جديد

عْاشُورْاءُالسَّنَةُ الثَّالِثةَ عشَرَة(٢١)[إِنتفاضةُ صفَر…تمرُّدٌ حُسَينيٌّ][أ]

نزار حيدر

متى يحقُّ للإِنسانِ الفَرد والإِنسان المُجتمع أَن يتمرَّدَ على القانُون؟! وهل أَنَّ للتمرُّدِ شروطٌ وأَدواتٌ؟! وما هيَ؟! وكيفَ؟!.
قبلَ أَن نخوضَ في الإِجابةِ دعوني أُحدِّثكم عن حقيقةٍ في غايةِ الأَهميَّةِ تتعلَّقُ بانتفاضةِ صفرٍ المُظفَّر عام ١٩٧٧ والتي شهدَها العراق ضدَّ القراراتِ الجائرةِ والظَّالمةِ التي اتَّخذها نظامُ الطَّاغية الذَّليل صدَّام حسين ضدَّ شعيرةَ السَّيرِ على الأَقدامِ لزيارةِ الحُسين السِّبط (ع) في كربلاء المُقدَّسة في ذكرى الأَربعين من كُلِّ عامٍ لتجديدِ البَيعةِ للإِمامِ وأَهداف عاشوراء وشِعارات كربلاء ومنهَج الشُّهداء الأَبرار من أَهلِ البيتِ (ع) والأَصحابِ الغُرِّ المَيامين.
والحقيقةُ هيَ؛ أَنَّ الإِنتفاضةَ تمرُّدٌ شعبيٌّ بروحٍ حُسينيَّةٍ على قراراتٍ ظالمةٍ وجائرةٍ، ولذلكَ يُمكنُ القولُ بثقةٍ وبالفمِ المليانِ، كما يُقال، أَنَّ شرعيَّةَ التمرُّدِ ذاتيَّةٌ يستمدُّها من أَهدافهِ ومُنطلقاتهِ وأَدواتهِ ونواياهُ.
١/ فالقانونُ الذي ينتقِصُ من الحريَّات بلا سببٍ وبلا مبرِّرٍ شرعيٍّ أَو منطقيٍّ أَو عقليٍّ يلزَم التمرُّدَ عليهِ، خاصَّةً إِذا انتقصَ من حريَّة التَّعبير أَو حريَّة الإِختيار، وتدخَّلَ في تحديدِ عقائدِ النَّاسِ وفي شعائرهِم.
هذا النَّوع من القَوانين ظلمٌ للعبادِ الذينَ خلقهُم الله تعالى أَحراراً وكرَّمهُم وميَّزهُم عن خلقهِ بحريَّةِ الإِختيارِ وحريَّةِ التَّعبيرِ، ويريدُ الإِنسانُ [المُستبد] أَن يلسبَ منهُم هذا الحقِّ بشتَّى الطُّرقِ والأَعذارِ ليتحكَّمَ بهِم ويفرُضَ نهجهُ وقوانينهُ الإِنتقائيَّةَ على المُجتمعِ!.
يقُولُ تعالى {الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ۚ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ} و {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا} و {أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ* وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ* وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ} و {فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ* لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ}.
الخَيارُ، إِذن، بيدِ الإِنسانِ بما منحهُ الله تعالى من حريَّةٍ في الإِختيارِ وحريَّةٍ في التَّعبيرِ.
أَمَّا الظَّالمُ الذي يريدُ أَن يُصادِرَ هذهِ الحريَّة بالقوانينِ الظَّالمةِ فقَولهُ كما يذكرُ ذلكَ القُرآن الكريم {يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ اللَّهِ إِن جَاءَنَا ۚ قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ} و {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُم مِّنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا ۖ فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ}.
الظَّالِمُ، إِذن، يُحدِّدُ خَيارات النَّاس من خلالِ السَّيطرةِ على عقُولهِم بعمليَّةِ غسيلِ دماغٍ مُحكمةٍ تصطادُ المُغفَّلينَ وذوي العقُولِ التَّافهةِ!.
أَمَّا في ظلِّ سُلطةِ الحقِّ فلا مجالَ للإِنتقاصِ من حريَّةِ النَّاسِ قَيدَ أَنمُلةٍ ولذلكَ يقُولُ أَميرُ المُؤمنِينَ (ع) والذي يُمثِّلُ سُلطةَ الحقِّ والحاكِم العادِل {واللَّه لأَنْ أَبِيتَ عَلَى حَسَكِ السَّعْدَانِ مُسَهَّداً أَوْ أُجَرَّ فِي الأَغْلَالِ مُصَفَّداً أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَلْقَى اللَّه ورَسُولَه يَوْمَ الْقِيَامَةِ ظَالِماً لِبَعْضِ الْعِبَادِ وغَاصِباً لِشَيْءٍ مِنَ الْحُطَامِ وكَيْفَ أَظْلِمُ أَحَداً لِنَفْسٍ يُسْرِعُ إِلَى الْبِلَى قُفُولُهَا ويَطُولُ فِي الثَّرَى حُلُولُهَا؟!}.
وهل هُناكَ ظُلمٌ أَشدُّ وأَقسى وأَقبحُ من مُصادرةِ حريَّةِ الإِختيارِ وحريَّةِ التَّعبيرِ؟!.
ولذلكَ أَوصى (ع) مالِكَ الأَشترِ عندما ولَّاهُ مِصرَ بأَن يمنعَ أَسبابَ الخَوفِ عن النَّاسِ والتي تحُولُ دونَ تعبيرهِم عن أَنفسهِم بكاملِ الحريَّةِ.
كتبَ (ع) في عهدهِ لهُ {واجْعَلْ لِذَوِي الْحَاجَاتِ مِنْكَ قِسْماً تُفَرِّغُ لَهُمْ فِيه شَخْصَكَ وتَجْلِسُ لَهُمْ مَجْلِساً عَامّاً فَتَتَوَاضَعُ فِيه لِلَّه الَّذِي خَلَقَكَ وتُقْعِدُ عَنْهُمْ جُنْدَكَ وأَعْوَانَكَ مِنْ أَحْرَاسِكَ وشُرَطِكَ حَتَّى يُكَلِّمَكَ مُتَكَلِّمُهُمْ غَيْرَ مُتَتَعْتِعٍ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّه (ص) يَقُولُ فِي غَيْرِ مَوْطِنٍ (لَنْ تُقَدَّسَ أُمَّةٌ لَا يُؤْخَذُ لِلضَّعِيفِ فِيهَا حَقُّه مِنَ الْقَوِيِّ غَيْرَ مُتَتَعْتِعٍ) ثُمَّ احْتَمِلِ الْخُرْقَ مِنْهُمْ والْعِيَّ ونَحِّ عَنْهُمُ الضِّيقَ والأَنَفَ يَبْسُطِ اللَّه عَلَيْكَ بِذَلِكَ أَكْنَافَ رَحْمَتِه ويُوجِبْ لَكَ ثَوَابَ طَاعَتِه وأَعْطِ مَا أَعْطَيْتَ هَنِيئاً وامْنَعْ فِي إِجْمَالٍ وإِعْذَارٍ!}.
وهي القاعِدةُ القُرآنيَّةُ العظيمةُ التي حمَت فيها السَّماءُ حريَّة الإِختيارِ والتَّعبيرِ للإِنسانِ كإِنسانٍ بغضِّ النَّظر عن خلفيَّاتهِ فالحريَّةُ قيمَةٌ إِنسانيَّةٌ عضَّدها وشرعنَها الدِّينُ وذلكَ من خلالِ خلقِ الأَجواءِ الآمنةِ وقتَ التَّفكيرِ واتِّخاذِ القرارِ.
يقُولُ تعالى {وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْلَمُونَ}.
إِنَّ سلبَ حريَّةَ الرَّأي يعني سلبَ العلمِ من الإِنسانِ لأَنَّهُ {لَا عِلْمَ كَالتَّفَكُّرِ} كما يقُولُ أَميرُ المُؤمنِينَ (ع) فهل تبقى قيمةٌ للإِنسانِ إِذا سلبتَ منهُ العِلمَ عندما تسلُبَ منهُ القُدرةَ على التَّفكيرِ والإِختيارِ؟!.
٢٠٢٦/٨/٤