
د. فاضل حسن شريف
يوضح الدكتور فاضل حسن شريف في تحليلاته الدلالية والقرآنية واللغوية الفرق بين الرَّبّ والإِلَٰه، فكلاهما اسمٌ من أسماء الله الحسنى ودالٌّ على توحيده وحقه، إلا أن بينهما تمييزاً دقيقاً في المنطلق والغاية، فالربوبية تتعلق بالإيجاد والتدبير والإنعام، بينما الألوهية تتعلق بالاستحقاق والعبادة والخضوع: الرَّبّ (السيد المربّي، الخالق، والـمُدَبِّر للإنعام والرعاية) المفهوم: هو الخالق، المالك، الرازق، المدبر، والمربي لعباده بالنعم، فالربوبية تشمل أفعال الله تعالى تجاه خلقه من الخلق، والرزق، والإحياء، والإماتة، وتدبير أمور الكون. الأصل والصفة: مأخوذ من “الرَّبَب” و”التَّرْبِيَة”، وهو إصلاح الشيء ورعايته وإبلاغه كماله شيئاً فشيئاً، فالرب هو الذي يتولى خلق المخلوق ويحوطه بعنايته ورعايته. وتتميز الربوبية بإقرار الفطرة والخلق بها عموماً (حتى المشركون كانوا يقرون بربوبية الله وخلقه للكون). الاستعمال القرآني: ورد اسم “الرَّبّ” في القرآن الكريم غالباً في مقام الإنعام، والتضرع، والرزق، والتدبير، والخلق: “الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ” (الفاتحة 2) الثناء على من خلق العالمين وتولاهم بالتربية والإنعام. “قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ” (المؤمنون 86) التذكير بالخلق والملك والتسخير. “رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً” (البقرة 201) التوسل بالربوبية لأنها باب العطاء والرحمة والرعاية. الإِلَٰه (المعبود بحق، الذي تتأله إليه القلوب محبةً وتعظيماً) المفهوم: هو المعبود الذي تُخصّ له العبادة، والخضوع، والطاعة، والذل، فلا يُشرك معه غيره، فالألوهية تشمل أفعال العباد الموجهة إلى الله (من الصلاة، والدعاء، والخوف، والرجاء، والإنقياد). الأصل والصفة: مأخوذ من “أَلَهَ” (يَأْلَهُ) أُلُوهَةً و”تَأَلَّهَ”، أي عَبَدَ وسَكَنَتْ إليه النفس وتولهت به محبةً وتعظيماً، فالإله هو من يستحق العبادة المطلقة. ولهذا كانت خصومة الأنبياء مع أقوامهم في “الألوهية” وإفراد الله بالعبادة لا في مجرد الإقرار بربوبيته. الاستعمال القرآني: جاء “الإِلَٰه” في القرآن الكريم في مقام التوحيد، ونفي الشرك، والتكليف بالعبادة والانقياد: “وَإِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ لَّا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَٰنُ الرَّحِيمُ” (البقرة 163) التكليف بإفراده بالعبادة دون سواه. “فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ” (محمد 19) إفراد المعبود بحق بالتوحيد. “أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ” (الفرقان 43) جعل الهوى معبوداً ومطاعاً من دون الله. خلاصة الفرق: الرَّبّ هو الخالق المالك المدبر والمربي للنعم (يتعلق بأفعال الله تجاه خلقه كالرزق والخلق والعناية)، بينما الإِلَٰه هو المعبود بحق المطاع المستحق للذل والخضوع (يتعلق بأفعال العباد تجاه خالقهم كالصلاة والدعاء والتوحيد). فالربوبية تستلزم الألوهية، فمن أقر بأن الله هو “الرب” الخالق والرازق، وجب عليه حتماً أن يتخذه “إلهاً” وحده لا شريك له في العبادة.
يتناول الدكتور فاضل حسن شريف في تحليلاته الدلالية والقرآنية واللغوية الفرق بين الشِّدَّة والصُّعُوبَة، فكلاهما يُعبر عن المشقة وما يعسر على الإنسان تحمله أو نيله، إلا أن بينهما تمييزاً دقيقاً في نقطة التمركز (القوة الضاعطة والصلابة مقابل التوعر والامتناع عن الانقياد)، والمقام القرآني والنفسي: الشِّدَّة (الصلابة، والقوة الضاعطة، والمحنة التي تبلغ المدى) المفهوم: هي فرط القوة والصلابة والمحنة العظيمة التي تضغط على الإنسان وتثقل عليه، سواء كانت في الماديات (كالرباط القوي أو الجدار الصلب) أو المعنويات (كالمجاعة، والكرب، والبأس في الحرب). الأصل والصفة: مأخوذة من “شَدَّ” (يَشُدُّ) شِدَّةً، وهو القوة والتماسك وإحكام الأسر، ونقيضها الرخاوة واللين. فالشِّدَّة تصف عِظَمَ الثَّقَل وحِدَّة البلاء الواقع على الإنسان، وتستلزم الصبر والمغالبة لتجاوزها. الاستعمال القرآني: وردت “الشِّدَّة” وألفاظها في القرآن الكريم للتعبير عن القوة والصلابة أو المحن العظيمة والابتلاءات الجسام: “ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَٰلِكِ سَبْعٌ شِدَادٌ” (يوسف 48) سنين القحط المحكمة الشديدة. “أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ” (الفتح 29) الصلابة والقوة في الحق. “وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا” (النبأ 12) قوة خلق السموات وتماسكها. الصُّعُوبَة (التوعّر، والامتناع عن الانقياد، وعسر السلوك) المفهوم: هي المشقة الناشئة عن التوعر والامتناع والتعقد، بحيث يتعسر سلوك الطريق أو فهم الأمر أو الانقياد له، ونقيضها السهولة واليسر. الأصل والصفة: مأخوذة من “صَعُبَ” و”الصَّعْب” وهو المركب أو الطريق المتوعر الذي يشق سلوكه أو ركوبه ولا ينقاد لصاحبه بسهولة، فالصُّعُوبَة تصف عدم الانقياد والامتناع وحاجة الأمر إلى حيلة ورياضة وجهد لتجاوزه. الاستعمال القرآني: وردت مشتقاتها في القرآن الكريم للتعبير عن مشقة الارتقاء والتكليف الشاق العسير الذي يرهق الصاعد: “سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا” (المدثر 17) مشقة ومشقة عقبة كؤود لا تنقاد بسهولة. وفي الحديث واللغة يُقال “جَمَلٌ صَعْبٌ” أي لم يسلّس قياده، و”طَرِيقٌ صَعْبٌ” أي متوعر المرتفعات. خلاصة الفرق: الشِّدَّة هي القوة والصلابة والبلاء الضاغط الشديد (تصف حِدّة المحنة وعِظَم ثِقَلها ونقيضها الرخاوة)، بينما الصُّعُوبَة هي التوعّر والامتناع عن الانقياد واليسر (تصف تعسّر الوصول للشيء أو سلوكه ونقيضها السهولة). فالأمر الشديد هو الذي يضغط عليك بقوته وثقله، والأمر الصعب هو الذي يمتنع عليك ويتعسر انقياده لك.
يشرح الدكتور فاضل حسن شريف في تحليلاته الدلالية والقرآنية واللغوية الفرق بين مِّنْ إِمْلَاقٍ وخَشْيَةَ إِمْلَاقٍ، فكلاهما يتعلق بقتل الأولاد ودافع الفقر، إلا أن بينهما تمييزاً دقيقاً في الحالة المادية القائمة (الفقر الواقع والحاضر مقابل الفقر المتوقع والمستقبل)، وتوجيه الرزق في النص القرآني، والمخاطَبين به:
مِّنْ إِمْلَاقٍ (الفقر الواقع والحاضر فعلاً) المفهوم: الإملاق هو الفقر الفاقع والنفاذ التام للمال والزاد، وجيء بـ “مِنْ” الابتدائية لبيان أن دافع القتل هو الفقر الواقع المباشر والحاصل للوالدين في وقت الخطاب. الأصل والصفة: مأخوذ من “أَمْلَقَ” أي أنفق ماله حتى أملق وسقط في الفقر والفاقة، فالفقر هنا حالة قائمة يعاني منها الأب والأم بالفعل، فيدفعهما الضيق المادي القائم إلى التخلص من أولادهما لعدم القدرة على إطعامهم. الاستعمال القرآني وتوجيه الرزق: جاء هذا التعبير في سورة الأنعام: “وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُم مِّنْ إِمْلَاقٍ ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ” (الأنعام 151). اللمسة البيانية: لما كان الفقر واقعاً على الوالدين أولاً، بدأ الحق سبحانه بتقديم رزق الوالدين فقال: “نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ” (لطمأنتهم على قوتهم القائم)، ثم عطف عليه رزق الأبناء “وَإِيَّاهُمْ”. خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ (الخوف من الفقر المتوقع في المستقبل) المفهوم: الخشية هي الخوف المقترن بالتوقع، فـ “خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ” (الإسراء 31) تعني أن الوالدين في حالة من الكفاية واليسر الحاضر، ولكنهم يخافون من الفقر القادم والمرتقب بسبب كثرة الأولاد ونفقتهم المستقبليّة. الأصل والصفة: الدافع هنا ليس عوزاً حاضراً، بل هو الخوف النفسي والتحسب لما سيعقب النماء من ضيق مالي، فيقدمان على قتل الأبناء تحسباً وفراراً من فقر لم يقع بعد. الاستعمال القرآني وتوجيه الرزق: جاء هذا التعبير في سورة الإسراء: “وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ” (الإسراء 31). اللمسة البيانية: لما كان الوالدان في غنى وحاضرهم مكفول، وكان الخوف مصبوباً على رزق الأبناء المستقبلي الذين سيشاركونهم العيش، بدأ الله سبحانه بتقديم رزق الأبناء فقال: “نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ” (الإسراء 31) (ليطمئن الآباء أن رزق المولود يأتي معه)، ثم عطف عليه رزق الوالدين “وَإِيَّاكُمْ”. خلاصة الفرق: مِّنْ إِمْلَاقٍ تعني القتل بسبب فقرٍ واقع وحاضر فعلاً (ولذا قدّم الله رزق الآباء: “نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ”)، بينما خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ تعني القتل خوفاً من فقرٍ متوقع ومستقبلي مع وجود كفاية حالية (ولذا قدّم الله رزق الأبناء لرفع الخوف عن مستقبلهم: “نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ”). فالأولى لرفع العوز القائم، والثانية لدفع الخوف والتوهم القادم.