمام القانون.

ومن ثم فإن حصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية يعد خطوة ضرورية لترسيخ دولة القانون والمؤسسات.

ثالثاً: تعزيز هيبة الدولة

يرتبط مفهوم السيادة في العلوم السياسية بقدرة الدولة على فرض قراراتها داخل حدودها، ولذلك فإن احتكار القوة المسلحة يمثل أحد أبرز مظاهر هيبة الدولة داخلياً وخارجياً.

كما أن المجتمع الدولي يتعامل عادة مع الحكومات بوصفها الممثل الوحيد للدولة، وهو ما يجعل وجود مؤسسات عسكرية رسمية قوية عاملاً مهماً في تعزيز العلاقات الدولية والاستقرار الداخلي.

رابعاً: منع استغلال السلاح في الصراعات السياسية

يشير عدد من الباحثين إلى أن استمرار تعدد القوى المسلحة قد يفتح المجال أمام توظيفها في النزاعات السياسية الداخلية، أو استخدامها كورقة ضغط بين القوى المتنافسة، وهو ما ينعكس سلباً على العملية الديمقراطية، ويزيد من احتمالات الاستقطاب والانقسام.

ولهذا تؤكد معظم برامج إصلاح القطاع الأمني التي اعتمدتها الأمم المتحدة والبنك الدولي على ضرورة توحيد المؤسسات العسكرية والأمنية ضمن إطار الدولة.

خامسا : منع الارتباطات والاجندات الخارجية

إن من أبرز المخاطر التي قد تواجه الحركات والفصائل المسلحة، إذا طال أمد وجودها خارج الإطار المؤسسي للدولة، أن تتحول تدريجياً إلى كيانات ذات أجندات مستقلة، ولا سيما عندما تعتمد في بقائها على الدعم الخارجي، أو ترتبط بروابط أيديولوجية أو سياسية أو مالية مع قوى إقليمية أو دولية… ؛  ففي مثل هذه الحالات قد تتقدم أولويات تلك القوى على مقتضيات المصلحة الوطنية، مما يؤدي إلى تباين في الرؤى بين هذه التشكيلات والحكومة الشرعية، وربما إلى تعارض في السياسات والقرارات، وهو ما يضعف وحدة القرار الوطني ويحد من قدرة الدولة على رسم سياساتها الداخلية والخارجية بصورة مستقلة.

نعم ؛ اذ تبين خبرات العديد من الدول أن استمرار أي تشكيل مسلح خارج منظومة الدولة لفترات طويلة قد يؤدي إلى نشوء بنية سياسية واقتصادية وأمنية خاصة به، فتتكون له شبكات تمويل، ومصالح مؤسسية، وعلاقات خارجية، وعقيدة سياسية قد لا تتطابق دائماً مع أولويات الدولة الوطنية… ؛  وعندما يكون هذا التشكيل معتمداً في تمويله أو تسليحه أو شرعيته السياسية على أطراف خارجية، تزداد احتمالات تأثر قراراته باعتبارات تلك الأطراف، الأمر الذي قد يفضي إلى ازدواجية في القرار السيادي، أو إلى تضارب بين مقتضيات الأمن الوطني ومتطلبات التحالفات الخارجية… ؛  ولذلك تؤكد أدبيات بناء الدولة أن احتكار السلطة الشرعية لاستخدام القوة لا يهدف فقط إلى تنظيم العمل العسكري، بل أيضاً إلى ضمان أن يبقى قرار الحرب والسلم والسياسة الدفاعية والخارجية بيد المؤسسات الدستورية المنتخبة وحدها، باعتبارها الجهة المخولة بتمثيل الإرادة الوطنية.

وهذه الفكرة لا تقتصر على العراق أو لبنان، بل تُناقش في أدبيات بناء الدولة بوصفها ظاهرة عامة يمكن أن تنطبق على أي دولة توجد فيها جماعات مسلحة مستقلة، سواء كانت ذات توجهات دينية أو قومية أو أيديولوجية أو إثنية، إذا أصبحت ولاءاتها أو مصادر دعمها الخارجية تؤثر في استقلال قرارها.

# الفصل الرابع:  الحجج الرافضة لنزع السلاح قبل اكتمال بناء الدولة

في المقابل، يرى فريق آخر أن التعامل مع قضية السلاح بمعزل عن البيئة الأمنية والسياسية المحيطة يؤدي إلى قراءة ناقصة للواقع، لأن السؤال لا يتعلق فقط بمن يحمل السلاح، بل أيضاً بقدرة الدولة على توفير الحماية الفعلية لمواطنيها وصيانة سيادتها.

ويؤكد أصحاب هذا الرأي أن كثيراً من التشكيلات المسلحة لم تنشأ ابتداءً لمنافسة الدولة، وإنما ظهرت في ظروف استثنائية اتسمت بغياب مؤسسات الدولة أو ضعفها، أو نتيجة تعرض البلاد لاحتلال خارجي أو تهديدات إرهابية واسعة النطاق.

أولاً: ضعف الدولة عند نشأة التشكيلات المسلحة

في العديد من التجارب الدولية، كان ظهور التشكيلات المسلحة نتيجة مباشرة لغياب الدولة، وليس سبباً لغيابها.

ففي العراق، جاء انهيار المؤسسة العسكرية بعد عام 2003، ثم تصاعد الإرهاب، وأخيراً اجتياح تنظيم داعش، في وقت كانت فيه مؤسسات الدولة تعاني من ضعف واضح، الأمر الذي دفع آلاف المتطوعين إلى الانخراط في القتال إلى جانب القوات المسلحة.

وفي لبنان، ارتبط استمرار الجدل حول السلاح باستمرار النزاع مع إسرائيل، وباعتقاد شريحة من اللبنانيين أن البيئة الأمنية لم تصل بعد إلى مرحلة تسمح بالاعتماد الكامل على مؤسسات الدولة وحدها في الردع والدفاع.

ثانياً: البيئة الإقليمية غير المستقرة

يرى هذا الاتجاه أن العراق ولبنان لا يقعان في بيئة مستقرة تشبه الدول الأوروبية التي انتهت فيها النزاعات المسلحة منذ عقود، بل يقعان في واحدة من أكثر مناطق العالم اضطراباً.

فالمنطقة لا تزال تشهد نزاعات مسلحة، ووجود جماعات متطرفة , وصراعات طائفية وتكفيرية وعنصرية وقومية ، وتنافساً إقليمياً حاداً، وتدخلاً مستمراً من قوى دولية وإقليمية.

ومن ثم فإن أي مشروع لنزع السلاح ينبغي أن يأخذ هذه البيئة بعين الاعتبار، وألا يفترض وجود ظروف أمنية مثالية غير متحققة.

ثالثاً: هواجس بعض المكونات الاجتماعية

من أكثر النقاط حساسية في هذا الملف وجود مخاوف لدى بعض الفئات الاجتماعية من أن يؤدي نزع السلاح قبل اكتمال بناء الدولة إلى شعورها بانخفاض مستوى الحماية، ولا سيما في المجتمعات التي عانت سابقاً من الإرهاب أو الاقتتال الطائفي أو النزاعات المسلحة.

وهذه الهواجس، سواء اتُّفق معها أم اختلف، تُعد عاملاً سياسياً واجتماعياً ينبغي أخذه بالحسبان عند تصميم أي سياسة عامة، لأن نجاح برامج نزع السلاح يعتمد بدرجة كبيرة على بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، وليس على الإجراءات القانونية وحدها.

رابعاً: دروس التجارب الدولية

تكشف خبرات عدد من الدول الخارجة من النزاعات أن نزع السلاح كان في الغالب المرحلة الأخيرة، لا الأولى.

فقد سبقه عادةً:

* اتفاق سياسي شامل.

* إصلاح مؤسسات الدولة.

* بناء جيش مهني يحظى بثقة المجتمع.

* توفير ضمانات دستورية وقانونية لجميع الأطراف.

* برامج لإعادة الدمج والتأهيل.

ولهذا يرى كثير من المختصين أن الانتقال من مرحلة السلاح إلى مرحلة الدولة ينبغي أن يكون انتقالاً تدريجياً ومدروساً، وليس قراراً آنياً قد يؤدي إلى نتائج عكسية.

# الفصل الخامس:  المخاطر المحتملة بين نزع السلاح واستمرار تعدد القوى المسلحة

تكمن صعوبة هذا الملف في أن كلا الخيارين ينطوي على تحديات حقيقية.

فالإبقاء على تعدد القوى المسلحة لفترات طويلة قد يعرقل بناء المؤسسات، ويؤدي إلى ازدواجية في القرار الأمني، ويزيد من فرص الاستقطاب السياسي، ويجعل الدولة أقل قدرة على فرض سيادتها بصورة كاملة.

وفي المقابل، فإن نزع السلاح بصورة متسرعة، ومن دون اكتمال شروط الاستقرار وبناء الثقة، قد يثير مخاوف أمنية لدى بعض الفئات والمكونات ، أو يخلق فراغاً أمنياً إذا لم تكن المؤسسات الرسمية مستعدة لتولي جميع المهام بكفاءة.

ومن هنا، فإن جوهر المشكلة لا يكمن في الاختيار بين شعارين متقابلين، وإنما في كيفية الانتقال من واقع استثنائي فرضته الحروب والتهديدات إلى وضع طبيعي تحتكر فيه الدولة استخدام القوة، مع المحافظة في الوقت نفسه على الاستقرار الداخلي، ومنع عودة العنف، وتعزيز ثقة جميع المواطنين بمؤسسات الدولة.

وهذا ما يجعل قضية السلاح في العراق ولبنان من أعقد ملفات بناء الدولة في الشرق الأوسط، لأنها تتقاطع فيها الاعتبارات الدستورية والأمنية والسياسية والاجتماعية والإقليمية، ولا يمكن معالجتها بمعزل عن أيٍّ من هذه الأبعاد.

# الفصل السادس:  نحو مقاربة وطنية متوازنة: شروط الانتقال إلى احتكار الدولة للسلاح

تكشف التجارب التاريخية أن معالجة ملف السلاح لا تنجح إذا اختُزلت في إصدار القوانين أو إطلاق الشعارات، بل تتطلب مشروعاً وطنياً متكاملاً يعالج الأسباب التي أدت إلى ظهور التشكيلات المسلحة، ويؤسس في الوقت نفسه لدولة قادرة على ممارسة وظائفها الأمنية والدستورية بكفاءة وعدالة.

ومن هنا، فإن الانتقال إلى مرحلة تحتكر فيها الدولة استخدام القوة لا ينبغي أن يكون عملية قسرية أو آنية، بل مساراً تدريجياً يقوم على بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، وإزالة العوامل التي أفرزت الحاجة إلى السلاح خارج المؤسسات الرسمية.

 أولاً: بناء مؤسسة عسكرية وطنية جامعة

إن الجيش الوطني هو العمود الفقري للدولة، ولا يمكن لأي مشروع لإعادة تنظيم السلاح أن ينجح ما لم يكن الجيش مؤسسة مهنية تتمتع بالكفاءة والاستقلالية، وتعكس التنوع الوطني، وتحظى بثقة المواطنين جميعاً.

ولا يقاس نجاح الجيوش بعدد أفرادها أو حجم تسليحها فحسب، بل بقدرتها على الدفاع عن الحدود، وحماية النظام الدستوري، والالتزام بالحياد السياسي، والخضوع للقيادة المدنية المنتخبة.

ثانياً: إصلاح المنظومة الأمنية والقضائية

إن احتكار الدولة للسلاح يفترض وجود أجهزة أمنية محترفة وقضاء مستقل قادر على تطبيق القانون بعدالة وشفافية، لأن الأمن لا يتحقق بالقوة العسكرية وحدها، بل بمنظومة قانونية تضمن الحقوق والحريات وتمنع الإفلات من العقاب.

كما أن ضعف القضاء أو تسييس المؤسسات الأمنية يؤدي إلى تآكل ثقة المواطنين بالدولة، وهو ما قد يدفع بعض الفئات إلى البحث عن وسائل حماية بديلة.

 ثالثاً: معالجة البيئة الأمنية الإقليمية

لا يمكن عزل العراق ولبنان عن محيطهما الإقليمي، فهما يقعان في منطقة ما تزال تعاني من نزاعات مسلحة، وتنافسات جيوسياسية، وتدخلات خارجية، الأمر الذي يجعل الأمن الداخلي مرتبطاً بدرجة كبيرة بالأوضاع الإقليمية.

ولذلك فإن نجاح أي مشروع لإعادة تنظيم السلاح يرتبط أيضاً بوجود بيئة إقليمية أكثر استقراراً، واحترام متبادل لسيادة الدول، والحد من التدخلات الخارجية التي تؤثر في القرار الوطني.

رابعاً: ترسيخ مبدأ المواطنة المتساوية

تؤكد خبرات الدول الخارجة من النزاعات أن الأمن المستدام لا يتحقق بالسلاح وحده، بل يتحقق عندما يشعر المواطن بأن الدولة تمثله وتحميه بصرف النظر عن انتمائه الديني أو المذهبي أو القومي.

فكلما تعززت المواطنة المتساوية، وانخفض الشعور بالتهميش أو الإقصاء، تراجعت الدوافع الاجتماعية والسياسية التي تدفع بعض الجماعات إلى التمسك بالسلاح بوصفه وسيلة للحماية الذاتية.

 خامساً: الحوار الوطني بدلاً من منطق الغلبة

إن القضايا المرتبطة بالأمن الوطني لا تُحل عادة بمنطق المنتصر والمهزوم، وإنما بالحوار والتوافق، لأن أي تسوية تفتقر إلى الرضا المجتمعي تكون عرضة للاهتزاز عند أول أزمة.

ولهذا فإن الحوار الوطني، الذي تشارك فيه مؤسسات الدولة والقوى السياسية وممثلو مختلف المكونات، يمثل الإطار الأنسب للتوصل إلى حلول تراعي مقتضيات السيادة من جهة، والهواجس الأمنية المشروعة لمختلف الفئات من جهة أخرى.

# الفصل السابع :  دروس من التجارب الدولية

تشير تجارب العديد من الدول إلى أن برامج نزع السلاح وإعادة الدمج  وإصلاح القطاع الأمني حققت نجاحات متفاوتة، لكنها اشتركت جميعاً في حقيقة أساسية، وهي أن نجاحها لم يكن نتيجة إجراءات أمنية مجردة، بل ثمرة تسويات سياسية شاملة.

ففي **أيرلندا الشمالية**، لم يأتِ تفكيك الترسانة العسكرية لبعض التنظيمات إلا بعد **اتفاق الجمعة العظيمة (1998)**، الذي وفر ضمانات دستورية وسياسية وأسساً لتقاسم السلطة.

وفي **كولومبيا**، استغرقت المفاوضات مع القوات المسلحة الثورية (فارك) سنوات طويلة، وترافقت مع برامج لإعادة دمج المقاتلين، وإصلاحات قانونية، وضمانات اجتماعية، قبل الوصول إلى اتفاق سلام شامل.

أما في **جنوب أفريقيا**، فقد ارتبط دمج الأجنحة العسكرية المختلفة بعملية انتقال سياسي أنهت نظام الفصل العنصري، وأسست لدولة جديدة قائمة على المساواة الدستورية.

وتبرز هذه التجارب حقيقة مهمة، وهي أن نجاح الانتقال إلى احتكار الدولة للسلاح كان دائماً نتيجة لتوافر ثلاثة عناصر متلازمة:

1. تسوية سياسية تحظى بقبول واسع.

2. مؤسسات أمنية قوية ومهنية.

3. ثقة متبادلة بين الدولة والمجتمع.

ومن دون هذه العناصر، تصبح عملية نزع السلاح أكثر عرضة للفشل أو الانتكاس.

# الفصل الثامن : بين المثال النظري والواقع العملي

من الناحية النظرية، لا يختلف اثنان على أن الدولة الحديثة ينبغي أن تكون صاحبة الحق الحصري في استخدام القوة المسلحة، وأن هذا الاحتكار يمثل ركناً أساسياً من أركان السيادة وسيادة القانون.

لكن الواقع العملي يكشف أن الانتقال إلى هذا النموذج ليس متساوياً بين جميع الدول، بل يتأثر بظروف كل مجتمع، وتاريخه، ومستوى استقرار مؤسساته، وطبيعة التهديدات التي يواجهها.

فالعراق ولبنان يختلفان عن كثير من الدول المستقرة بسبب الإرث الطويل من الحروب والاحتلالات، وتعقيدات البنية السياسية، والتدخلات الإقليمية والدولية، وهي عوامل تجعل معالجة ملف السلاح أكثر تعقيداً من مجرد إصدار قرار إداري أو قانوني.

ومن ثم فإن أي مقاربة واقعية ينبغي أن تنطلق من مبدأين متكاملين لا متعارضين:

* أن بناء الدولة القوية هدف لا غنى عنه ولا بديل منه.

* وأن الوصول إلى هذا الهدف ينبغي أن يتم عبر مسار تدريجي يراعي الواقع الأمني والسياسي، ويجنب البلاد مخاطر الفراغ أو الانقسام.

إن التحدي الحقيقي لا يكمن في الاختيار بين الدولة والمقاومة، أو بين الأمن والسيادة، وإنما في إيجاد صيغة دستورية ومؤسسية تجعل حماية الوطن مسؤولية الدولة وحدها، بعد أن تصبح هذه الدولة قادرة فعلاً على الاضطلاع بهذه المهمة بكفاءة وثقة وشرعية.

وفي هذا السياق، فإن التجارب المقارنة تؤكد أن نجاح أي مشروع لإعادة تنظيم السلاح لا يقاس بسرعة تنفيذه، وإنما بقدرته على تحقيق ثلاثة أهداف متلازمة: تعزيز سيادة الدولة، وصيانة الأمن الوطني، والحفاظ على السلم الأهلي. وبغير هذا التوازن، قد يتحول الحل المنشود إلى مصدر جديد للتوتر بدلاً من أن يكون مدخلاً للاستقرار الدائم.

# الفصل التاسع:  استنتاجات الدراسة

بعد استعراض الجوانب الفلسفية والقانونية والتاريخية والسياسية والأمنية المتعلقة بملف السلاح في العراق ولبنان، يمكن استخلاص مجموعة من النتائج الرئيسة التي تفسر تعقيد هذه القضية، وتوضح أسباب استمرار الجدل حولها.

 أولاً: لا خلاف على مبدأ الدولة

تؤكد الأدبيات السياسية والقانونية، كما تؤكد التجارب التاريخية، أن احتكار الدولة لاستخدام القوة يمثل ركناً أساسياً من أركان السيادة، وأن الدولة الحديثة لا تستقر إلا إذا أصبحت المؤسسة العسكرية والأمنية الرسمية المرجع الوحيد في استخدام القوة المسلحة… ؛  ومن ثم فإن مبدأ حصر السلاح بيد الدولة يبقى هدفاً مشروعاً وغاية وطنية لا يختلف عليها العقلاء، وإنما يدور الخلاف حول توقيت تطبيقه وآلياته والضمانات التي ينبغي أن ترافقه.

 ثانياً: السلاح كان نتيجة لأزمة الدولة لا سبباً لها

تكشف التجربتان العراقية واللبنانية أن معظم التشكيلات المسلحة لم تنشأ في ظل دولة مستقرة، وإنما جاءت في سياق انهيار مؤسسات الدولة أو ضعفها، أو في ظل الاحتلال الخارجي أو تمدد التنظيمات الإرهابية… ؛  ولذلك فإن دراسة هذه الظاهرة بمعزل عن أسبابها التاريخية تؤدي إلى نتائج غير مكتملة، لأن معالجة النتائج دون معالجة الأسباب غالباً ما تعيد إنتاج الأزمة بصورة جديدة.

 ثالثاً: البيئة الإقليمية ما زالت غير مستقرة

إن العراق ولبنان يقعان في واحدة من أكثر مناطق العالم اضطراباً، حيث تستمر النزاعات المسلحة، والتدخلات الإقليمية، والتنافس بين القوى الكبرى، ووجود جماعات مسلحة عابرة للحدود. وفي مثل هذه البيئة، يصبح الأمن الوطني مرتبطاً بعوامل تتجاوز حدود الدولة، الأمر الذي يفرض على صناع القرار مراعاة الاعتبارات الجيوسياسية إلى جانب الاعتبارات الدستورية.

رابعاً: بناء الثقة شرط لنجاح أي تسوية

تؤكد الخبرات المقارنة أن برامج نزع السلاح لا تنجح بالقوة المجردة أو بالقرارات الإدارية وحدها، بل تعتمد على وجود ثقة متبادلة بين الدولة والمجتمع، وشعور جميع المواطنين بأن مؤسسات الدولة تمثلهم وتحميهم على قدم المساواة، وأن القانون يطبق على الجميع دون انتقائية أو تمييز.

خامساً: الأمن والسيادة متكاملان لا متعارضان

يُخطئ من يتصور أن الأمن الوطني يتحقق بالسلاح وحده، كما يُخطئ من يعتقد أن نزع السلاح وحده كافٍ لبناء الدولة. فالأمن والسيادة متلازمان؛ إذ لا سيادة بلا مؤسسات قوية، ولا مؤسسات قوية إذا عجزت عن حماية الوطن والمواطنين.

# التوصيات

استناداً إلى ما تقدم، يمكن اقتراح جملة من التوصيات التي قد تسهم في معالجة هذا الملف ضمن رؤية وطنية متوازنة:

1. **اعتماد استراتيجية وطنية شاملة لإصلاح القطاع الأمني**، تشمل تطوير الجيش، والأجهزة الأمنية، والاستخبارات، بما يضمن رفع كفاءتها وتعزيز ثقة المواطنين بها.

2. **ترسيخ مبدأ المواطنة وسيادة القانون**، وتجريم جميع أشكال التمييز الطائفي أو العرقي أو السياسي، لأن الشعور بالمساواة هو الضامن الحقيقي للاستقرار.

3. **تعزيز الرقابة الدستورية والبرلمانية على المؤسسات العسكرية والأمنية**، بما يضمن خضوعها للقانون ويحفظ مهنيتها.

4. **اعتماد الحوار الوطني الشامل** بوصفه الآلية الرئيسة لمعالجة القضايا الخلافية، بعيداً عن منطق الغلبة أو الإقصاء.

5. **الاستفادة من التجارب الدولية** في برامج دمج المقاتلين وإعادة هيكلة المؤسسات الأمنية، مع مراعاة خصوصية العراق ولبنان وعدم إسقاط نماذج خارجية بصورة ميكانيكية.

6. **تحييد البلدين عن صراعات المحاور الإقليمية قدر الإمكان**، لأن استمرار الاستقطاب الخارجي ينعكس مباشرة على استقرار الداخل ويعقّد أي تسوية وطنية.

7. **ربط أي انتقال نحو الاحتكار الكامل للسلاح بقدرة الدولة الفعلية على حماية الحدود والمواطنين**، وبوجود ضمانات دستورية وقانونية واضحة، حتى لا يتحول الانتقال إلى مصدر لفراغ أمني أو اضطراب سياسي.

# الخاتمة

إن قضية السلاح في العراق ولبنان ليست مجرد مسألة أمنية أو عسكرية، بل هي انعكاس لتاريخ طويل من الاحتلالات، والحروب، والانقسامات الداخلية، والتدخلات الإقليمية والدولية، وضعف مؤسسات الدولة في مراحل مفصلية من تاريخ البلدين. ولذلك فإن اختزال هذا الملف في شعارات من قبيل “حصر السلاح بيد الدولة” أو “الإبقاء على السلاح” لا يفي بحجم التعقيد الذي ينطوي عليه، ولا يساعد على إنتاج حلول مستدامة.

وتخلص هذه الدراسة إلى أن بناء الدولة القوية يظل الخيار الإستراتيجي الذي ينبغي أن تتجه إليه جميع القوى الوطنية، لأن الدولة وحدها هي الإطار الدستوري القادر على حماية السيادة، وضمان الحقوق، وتحقيق التنمية، وصيانة وحدة المجتمع. غير أن الوصول إلى هذه الغاية لا يتحقق بالإرادة السياسية وحدها، ولا بفرض وقائع جديدة بصورة أحادية، وإنما عبر مسار تدريجي يجمع بين إصلاح المؤسسات، وتعزيز الثقة المجتمعية، ومعالجة أسباب النزاع، وتوفير الضمانات الأمنية لجميع المواطنين.

كما تُظهر التجارب المقارنة أن الدول التي نجحت في الانتقال من مرحلة الصراع إلى مرحلة الاستقرار لم تحقق ذلك عبر نزع السلاح بوصفه خطوة أولى، وإنما عبر تسويات سياسية شاملة، وإصلاحات دستورية، وبناء مؤسسات مهنية، وترسيخ ثقافة المواطنة وسيادة القانون. ومن ثم فإن أي معالجة ناجحة في العراق أو لبنان ينبغي أن تستلهم هذه الخبرات، مع مراعاة الخصوصيات التاريخية والسياسية لكل بلد.

وفي المحصلة، فإن استقرار العراق ولبنان لا يتوقف على وجود السلاح أو غيابه بحد ذاته، وإنما على قدرة الدولة على أن تصبح المرجعية الجامعة لجميع مواطنيها، وأن تمتلك من القوة والشرعية والعدالة ما يجعل الاحتكام إليها خياراً طبيعياً لا مفروضاً، ويجعل احتكارها لاستخدام القوة نتيجةً لاكتمال بناء الدولة، لا بديلاً عن هذا البناء.

وبذلك، فإن الطريق إلى الدولة القوية لا يبدأ بإلغاء آثار الأزمات، بل يبدأ بإزالة أسبابها، وإعادة بناء العقد الاجتماعي على أساس المواطنة المتساوية، وسيادة القانون، والعدالة، والاستقلال الوطني، حتى يصبح الأمن مسؤولية الدولة وحدها، والثقة بها قناعةً راسخة لدى جميع مكونات المجتمع.