مات الكيس.. وبقيت حكايته
محمد صالح حاتم
لم يطلب شيئاً حين وُلد سوى بضع ثوانٍ ليؤدي مهمته التافهة؛ أن يحمل زجاجة ماء بارد أو علبة دواء من صيدلية رطبة، أو وجبة أكل سريعة،أو شربة قهوة بقصد تعديل المزاج، ثم يُقذف به دون اكتراث إلى أول حاوية قمامة تصادفه، أو تذروه رياح خريفية طائشة في زقاق مهجور.أو جبل مرتفع،أو اغصان شجرة محملة بالثمر،والأزهار لقد انتهت رحلة الكيس الاستهلاكية بمجرد أن أفرغ محتواه، لكن الحكاية الحقيقية لم تبدأ إلا في تلك اللحظة بالذات.
حين نتحدث عن الأكياس البلاستيكية، غالباً ما نغرق في لغة الأرقام الرقابية، أو نحذّر من تفاعل الأطعمة الساخنة، أو نكرر تلك العبارة المألوفة عن ميراثه الطويل للأجيال القادمة. لكننا نغفل السؤال الأكثر أهمية وشاعرية وقسوة في آن واحد: ماذا يحدث للكيس بعد أن تنتهي مهمته؟ وكيف يكتب هذا الجماد قصة بقائه الطويلة على كوكبنا؟
يبدأ الفصل الثاني من حياة الكيس بعيداً عن أضواء المدن، في تلك التلال الصناعية المترامية حيث تُلقى نفايات البشر. هناك، يبدأ الكيس البلاستيكي رحلة صامتة من التمرد على الفناء. إنه لا يتحلل كالأوراق، ولا يذوب كالملح في الماء؛ بل يبدأ تدريجياً في التخلي عن لونه ولمعانه، متخلياً عن صورته كأداة ليتحول إلى شبح بيئي. تحت وطأة الشمس الحارقة والأمطار، لا يموت البلاستيك، بل يتشظى. يتحول إلى أجزاء دقيقة ومجهرية تُعرف بالجسيمات البلاستيكية الدقيقة. هذه الأجزاء لا تختفي من الوجود، بل تنتقل بلا هوادة مع تيارات الهواء، وتتسلل إلى جداول المياه العذبة، وتشق طريقها خفية نحو أعماق المحيطات الكبرى.
في رحلته السردية الجديدة، يتحول الكيس الملقى في مهب الريح إلى مهاجر غير شرعي في بيئات لا تخصه. قد تراه طائراً فوق سطح موجة هادئة، فيبدو من بعيد كقنديل بحر غريب، ما يخدع السلاحف والأسماك الكبيرة لتلتقمه وجبةً أخيرة تسد مسام جياع البحر وتودي بحياتهم في صمت. وإن حط على قمة شجرة بعيدة، تحول إلى راية سوداء مزقها الهواء، تشهد على عجز الإنسان أمام ما صنعه بيديه. الكيس هنا ليس مجرد نفايات، بل هو أرشيف بلاستيكي يسجل استهتارنا اليومي، ويحفظ تفاصيل حياتنا العابرة في نسيجه الاصطناعي الذي يرفض الموت.
إن الخطورة الكبرى لما بعد الرمي لا تكمن فقط في بقاء المادة، بل في قدرة هذه الحكاية على الارتداد إلينا. فالجسيمات الدقيقة التي تحلل إليها الكيس لا تبقى في العراء؛ بل تدخل تدريجياً في السلسلة الغذائية، لتستقر العوالق في بطون الأسماك، وتعود الأسماك على موائدنا طعاماً مشبعاً بما اقترفت أيدينا. وكأن الطبيعة تصيغ دراما ساخرة وموجعة: ما رميناه باستهتار في الصباح، يعود ليطرق أبواب أجسادنا في المساء.
مات الكيس ورقياً ووظيفياً منذ اللحظة الأولى التي تخلينا عنه، لكن حكايته الممتدة لعقود طويلة, بل لقرون، تذكرنا دائماً بأن أفعالنا الصغيرة لا تموت بمجرد أن ندير ظهورنا لها. البلاستيك لا يختفي؛ إنه فقط يغير شكله ليصبح جزءاً أبدياً من جغرافية كوكب تحول ببطء إلى متحف كبير لرفات استهلاكنا المؤقت.
#الحملة_الوطنية_الحادية_عشرة_للتوعية_بمخاطر_الأكياس_والمنتجات_البلاستيكية
#صندوق_مكافحة_السرطان
#الوقاية_تبدأ_باختيارك