مشاة الأربعين 1977 والبعث المجرم (ح 6) (وويل لهم مما يكسبون)

د. فاضل حسن شريف

عن العتبة العباسية المقدسة صفر 1977 انتفاضة خالدة ظلمها التاريخ: بداية الأحداث الانتفاضة: بدأت السلطة الحاكمة بسلسلة حملات تضييق الخناق على المواكب الحسينية تدريجياً منذ عام 1969م فكانت ردود فعل الجماهير غاضبة تجاه إجراءات الحكومة، وبفعل إصرار الجماهير استمرت الشعائر الحسينية بالأعوام التالية حتى شهر محرم 1971م و1972 م وبعد منع الحكومة خروج مواكب العزاء، خرجت مسيرات جماهيرية تحمل السلاح الأبيض متحدية به قرار السلطة، فاشتبكت مع عناصر الأمن التي عرقلت مسيرتهم، واعتُقل خلالها العديد من المنتفضين آنذاك. استمرت الأمور على هذه الحال لخمس سنوات، ثمّ ازداد الضغط تدريجياً ضدّ الشيعة ومراسيم العزاء، فكانوا يختلقون عوائق جديدة لعزاء سيّد الشهداء عليه السلام في كل عام، ومع ذلك في العام 1977، كانت المواكب الحسينية والهيئات الرسمية في العراق تحضر التعازي وتشهد ما يجري فيها كل عام، وتتخذ كافة الاحتياطات الأمنية فيها حتى تنتهي هذه المراسيم بسلام، لذلك خرج الأهالي في النجف الأشرف باحتجاجات حاشدة للتنديد بسياسات النظام البعثي الذي كان بقيادة رئيس الجمهورية أحمد حسن البكر وللمطالبة بالحرية والعدالة. شهدت الانتفاضة صفرعام1977م مشاركة واسعة من قبل الشباب والنساء والرجال، وتحوّلت المدينة إلى ساحة للتعبير عن الرفض والاستنكار. قبل اندلاع انتفاضة صفر بيوم واحد فقط وبالتحديد يوم 14 صفر من عام 1397 هـ، أفرغ النظام البعثي ما في جعبته من وقاحة سافرة لمشاعر المسلمين الشيعة من أبناء العراق، حين أعلن محافظ النجف وقتها (جاسم الركابي) في اجتماع وأبلغهم أن قيادة الحزب البعث اصدرت قراراً منعت الشعائر والذهاب إلى كربلاء وخروج المواكب والمسيرات الحسينية بمناسبة أربعين الإمام الحسين عليه السلام كالعادة الجارية في كل عام، وهدّد بضرب كلّ مَن يعارض هذا القرار بعنف وقسوة وذلك في الاجتماع الذي عقده النظام البعثي في قاعة الاجتماعات في النجف الأشرف والذي حضره عدد من أصحاب المواكب والهيئات الحسينية. حينها انتفض أحد أصحاب المواكب الشهيد عباس عجينة في القاعة الاجتماع وقال للمحافظ (نحن سنخرج غدًا للأمام الحسين عليه السلام افعلوا ما شئتم) وانتهى الاجتماع بمعارضة شديدة من أصحاب المواكب. خرجت جماهير غفيرة من مناطق النجف الأشرف الرئيسية وهي الحويش والعمارة والبراق والمشراق وغيرها، انطلقت المسيرة إلى الصحن الحيدريّ الشريف كانت مليئة بالحزن والغضب حاملة معها لافتات ورايات خضراء كُتب عليها (يد الله فوق أيديهم) والتي كان يحملها الشهيد ناجح محمد كريم المشهديّ، وكانت تلك رسالة واضحة موجهة إلى حكومة البعث وهي تجوب شوارع المدينة متوجها إلى مرقد الامام علي عليه السلام وهم يرددون أهازيج لمن يمنع شعائرهم مثل (أهل النجف يا أمجاد راياتكم رفعوها) و (إسلامنا ما ننساه أيسو يا بعثية) ودخلت الجموع إلى مرقد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام بأعداد كبيرة والتي بدأت بهتاف (هذا عزا الشبان حيدر يا علي)، وواصلت الجموع مسيرها وخاضوا صدامات دامية مع القوات الأمن المنتشرة في مناطق النجف القريبة من الصحن الحيدريّ. وبدأت تلتحق بهم الشباب المعزية من جميع أنحاء العراق إلى أن زادت الأعداد وتجمعت القوات الأمنية لغرض منعهم، لكن الأعداد تزاد شيئاً فشيئاً والأمن فقد السيطرة على الجموع التي بدأت تتزايد وتتعالى معها نداءات المنتفضين (صدام كله للبكر تره حسين منعوفه) بمعنى يا صدام حسين قل للبكر أننا لن نترك قضية الإمام الحسين حيث كان المقبور صدام حسين يشغل منصب نائب الرئيس الجمهورية وهو من أصدر قرار المنع المسيرة الأربعينية والشعائر الحسينية بشكل عام.

كان صدام يغدق على أعوانه ورجال أمنه الأموال ليشتروا به ثمنا في هذه الدنيا الزائلة فبئس ما كانوا يكتبون من تقارير على الأبرياء. جاء في تفسير مجمع البيان للشيخ الطبرسي: قوله عز وجل “فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَٰذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۖ فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا يَكْسِبُونَ” (البقرة 79) ثم عاد سبحانه إلى ذكر علماء اليهود فقال “فويل للذين يكتبون الكتاب” (البقرة 79) قال ابن عباس الويل في الآية العذاب وقيل جبل في النار وروى الخدري عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه واد في جهنم يهوي فيه الكافر أربعين خريفا قبل أن يبلغ قعره والأصل فيه ما ذكرناه من أنه كلمة التحسر والتفجع والتلهف والتوجع يقولها كل مكروب هالك وفي التنزيل يا ويلتنا ما لهذا الكتاب وقوله “للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله” (البقرة 79) معناه يتولون كتابته ثم يضيفونه إلى الله سبحانه كقوله سبحانه “مما علمت أيدينا” أي نحن تولينا ذلك لم نكله إلى أحد من عبادنا ومثله خلقت بيدي ويقال رأيته بعيني وسمعته بإذني ولقيته بنفسي والمعنى في جميع ذلك التأكيد وأيضا فقد يضيف الإنسان الكتاب إلى نفسه وقد أمر غيره بالكتابة عنه فيقول أنا كتبت إلى فلان وهذا كتابي إلى فلان وكقوله سبحانه “يذبح أبناءهم” وإنما أمر به فأعلمنا الله سبحانه أنهم يكتبونه بأيديهم ويقولون هومن عند الله وقد علموا يقينا أنه ليس من عنده وقيل معناه أنهم فعلوا ذلك من تلقاء أنفسهم كالرجل إذا اخترع مذهبا أو قولا لم يسبق إليه يقال له هذا مذهبك وهذا قولك وأن كان جميع ما يؤخذ عنه من الأقوال قوله والمراد أن هذا من تلقاء نفسك وأنك لم تسبق إليه وقيل كتابتهم بأيديهم أنهم عمدوا إلى التوراة وحرفوا صفة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليوقعوا الشك بذلك للمستضعفين من اليهود وهو المروي عن أبي جعفر الباقر عليه السلام وعن جماعة من أهل التفسير وقيل كانت صفته في التوراة أسمر ربعة فجعلوه آدم طويلا وفي رواية عكرمة عن ابن عباس قال إن أحبار اليهود وجدوا صفة النبي صلى الله عليه وآله وسلم مكتوبة في التوراة أكحل أعين ربعة حسن الوجه فمحوه من التوراة حسدا وبغيا فأتاهم نفر من قريش فقالوا أ تجدون في التوراة نبيا منا قالوا نعم نجده طويلا أزرق سبط الشعر ذكره الواحدي بإسناده في الوسيط وقيل المراد بالآية كاتب كان يكتب للنبي فيغير ما يملى عليه ثم ارتد ومات فلفظته الأرض والأول أوجه لأنه أليق بنسق الكلام وقوله “ليشتروا به ثمنا قليلا” (البقرة 79) يريد ليأخذوا به ما كانوا يأخذونه من عوامهم من الأموال وإنما ذكر لفظ الاشتراء توسعا والمراد أنهم تركوا الحق وأظهروا الباطل ليأخذوا على ذلك شيئا كمن يشتري السلعة بما يعطيه والفائدة في قوله “ثمنا قليلا” (البقرة 79) أن كل ثمن له لا يكون إلا قليلا وللعرب في ذلك طريقة معروفة يعرفها من تصفح كلامهم وقيل إنما بالقلة لأنه عرض الدنيا وهو قليل المدة كقوله تعالى “قل متاع الدنيا قليل” عن أبي العالية وقيل إنما قال قليل لأنه حرام وقوله “فويل لهم مما كتبت أيديهم” أي عذاب لهم وخزي لهم وقبح لهم مما فعلوا من تحريف الكتاب “وويل لهم مما يكسبون” (البقرة 79) من المعاصي وقيل مما يجمعون من المال الحرام والرشى التي يأخذونها عن العوام.

وعن الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي: قوله عز وجل “فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَٰذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۖ فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا يَكْسِبُونَ” (البقرة 79) ثمّة مجموعة اُخرى من العلماء كانت تحرف الحقائق لتحقيق مصالحها، وإلى هؤلاء يشير القرآن: “فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بَأَيْدِيِهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللهِ”. “فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ” (البقرة 79). “وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ” (البقرة 79). ومن العبارة الأخيرة نفهم الهدف الدنيء لهؤلاء، وكذلك عاقبتهم الوخيمة. وقد أورد بعض المفسرين حديثاً عن الإِمام الصادق عليه السلام في تفسير هذه الآية حديث فيه ملاحظات هامة: قال رجل للصادق عليه السلام: إذا كان هؤلاء العوام من اليهود لا يعرفون الكتاب إلاّ بما يسمعونه من علمائهم، فكيف ذمّهم بتقليدهم والقبول من علمائهم؟ وهل عوام اليهود إلاّ كعوامنا، يقلّدون علماءهم ـ إلى أن قال ـ فقال عليه السلام: (بين عوامنا وعوام اليهود فرق من جهة، وتسوية من جهة، أمّا من حيث الاستواء فإنّ اللّه ذمّ عوامنا بتقليدهم علماءهم، كما ذمّ عوامهم، وأمّا من حيث افترقوا فإنّ عوام اليهود كانوا قد عرفوا علماءهم بالكذب الصراح، وأكل الحرام، والرشاء وتغيير الأحكام، واضطرّوا بقلوبهم إلى أنّ من فعل ذلك فهو فاسق، لا يجوز أن يصدّق على الله، ولا على الوسائط بين الخلق وبين الله، فلذلك ذمّهم، وكذلك عوامنا إذا عرفوا من علمائهم الفسق الظاهر، والعصبيّة الشديدة، والتكالب على الدُنيا وحرامها، فمن قلّد مثل هؤلاء فهو مثل اليهود الذين ذمّهم الله بالتقليد لفسقة علمائهم، فأمّا من كان من الفقهاء صائناً لنفسه، حافظاً لدينه، مخالفاً على هواه، مطيعاً لأمر مولاه، فللعوام أن يقلّدوه، وذلك لا يكون إلاّ بعض فقهاء الشيعة لا كلّهم، فإنَّ من ركب من القبائح والفواحش مراكب علماء العامة، فلا تقبلوا منهم عنّا شيئاً، ولا كرامة، وإنمّا كثر التخليط فيما يتحمّل عنّا أهل البيت لذلك، لأنَّ الفسقة يتحمّلون عنّا فيحرّفونه بأسره لجهلهم، ويضعون الأشياء على غير وجهها لقلّة معرفتهم وآخرون يتعمّدون الكذب علينا). واضح أن هذا الحديث لا يدور حول التقليد التعبدي في الأحكام، بل يشير إلى اتباع العلماء من أجل تعلم أُصول الدين، لأن الحديث يتناول معرفة النّبي، وهذه المعرفة من أُصول الدين، ولا يجوز فيها التقليد التعبدي.

جاء في الموسوعة الإلكترونية لمدرسة أهل البيت عليهم‌ السلام التابعة للمجمع العالمي لأهل البيت عليهم السلام: انتفاضة صفر في العراق: بواعث الانتفاضة: استلم حزب البعث سنة 1968 للميلاد دفة الحكم في العراق. وبدأت بعدها سلسلة من الأحداث التي أدت في نهاية المطاف إلى اندلاع انتفاضة صفر الكبرى، ويمكن الإشارة إلى أهم هذه الأحداث والمنعطفات فيما يلي: ففي محرم 1969 م قامت السلطات في العراق بالتضييق على مراسم العزاء والمواكب الحسينية، فمنعت بعضها وأملت شروطاً على أخرى، وكان أول ضحية في هذا المجال هو موكب الطلبة. وفي ليلة التاسع من محرم 1969 م أغلقت أجهزة السلطة في النجف أبواب مرقد الإمام عليعليه السلام الذي تقام فيه مراسم الختامية لمواكب العزاء مما سبب في صدامات بين الجماهير ورجال السلطة فدخل الآلاف من المعزّين الغاضبين صحن أمير المؤمنين عليعليه السلام عنوة. ودمر الثوار العديد من مؤسسات النظام ومراكزه الرسمية. واعتقل خلالها عدد من محركيها، بينهم الشيخ محمد علي التسخيري. وفي الأعوام التالية سارت الشعائر الحسينية بشكلها الطبيعي بفعل ضغط الجماهير وإصرارها إلاّ أنّ الموقف تفجّر مرة أخرى. وفي سنة 1972 حددت السلطات المراسيم ببعض الحسينيات فقط، ولم تسمح لغيرها أن تقوم بالعزاء. وفي ليلة العاشر من محرم 1975 م، منعت السلطة خروج مواكب العزاء الحسيني، وعلى إثرها ضربت الجماهير في النجف قرار السلطة، وخرجت في مسيرات صاخبة بالسلاح الأبيض، وحدثت خلالها مجابهات. فاعتقل العشرات من المشاركين، بينهم جاسم الإيرواني أحد زعماء مواكب عزاء الإمام الحسين عليه السلام في النجف وأبرز قادة الانتفاضة. وفي صفر 1975 م قامت الجماهير في مدينة كربلاء بتمزيق صور البكر وصدام، وتحولت مسيرة العزاء إلى تظاهرات واسعة، ردد فيها المتظاهرون شعارات مناوئة للسلطة. وفي صفر عام 1396 هـ الموافق كانون الثاني/ يناير 1976 م، بادرت السلطة مرة أخرى إلى منع العزاء الحسيني والمسيرات التي تتجه من مختلف مدن العراق إلى كربلاء مشياً على الأقدام واصطدم خلالها المشاة من قوات السلطة التي تحشدت لهذا الغرض، فحدثت أعمال العنف واعتقالات، إلاّ أن السلطة فشلت في الوقوف بوجه المشاة الذين تمكّنوا من الوصول إلى كربلاء بعد ثلاثة أيام من السير على الأقدام. ازدياد حدة التضييق: في محرم 1977 ازدادت المضايقات بشكل أكثر. وكانت السلطات تفتش العربات، وكانوا يصادرون كلما يعود لمجالس العزاء. حتى قيل بأنها كانوا يصادرون الأطعمة التي تم إعدادها للزوار. وفي ليلة العاشر من محرم 2 كانون الثالني/ يناير 1977 م خرجت مجموعة فدائية في النجف تحمل السلاح الأبيض واشتبكت مع عناصر السلطة، فأنزلت بهم خسائر ملحوظة. فألقي القبض على أفراد المجموعة، وتعرضت لصنوف التعذيب في زنزانات الحزب الحاكم، ممّا أدى وفاة أحدهم. وقرر الناس أن يتظاهروا في ليلة استشهاد الإمام السجادعليه السلام (25 محرم)، ولكن بعد أن استشاروا السيد محمد باقر الصدر، أجّلوها إلى الأربعين الحسيني.