أي رجل كنت يا أنس؟! شهيد الكلمة الذي عجزت النار عن إسكات صوته

بقلم عفاف فيصل صالح

إلى أنس الشريف يا شهيد الكلمة الذي ارتقى وبقي صوته يهزّ ضمير العالم

في مثل هذا اليوم العاشر من أغسطس لم يكن يومًا عابرًا في ذاكرة غزة، بل كان يومًا ارتقى فيه فارسٌ من فرسان الحقيقة، وسقط جسدٌ صغير أمام آلة الحرب، لكنه ترك خلفه صوتًا أكبر من كل محاولات الإسكات.

في مثل هذا اليوم ارتقى أنس الشريف شهيدًا ذلك الشاب الغزي الذي حمل همّ وطنه فوق كتفيه، وحمل كاميرته كأنها عهدٌ وميثاق، ومضى بين الركام والخطر ليقول للعالم: إن خلف هذه الصور شعبًا له قلب، وله حكاية، وله حق في أن تُسمع صرخته.

يا أنس
يا ابن جباليا الصامدة، يا ابن غزة التي أنجبت من رحم الألم رجالًا لا تنحني قاماتهم

لم تكن مجرد صحفي يقف خلف العدسة، بل كنتَ أنتَ العدسة التي رأت بها الإنسانية وجع غزة، كنتَ الصوت الذي خرج من قلب الحصار، والنبض الذي بقي حاضرًا حين حاولوا أن يجعلوا الصمت سيد الموقف.

كنتَ تحمل الكاميرا، لكنك في الحقيقة كنت تحمل أمانة أمة، تحمل دموع الأمهات، وأنين الجرحى، وأحلام الأطفال الذين يبحثون عن وطنٍ آمن، وتحمل رسالة شعبٍ أراد أن يقول للعالم: نحن هنا لن تُمحى حكايتنا.

يا أنس الشريف
لقد ظنّوا أن استهدافك سيُنهي الحكاية، ولم يعلموا أنهم بصنيعهم صنعوا رمزًا خالدًا؛ فبعض الرجال لا يغيبون حين يرحلون، بل يتحولون إلى راياتٍ ترفرف فوق ذاكرة الشعوب.

رحلتَ وأنت واقفٌ في ميدان الحقيقة، لم تترك قلمك، ولم تُسقط كاميرتك، ولم تتخلَّ عن رسالتك فكان رحيلك شهادةً على أن هناك من يدفع ثمن الكلمة الحرة، ومن يختار أن يكون شاهدًا على التاريخ مهما كان الثمن.

يا شهيد الكلمة
نم قرير العين في عليائك، فقد بقي صوتك في الأرض، وبقيت صورتك في الذاكرة، وبقي اسمك محفورًا بين أسماء الذين جعلوا من أعمارهم جسرًا تعبر عليه الحقيقة.

سلامٌ عليك يا أنس يوم حملتَ رسالة غزة، وسلامٌ عليك يوم ارتقيتَ شهيدًا، وسلامٌ عليك يوم تُبعث حيًّا عند ربٍ كريم.

رحمك الله يا أنس الشريف
يا فارس الكاميرا، وحارس الحقيقة، وصوت غزة الذي لم ينكسر.

ستبقى حكايتك تُروى للأجيال
أن رجلًا واحدًا وقف أمام عاصفةٍ من النار، ولم يحمل إلا الحقيقة فبقي أقوى من كل محاولات الطمس والنسيان.