كمال فتاح حيدر
الإحساس بأن العمر يضيع بلا فائدة هو شعور قاسٍ ومؤلم نمر به في العراق حين نتأمل ما مضى ولا نرى إنجازاً أو أثراً. .
ذهبت أعمارنا سدى في متاهات فرهودية فوضوية. نستهلك فيها أعصابنا لإصلاح ما لم نكسره، ونبرر ما لا ينبغي تبريره. .
كبرنا ونحن نحاول النجاة، لا كيف نعيش، حتى اكتشفنا أن أثقل الخسارات ليست ما فقدناه من سنوات. بل ما فقدناه من أنفسنا ونحن نحاول التأقلم مع تقلبات التجارب السياسية الفاشلة. .
احياناً نتسكع في شوارع داخل مدن الزي الموحد. حيث الآلام نفسها، والمزابل نفسها، والازدحام نفسه. نتجول في أماكن اعتدنا عليها ونعرفها جيدا، ثم نتوقف فجأة ونشعر لثوان بأننا لا نعرف أين نحن، أو من أين أتينا. .
ليست المشكلة في معرفة المكان، بل في أدمغتنا التي فقدت الإحساس مؤقتاً في الانتماء إلى العراق. فعلى الرغم من ان المعالم من حولنا مألوفة لكن أدمغتنا تتعطل للحظات، وتفشل في تحديد الموقع والاتجاه، فنشعر وكأننا فقدنا بوصلتنا في خارطة لم تكن غريبة علينا. .
يحدث هذا معنا كل يوم تقريباً. نشعر بين الفينة والفينة أننا تائهون مغيبون مهمشون مستبعدون حتى لو كنا نعيش بين اهلنا ونعتكف داخل بيوتنا. .
يبدو اننا في العراق عبارة عن نماذج بشرية جمعتها ظروف قاهرة داخل مختبرات مظلمة يتحكم بها مجانين يضحكون علينا، ولا يعبئون بمصيرنا. .
مجانين يلهثون وراء المغانم والمكاسب والحصص. .
قال لي صديقي الطبيب: إن ما تشعر به من فقدان مؤقت للإحساس بالمكان يُعرف علمياً بتبدد الواقع (Derealization)، وهو نوع من التباعد النفسي المؤقت (Dissociation) الذي يعمل كآلية دفاعية يلجأ إليها الدماغ لحمايتك عندما يتعرض لضغط زائد. هذا الشعور غالباً ما يجعلك ترى المحيط وكأنه ضبابي، أو كأنك تعيش في حلم أو خلف جدار زجاجي، وهو أمر عابر وشائع ولا يعني أنك تفقد عقلك. .
فقلت له: والله يا صديقي نحن الآن في أسوأ مراحل التعايش مع العفاريت المتربصة بنا داخل هذه المتاهات المتداخلة. .