الكاميرات البشرية…
بقلم: سعد احمد الكبيسي
يقولُ الشِّيرازيُّ رحمه الله: قمتُ الليلَ مع أبي، وحولنا أُناس نيام لم يُصلُّوا،
فقلتُ لأبي: لم يقم أحدٌ من هؤلاء يصلي ركعتين!
فقال لي: يا بُنيَّ، لو نمتَ لكان خيراً لكَ من وقوعكَ في الخَلْقِ!
تدينك لا يعطيك الحقَّ بازدراء الناس
ولا تعِشْ في هذه الحياة حَكماً وقاضياً!
ويقولُ سُفيان الثوريُّ رحمه الله: حُرمتُ قيام الليل خمسة أشهرٍ، بسبب ذنبٍ أذنبته!
قيل له: وما هو؟
فقال: رأيتُ رجلاً يدعو الله ويبكي، فقلتُ في نفسي: هذا رياء!
النوايا مناط الأعمال.
لا تقتحِمْ نوايا النَّاس ودع الخلقَ للخالق،
وإنَّ أحدنا لتختلط عليه نيتّه أحياناً،
فما بالنا نجزمُ في نوايا النَّاس وكأننا شققنا عن قلوبهم!
وإنَّ أسوأ ما يُبتلى به المرء هو أن يقع في نوايا الصالحين!
إذا شاهد منتقبةً قال: تسترُ قبحها!
وإذا شاهد محجَّبةً قال: لعله شعرها خشن!
وإذا رأى الرَّجل يتصدق قال: يُرائي!
وإذا رأى أحداً يزور أحداً قال: له عنده مصلحة،
وإذا شاهد شاباً يرتاد المسجد قال: معقَّد،
يجمعُ على نفسه قُبحين في آنٍ معاً،
قبح العجز عن مجاراة الصالحين، وقبح الوقوع في نواياهم!
نحن البشر لا نرى من الأعمال إلا ما ظهر منها، وقد أُمرنا أن نحكم على الظواهر، ونترك النوايا لربِّ النوايا، فهو وحده المطلع على خفايا النفوس
فلا تحكُمْ على شيءٍ لم تُحِطْ به علماً.
واحفظ قلبك من أن يتحوّل إلى محكمة، وعينك من أن تتحوّل إلى كاميرا، ولسانك من أن يتحوّل إلى حكمٍ على عباد الله؛ فما خفي عنك من القلوب أكثر مما ظهر لك من الوجوه.