تسقيط العلماء الأجلاء …
والمباهلة التيك توكية والسوشيال ميديوية للدفاع عنهم بوابة لـ”قبض العلم”ونافذته !!
*التسقيطات العلمائية المتتالية والمباهلات الفضائية الفوضوية المخاتلة بخلاف المناظرات الاستعراضية إلهاء للأمة وتغييب لوعيها الجمعي وتعميتها عما يحاك لها من مؤامرات ومكائد ودسائس عالمية ودولية …
قال تعالى: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ ) فاطر : 28
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :” إِنَّ اللَّهَ قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ: كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ المُؤْمِنِ، يَكْرَهُ المَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ” رواه البخاري
أحمد الحاج مكتبجي
اليوم لو قبض بين أظهرنا عالمان صالحان جليلان في يوم واحد ،أولهما قبض بهادم اللذات = الموت،وكل من عليها فان،وثانيهما تم قبضه بتسقيطه،بإقصائه،
بتهميشه،بتشويه سمعته،بتشكيك الناس في أخلاقه وعقيدته وعبادته، بحظره ومنعه من التأليف والكتابة والخطابة والتدريس، فيا ترى أي القبضين سيكون الأخطر والأدهى والأمر على الأمة جمعاء ، الأول أم الثاني ؟!
مؤكد أن العرف الحسن ، والعقل الراجح ، والمنطق السليم كلها تخبرنا،بأن القبض الثاني هو الأشد تأثيرا و الأبعد أثرا ..لماذا ؟ لأن العالم الذي يغيب عن الساحة بكينونته وجوديا بعد أن يداهمه الموت،ستظل محاضراته ودروسه المسجلة تسمع ،وستبقى كتبه ومصنفاته ومؤلفاته المطبوعة التي تملأ رفوف المكتبات تقرأ، وسيواصل محبوه متابعة مخطوطات مالم يطبع من كتبه المحفوظة في أدراج مكتبته تمهيدا لتحقيقها وللذهاب بها الى المطابع ودور النشر لطباعتها وتوزيعها ونشرها بين الناس .
بينما يواصل تلاميذه وما أكثرهم التذكير بسيرته ومسيرته العلمية والدعوية العطرة من بعده بين الخليقة،إن لم يكن بلسان المقال، فبلسان الحال ولا شك في ذلك البتة،ولطالما سمعنا وتناقلنا فيما بيننا بأن الخطيب المفوه الفلاني،هو تلميذ نجيب لذلك العالم الرباني،وقد درس عليه،وتخرج في مدرسته، وتأثر بطروحاته وأفكاره ، ونهل من معين علومه ومعارفه ، بمعنى أن هذا الشبل من ذاك الأسد،لنترحم على شيخه فوريا ولا إراديا ، ولكن وفي حال تسقيط العالم وتشويه سمعته دعائيا وإعلاميا وفق أجندة ما ، وبناء على بروباغندا ما، لا تخلو بتاتا من ” دوائر ومؤسسات أمنية واستخبارية محلية وإقليمية ودولية تدعمها وترسم لها خريطتها وتقف من خلفها” ، ليشاع ذلك كله بين العوام ظلما وعدوانا ولدوافع ودواع شتى قد تكون حقدا وحسدا، غلا وبغضا ، شماتة ووشاية ونكاية،خلافا شخصيا،معارضة فكرية أو منهجية أو طائفية أو سياسية،مزاحمة مناطقية أو عشائرية أو انتخابية، تلفيقات عرقية وقومية ، مزحة ثقيلة وفبركة إعلامية سمجة في عصر السوشيال ميديا والذكاء الاصطناعي..وهلم جرا،فهنا سينفض الناس وتحت تأثير هذه الدعاية المتتالية والمكثفة وبفعل تشكيل الوعي الجمعي المضلل من حول الشيخ لينصرفوا عن مؤلفاته ومصنفاته ودروسه ومحاضراته في حياته وقبل مماته، وهذا هو ولاريب القبض الأكبر والأشنع والأخطر بأجلى معانيه وصوره ، ولديَّ من الأمثلة والشواهد السابقة واللاحقة الكثير والكثير،وحسبي هاهنا أن أذكر الجميع بما جرى لبلبل المنابر وصنديدها في حقبة السبعينات وقد تاب واهتدى على يديه آلاف الشباب الوجودي والعبثي واللا ديني واللا أدري والماركسي والملحد في العراق،وأنا شاهد حي على ذلك،وأعني به الشيخ المصري الفائز بكأس الخطابة في الأزهر “الشيخ محمود غريب” فبعد أن جاء الى العراق وأصبح خطيبا لجامع البنية في كرخ بغداد فور افتتاحه يوم الجمعة 31 /أيار/ 1974م ،غص المسجد بالمصلين وطلبة العلم الشرعي، إضافة الى إقامة مئات المحاضرات والدروس الشرعية ودورات القرآن الكريم الصيفية والدائمية – والشيخ غريب هو أول من اقترحها وعمل بها وقام بتفعليها انطلاقا من جامع البنية في العراق بعد إلغاء نظام الكتاتيب القديم – فما كان من المغرضين والحاسدين والمخبرين – السر..سريين – إلا أن وشوا به ولفقوا له في ثمانينات القرن الماضي بعض التهم بدوافع سياسية وأمنية وحزبية لتشويه سمعته فغادر العراق الذي عشقه وأحبه مرغما بعد اعتقاله والتنكيل به مدة من الزمن ، وكذلك فعلوا بالشيخ المصري الآخر في جامع القزازة ” الربيعي” شرق العاصمة بغداد بتهمة المشاركة في محاولة لقلب نظام الحكم آنذاك ، وهو منها براء براءة الذئب من دم يوسف ، وأعني به الشيخ الدكتور عبد الرحمن محمود المصري، وهو أول إمام للمسجد منذ افتتاحه في عام 1967م ، وفيما غادر غريب العراق ، ظل عبد الرحمن ولكن بعد أن خفت صوته الصادح قبلها كثيرا،متفرغا للدعوة الهادئة والى الدراسة والتدريس حتى وفاته سنة 2016 م ، رحمهما الله تعالى وأسكنهما فسيح جناته،لينصرف الناس عن مسجد غريب وعن علمه وخطبه ودروسه ومحاضراته المسجلة وعن كتبه المطبوعة والتي ظلت ممنوعة ومحظورة أسوة بخطب الشيخ كشك ومحاضرات الوائلي، يتم تداولها خفية وعلى نطاق ضيق بين المعارف والأصدقاء مع إغلاق جميع النوافذ والأبواب عند سماعها خلسة في ركن قصي من البيت والانصات إليها مليا في وقت كانت أغاني – ثومة – تذاع في كل زمان ومكان حتى مع رفع صوت الأذان في مناطق السعدون والكرادة والعلاوي والنهضة والباب الشرقي” فهل رأى العبث بالقيم والمبادئ والأعراف والتقاليد الحسنة ،سكارى مثلنا؟! الجواب على السؤال الحائر ، تجدونه عند – ثومة – ولاشك يوم انتقلنا من “خدني لحنانك خدني عن الوجود وابعدني ” قبل هزيمة 1967م ، الى أغنية”أصبح عندي الآن بندقية.. الى فلسطين خذوني معكم !” ، بعد الهزيمة النكراء وحرب الأيام الستة التي ضاعت من جرائها الجولان والضفة الغربية والقدس والأقصى المبارك وغزة وسيناء،ولات حين مندم ، فما أسكرته -ثومة – بحفلاتها التخديرية في الخميس الأول من كل شهر مع خلو الشوارع العربية قاطبة من المارة وتوقف حركة المرور في طول العالم العربي وعرضه للاستماع الى الحفلة المذاعة عبر أثير صوت العرب من القاهرة ،وبحضور قادة الصف الأول من الوزراء والساسة ورجال الأعمال العرب وجلوسهم في الصفوف الأمامية من المسرح وسط غمامات من دخان السجائر المحلية والمستوردة وصفير وتصفيق وصخب وهيام أغلبه مسرحي ومصطنع ، لن يغسل عاره ، ولن يزيل غباره حفلات جمع التبرعات من أغانيها اللاحقة لدعم المجهود الحربي، لأن الوقاية من الهزيمة النكراء ابتداء خير من علاج جروحها الغائرة انتهاء،ولأن درهم وقاية من بوادر ومقدمات هزيمة ، خير من قنطار علاج لآثارها ونتائجها الوخيمة..يا ثومة “وما تصبرنيش ،ما خلاص ، فاض بيه ومليت” !!!! وهذا هو عين ما يجري اليوم من الهاء وتخدير فني وترفيهي وفضائح فنانين وفنانات ، زيادة على التسقيطات العلمائية المتتالية والمباهلات الفضائية الفوضوية المخاتلة إلهاء للأمة وتغييب لوعيها الجمعي وتعميتها عما يحاك لها من مؤامرات ومكائد ودسائس عالمية ودولية …!!
حتى أظهر الله تعالى الحق أخيرا وبرأه من كل ما قالوا و شنعوا بحقه فعاد الشيخ محمود غريب الى الواجهة ناصعا ومعززا ومكرما بعيدا عن العراق وتحديدا في دولة عُمان،ولكن متى ؟ بعد أن بلغ الشيخ الفاضل من العمر عتيا و داهمته أمراض الشيخوخة بقضها وقضيضها وبعد مرور ثلاثة عقود كاملة كان بإمكانه خلالها وبمعية الشيخ عبد الرحمن المصري ، تغيير واقع الشباب العراقي والعربي نحو الأفضل شرعيا وأسريا وفكريا وتربويا وأخلاقيا ومنهجيا ، بما يمتلكونه من ناصية علوم الشريعة الغراء الغزيرة وفنون الخطابة والوعظ المؤثرة المبهرة !
وقس على حكاية الشيخ غريب الذي قال فيه فارس المنابر الصادع بالحق الشيخ عبد الحميد كشك :” إنه لون لم يتكرر من الدعاة ، فهو كالعطر الذي يملأ المكان في حديثه” وقال فيه شيخ الأزهر حسن مأمون ،وهو يسلمه كأس الخطابة عام 1966م ” إذا خَرَّج الأزهر في كل عام خطيباً واحداً مثل محمود غريب فقد أدى الأزهر رسالته !” ، وفقا للكاتب والباحث حازم ناظم فاضل .
وبالقياس على ما تقدم فلقد تدرج المغرضون و من جميع المشارب والمذاهب ، ومن كل الملل والنحل ، يعضدها المستشرقون والمستعربون في منهج التشكيك وتوسيع دائرة الطعن والبهتان، فبدأوا بالنيل من العلماء الأعلام في حاضرنا المعاش ، قبل الانتقال الى العلماء الأعلام في الماضي القريب،ومن ثم أوغلوا في التاريخ وغالوا في الحقد وسدروا في الغي ليطعنوا بكل من كان سببا في وصول وشرح العلوم العقلية والنقلية إلينا،قبل أن يصعدوا أكثر ليبدأوا بالطعن بالقراء والصالحين والمفسرين والمحدثين والفقهاء والتابعين وتابعي التابعين،ومن ثم بدأ الطعن بالصحابة الأخيار،وبآل البيت الأطهار،ومن ثم بالدعوة الى فصل السنة النبوية المطهرة عن القرآن الكريم ،ومن ثم عمدوا الى التشكيك بثوابت القرآن العظيم ، وغدا ولا أشك في ذلك قيد أنملة التشكيك بالرسالات والنبوات، وصولا الى التشكيك بالعقيدة والمنهج من الأساس وإنكار وجود الخالق …لأن خطوات الشياطين وإغراءاته إنما تأتي متدرجة وعلى مراحل قبل أن تستحكم وتستفحل ،على نحو : “نظرة فابتسامة فسلام فكلام فموعد فلقاء”، كما قال أحمد شوقي بقصيدته” خدعوها بقولهم حسناء “حول التحرش والنظر المحرم ، وأضيف ” فموعد فغرام، فمطارحة فراش والتحام جسدين خارج إطار الزوجية والتئام،فحمل غير شرعي حرام ..فإجهاض إجباري أو اختياري بغياب كلي للعقل والضمير وانعدام ..فدعاوى قضائية بأروقة المحاكم حار بتفاصيلها وملابساتها القضاة والحكام ..فتزوير حقائق وشهود زور وتغيير إفادات وغدر وطلاق وتشرد أطفال وخلافات حضانة وثأر وجنح وجنايات وشجارات وحبس ونيران وضرام ،وربما قتل وسجن وخلافات عشائرية وملاحقات وانتقام !!”.
شاهدي من كل ما أسلفت هو ما بات يروجه بعض المحسوبين على المدارس والعلوم الشرعية ولاسيما من المقيمين في أوروبا والأمريكتين عبر الفضاء السيبراني والسوشيال ميديا وعلى رؤوس الأشهاد من طعن ولعن وسب وقذف وتبديع وتفسيق وتشكيك في الأولين والآخرين ، مع محاولة تكريس تلكم الشكوك وترسيخها في أذهان جيل زد وألفا ، يتقدمهم في ذلك ويتصدرهم ” امير القريشي ” و” ياسر الحبيب ” ويقيمان في بريطانيا، و” محمد شمس الدين” ويقيم في ألمانيا وغيرهم وهؤلاء لم يبقوا عالما جليلا إلا وطعنوا به إلا ما رحم ربك ، بل وقد باهل شمس الدين ، قبل أيام عددا من طلبة العلم الشرعي وبلوغرية وفلوغرية الدعوة في مصر وعلى الهواء مباشرة لهذا الغرض متهما كبار العلماء أمثال الإمام النووي والإمام ابي حنيفة بالبدعة والابتداع ، فيما اتهم الإمام السيوطي بالردة ، وذلك بعد أن أطلق شتى التهم العقدية والفكرية ومن دون مسوغ ولا مناسبة على آخرين منهم ، يقابلهم حديثا الإعلامي صابر مشهور في تركيا ، وقد تحول هذا الرجل وعلى حين غرة الى النصب والتهجم على آل البيت أجمعين، بل واتهام كل من كان قد امتدح أو حث على مدحهم بأنه معاد للسنة وبأنه ليس على نهجها ولا على منهجها !! وذلك في هراء وتجديف نجح في صرف معظم متابعيه ومحبيه عنه على خلفية وضوح ردات الفعل النفسية والانفعالية والعاطفية التي أغلقت عليه عقله وكلها غير مدروسة ولا محسوبة في معظم ما يطرحه ويحاول تأصيله وتبريره وتقديمه ليلتقي بذلك مع شمس الدين والقريشي وياسر الحبيب في الغاية والهدف وكلها تتمحور وتدور وجودا وعدما حول تسقيط عشرات العلماء الأجلاء وإن تباين هؤلاء الذين يشنون الحملات تلو الاخرة على العلماء في أساليب الطرح وزوايا التناول أسوة بالمقدمات والمخرجات والمدارس الفكرية والخلفيات الطائفية كليا .
وأما عن المباهلة الفضائية العجيبة بين ثلاثة أشخاص كل واحد منهم يجلس في بيته أو مسجده وأمامه كاميرا تصوير ، مقابل شخص يجلس في عقر داره في أوروبا في عصر اللا انتماء والفوضوية ، بوجود منظم ومنسق للمباهلة – لم يفلح فيها قط – يجلس ويبث من مكان خامس ليطل برأسه بين الحين والأخر مقاطعا ومتداخلا مع المتباهلين من دون أن يستمعوا له ، وكأننا في أحد برامج التوك شو والاتجاه المعاكس ، وبما أضحك علينا القاصي والداني، فالمباهلة الشرعية المشروعة الحقيقية، وليست الفضائية الفوضوية ولا التوك شوووية الاستعراضية ، ولمن لايعرفها هي غير المناظرة،وغير المجادلة بالحجج المستلهمة من الكتاب والسنة والإجماع والقياس،بين ضدين فكريين في قضايا عامة أو خاصة،فالمباهلة تعني حصريا أن يدعو كل واحد من طرفيها على نفسه وعلى أهله بالويل والثبور إن لم يكن صادقا فيما يعتقده ويذهب إليه في مسائل العقيدة والأصول وقضايا الدين الكبرى التي تهم المسلمين عامة ، منها مباهلات فردية ، ومنها مباهلات جماعية ، ولكن بشروط وضوابط أصًلها وقعدها الفقهاء والعلماء وأبرزها صدق النية، وأن لا تكون لغرض الشهرة والسمعة والرياء والمراء ولا للتشويش على الناس واثارة الفتن والضغائن والاحقاد فيما بينهم ، وأن يكون طرفاها على علم تام بما يباهلان به، وأن تكون بعد سوق جميع الأدلة والبراهين النقلية والعقلية مشفوعة بالحجج الدامغة التي تلزم المقابل وتفحمه، وأن لا تكون لتعمية الأبصار ولا لإشغال الأمة عن ما يحاك لها من مؤامرات ودسائس ولاسيما في أوقات الحروب والكروب والنكبات والأوبئة والفتن فمثل هذه المطبات لاتحتاج الى مباهلات بقدر حاجتها الى رص الصفوف والكف عن المهاترات والنزاعات .
وأول المباهلات التاريخية وأهمها وأصدقها وأخلصها وأروعها وأبدعها على الاطلاق هي تلك المباهلة التي وقعت وبنص القرآن الكريم ، بين النبي ﷺ وأهل بيته” فاطمة وعلي والحسن والحسين” عليهم السلام أجمعين من جهة ، وبين وفد نصارى نجران في السنة العاشرة للهجرة حول قضية الأقانيم الثلاثة ، وتأليه النبي عيسى عليه السلام ،واعتباره ابنا لله جل في علاه ..تعالى عما يقولون علوا كبيرا .
ولاغرو أن فتن القرن الـ 21 المتسارعة والمتلاحقة كنظام بال قطع سلكه فتتابع أثبتت لنا وبما لايدع مجالا للشك بأن مفهوم “قبض العلماء” بات أوسع بمراحل مما رسخ في أذهاننا وصار يتخطى معناه الضيق المألوف والمتعارف عليه عندنا ردحا طويلا من الزمن إذ لم يعد ” القبض ” قاصرا على موت العلماء سريريا وجسديا فحسب وإنما بـ موتهم معنويا كذلك وذلك من خلال التسقيط والتشهير والطعن والتشكيك بسيرتهم ومسيرتهم ومؤلفاتهم وعلمهم بل وطلبتهم أيضا في الغدو والآصال !
فالقبض وفقا للمعاجم اللغوية هو خلاف البسط ،وبالتالي فبإمكاننا أن نتوسع في فهم عبارة “قبض العلماء” الواردة في الحديث النبوي الشريف : ” إنَّ اللَّهَ لا يَقْبِضُ العِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ العِبَادِ، ولَكِنْ يَقْبِضُ العِلْمَ بقَبْضِ العُلَمَاءِ، حتَّى إذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤُوسًا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا فأفْتَوْا بغيرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وأَضَلُّوا” أقول نتوسع في فهم “قبض العلماء” وبفعل ما نسمعه ونراه على مدار الساعة بأنها لم تعد تعني موتهم الحسي وغيابهم الوجودي عنا فحسب كما درجنا على فهمها وتلقينها لأن قبض العلماء ومن جراء فتن القرن الحالي باتت تدور وجودا وعدما حول “تسقيطهم” بالدرجة الاساس ولعلها الأشد خطرا ، والأبعد أثرا من موتهم الجسدي في زماننا هذا ..لماذا ؟
لأن العالم إذا مات “وكل من عليها فان ” فمن المفترض أن علمه لم ينقطع بنص الحديث النبوي الشريف : ” إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له ” كذلك ما ورد في الحديث الآخر : ” إنَّ مِمَّا يلحقُ المؤمنَ من عملِهِ وحسناتِه بعدَ موتِه عِلمًا علَّمَه ونشرَه وولدًا صالحًا ترَكَه ومُصحفًا ورَّثَه أو مسجِدًا بناهُ أو بيتًا لابنِ السَّبيلِ بناهُ أو نَهرًا أجراهُ أو صدَقةً أخرجَها من مالِه في صِحَّتِه وحياتِه يَلحَقُهُ من بعدِ موتِهِ”
المفترض وبعد موت العالم أن هنالك مصنفاته ومؤلفاته ومحاضراته والعلم الذي نشره في حياته زيادة على خطبه وطلابه وأصحابه وووو عدد ما شئت، وإلا لكان علم السابقين قد قبض بوفاتهم ولما وصل إلينا منه شيء قط ، وبالتالي فإن وفيات العلماء عبر التاريخ لم تترك الناس أشتاتا ليدوروا كقطب رحى حول الجهال فيفتونهم بغير علم ، فَيضلُّوا ويُضَلُّوا، كما أن الناس وبوجود أثر العلماء وعلمهم وكتبهم ومصنفاتهم لن يًتركوا هملا بعد موت العلماء ليدوروا كفراش حول النور- المتوهم – فيحترقوا بناره ، كل ذلك بخلاف ما لو تم تسقيط العلماء في حياتهم وبعد مماتهم ، فهنا يكمن الخطر الداهم حيث يقبع أعداء النور في ظلاله ليصطادوا كل الذاهلين والغافلين تباعا وشعارهم في ذلك هو ” إنما نريد بيان الحق ونحذر من العلماء الجهال ليتبين للناس أمرهم وحقيقتهم ” إلا أن باطن هذا الشعار هو العذاب المقيم الذي يؤمن لهم ولأعداء الدين صيدا وفيرا لن يتوقف يوما ولاسيما بغياب اشارات ويافطات التحذير الحقيقية التي غابت وأزيحت عن الطريق باقصاء وازاحة العلماء الأعلام بعد أن تم قبضهم تباعا وتصيدهم واحدا تلو الآخر إما بموتهم جسديا أو بتسقيطهم معنويا ، ولاريب أن الداء الثاني هو الأعم الأغلب في أيامنا المعاشة هذه ومن مخاطره أن “علم العالم ” الذي يتم تسقيطه حيا سيقبض في حياته وفي مماته على سواء لامحالة بفعل هذا التسقيط المتواصل والمبرمج بل قل الممنهج أيضا ولن يهتم خلق كثير بأي عالم زيادة على علمه سبق وأن تم تسقيطه بفعل الدعاية المضللة والمتواصلة فكأنك بالعالم الجليل فضلا على علمه وقد قبضا سوية في الأولى والآخرة وصارا أثرا بعد عين ولن يبقى لأي منهما وبرغم غزارة العلم الذي تركوه لنا، أي علم يذكر ليورث للاحقين وهنا تكمن الطامة الكبرى !
وأقولها وبألم كبير ، بأن “تسقيط العلماء اليوم” طائفيا أو عقديا أو سياسيا أو قبليا أو قطريا أو قوميا أو إثنيا أو حزبيا أو اجتماعيا أو منهجيا أو فكريا والذي صار ديدن العوام ومن يقودونهم إنما يمثل – قبضا جليا وشاملا لهم – في حياتهم وبعد مماتهم على سواء حيث أسقطت المدارس كلها علماء بعضها بعضا وعلى رؤوس الاشهاد ليلوك هذا التسقيط من بعدهم شذاذ الافاق ، وسقط المتاع ، كذلك السوقة والدهماء وجهلة العوام ..فكيف لا يكون – تسقيط العلماء-بعد ذلك كله هو القبض الأخطر والأشمل !
شخصيا لم أدخل ومنذ فترة طويلة على موقع أو صفحة ،عربية كانت أو إسلامية – عن صفحات المستشرقين والمتنورين والملاحدة حدث ولا حرج – إلا ووجدت عالما جليلا وهو مصلوب على ساريتها ، مخوزق بخازوقها ، مثروم بثرامتها ، مطبوخ على مائدتها ، مقطع الى أوصال موزع بين أطباقها ، وقد اجتمع كل حدثاء الأسنان ،وسفهاء الأحلام ليأكلوا من لحمه، ويخوضوا في عرضه ، ويستقلوا من علمه ، والأعجب هو أن يستغرق الصلب والتسقيط ويتوسع ليشمل مدرسة العالم المصلوب وتلامذته وعقيدته وطائفته ومشايخه وجامعته وعشيرته وبلده كذلك ” فإن كان هذا العالم مع السلطان فإنهم سيتهمونه بأنه “واعظ سلطاني” ، وإن كان معارضا للسلطان اتهموه بأنه خارجي وعميل وجاسوس لدولة اجنبية ، وإن التزم الصمت اتهموه بأنه شيطان أخرس، وإن نزع الجبة والعمامة اتقاء فحشهم وشرهم اتهموه بالردة والنكوص ، وإن آثر الانكباب على العلم والتعليم والتأليف من دون الخوض فيما يخوضون ولا السباحة بمستنقعاته الأسنة قالوا إنها فترة بعد شرة ، وفرة بعد كرة ، وهكذا دواليك ما أسفر في نهاية المطاف عن قبض جل العلماء أو ثلاثة أرباعهم على الاقل وإن كانوا أحياء بين الناس ومن أشكال القبض الناجم عن التسقيط والتشهير بالعلماء هو الفصل والسجن والاعتقال والأسر والعزل والتضييق والإقصاء والتهميش والتجميد في عديد من الدول ومنع طباعة وتوزيع ونشر وتداول كتب من يتم تسقيطهم والنتيجة هي = ضياع البوصلة واتجاه الناس الى الالحاد والى العبثية والوجودية والى الرؤساء الجهال – وهؤلاء يصنعون ومنذ فترة ليست بالقصيرة ، ويجهزون لمرحلة ما بعد التسقيط والقبض العلمائي ليتولوا زمام الأمور بدلا ممن يتم تسقيطهم تباعا – بعد فقدان الثقة بفعل التسقيط الجماعي المتتالي لمعظم العلماء ولا أريد الخوض في تفاصيل وعناوين وأسماء المدارس التي يسقط بعضها علماء ومؤلفات بعض جهارا نهارا وعيانا بيانا ، حتى لا أكون طرفا بالتسقيط المتبادل من حيث أريد أن أحذر الناس من شره ، فالحذر الحذر من المشاركة في أتون قبض العلم والخوض بعملية تسقيط العلماء لأنها وإن بدت للعوام ظاهرة طبيعية وعفوية ناجمة عن التنوع الفكري وحرية التعبير عن الرأي ، إلا أنها وفي حقيقتها تمثل – حركة قبض جماعية ممنهجة ومنظمة – يقف خلفها من يحركها بخطة مرسومة ، وينسج خيوطها بدراية تامة ، ويطبخ أطباقها بعناية فائقة وعلى نار هادئة لتحقيق الهدف المنشود ودفع الناس وبعد فقدانهم الثقة شبه التامة بعلمائهم الى اللادينية واللا ادرية والالحاد حين الطلب، فليتق الله تعالى مسقطي العلماء الأجلاء وليرعوي الطاعنون بأعراضهم وبسمعتهم وبمؤلفاتهم لأنهم ليسوا بديلا عنهم ولن يكونوا كذلك قط ، ما يعني خلو الساحة تماما من الدعاة الأفاضل الأجلاء، وبقائها لكل عاو ونابح وناهق وناعق من الأدعياء والعملاء والدخلاء .أودعناكم أغاتي
نقلا عن كتابي ” ياآكلي الفلافل اتحدوا “