رياض سعد
مقدمة
تستند العملية السياسية في الأنظمة الديمقراطية إلى مبدأ التمثيل العادل للمكونات الوطنية، حيث يسعى ممثلو المكونات لخدمة ناخبيهم وضمان حقوقهم المشروعة تحت مظلة الدستور والقانون… ؛ غير أنَّ الانحراف عن هذا المبدأ يبرز حين تتداخل الأجندات الإقليمية والخارجية مع العمل السياسي الداخلي، مما يؤدي إلى تضارب المصالح وإضعاف القرار الوطني المستقل.
وفي المشهد السياسي العراقي، بات من المسلمات أن التمثيل الطائفي والعرقي هو الإطار الجامع للمكونات العراقية ؛ فالمسؤول الكردي يمثل الأكراد، والزعيم السني يعبّر عن المكون السني، والسياسي المسيحي ينوب عن أبناء ديانته , والمرشح التركماني ينوب عن قوميته … ؛ هذا التقليد السياسي، وإن كان مثار جدل، فقد رسّخته الأعراف الدستورية والسياسية .
لكن المفارقة الأكثر إثارة للاستغراب هي بروز ظاهرة سياسية شيعية ترفع شعارات الدفاع عن حقوق الشيعة وتستحضر مظلوميتهم التاريخية، بينما تسعى في الخفاء والعلن إلى التقرب من أنظمة إقليمية سنية، لم تخفِ مواقفها العدائية تجاه نفوذ الشيعة في المنطقة، بل ودعمت في مراحل سابقة فصائل متطرفة وحركات تكفيرية وعصابات ارهابية استهدفت المدن والمقدسات الشيعية في العراق...!!
وهذه الظاهرة لا ينبغي أن تُقرأ بمنظار طائفي ضيق، ولا أن تُعمَّم على مكوّن ديني أو مذهبي بأكمله، وإنما ينبغي أن تُناقش بوصفها مشكلة سيادة وطنية وأمن وطني وسلوك سياسي.
نعم , من الظواهر التي تستحق الدراسة في المشهد العراقي أن بعض الشخصيات المنتمية إلى المكوّن الشيعي، الذي يمثل أغلبية سكانية، تتخذ من الخطاب المذهبي غطاءً لشرعنة وجودها السياسي، بينما ترتبط عمليًا بدول وقوى إقليمية تتبنى سياسات معادية للعراق وللشيعة تحديدًا… ؛ و هذه الظاهرة لا تعني تعميمًا على جميع الشيعة أو جميع السياسيين الشيعة، لكنها تبرز لدى فئة من الانتهازيين الذين يمارسون لعبة مزدوجة.
هذه الازدواجية تطرح سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن التوفيق بين خطاب المظلومية الشيعية وولاءات خارجية تنتمي إلى المدرسة الفكرية ذاتها التي تُعدّ الخصم الأيديولوجي الأول للتشيع السياسي؟!
الواقع يشير إلى أن هذه الشخصيات لا تمثل الشيعة بقدر ما تمثل مشاريعها الشخصية في البقاء والنفوذ… ؛ فلو كانوا مخلصين لقاعدتهم الشعبية التي انتخبتهم، فلماذا يلوذون بمن يتربص بجماعتهم وطائفتهم ؟!
وكيف يُعقل أن تُفهم سياسات أنقرة أو الدوحة أو الرياض على أنها خدمة للوجود الشيعي في العراق، بينما تظل أدواتهم الإعلامية تشن هجوماً على “الهلال الشيعي” بل والوجود الشيعي في المنطقة ؟!
إن المشكلة ليست في إقامة علاقات طبيعية مع تركيا أو قطر أو السعودية أو الإمارات أو الأردن أو إيران أو غيرها من الدول… ؛ فالعراق دولة ذات علاقات إقليمية ودولية، ومن الطبيعي أن يتواصل المسؤولون العراقيون مع مختلف الحكومات… ؛ لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول العلاقة الدبلوماسية إلى رعاية سياسية أو تبعية أو توظيف داخلي أو ضغط على القرار الوطني.
فالسياسي الذي يرفع شعار الدفاع عن المذهب أو المكوّن أو الأغلبية العراقية، ثم يجعل مصالح دولة أجنبية معياراً لمواقفه، مطالب بأن يجيب ناخبيه بوضوح: ما حدود علاقته بتلك الدولة؟ وما طبيعة الدعم الذي تلقاه؟ وهل يتعارض هذا الدعم مع استقلال القرار العراقي ومصالح الاغلبية والامة العراقية ؟
وليس من المنطق أن نفترض أن دولة طائفية تكفيرية او ذات اجندات معادية للأغلبية العراقية تدعم سياسياً عراقياً شيعيا حباً بالمذهب الشيعي الذي ينتمي إليه ذلك السياسي أو حرصاً على مصالح العراقيين… ؛ فالدول لا تتحرك في السياسة الخارجية عادةً بمنطق العاطفة، وإنما وفق مصالحها الاستراتيجية والأمنية والاقتصادية والجيوسياسية ومنطلقاتها الدينية والقومية والسياسية … ؛ ولذلك فإن حصول سياسي عراقي على دعم أو حماية أو تأييد من دولة إقليمية او خارجية حاقدة ينبغي أن يكون موضع تحليل وتساؤل واتهام ، لا موضع احتفال أو اجلال واكرام .
أولًا: توصيف الظاهرة
السياسي الذي يمثل مكونًا اجتماعيًا يفترض أن يكون لسان حاله، فإذا استخدم هذا التمثيل للتقرب من خصوم المكون نفسه وقع في تناقض بنيوي… ؛ ومن مظاهر ذلك:
• الدفاع عن مصالح ومخططات قوى خارجية تتبنى خطابًا طائفيًا معاديًا.
• التنسيق الإعلامي أو السياسي مع أجهزة إقليمية مشبوهة تعمل ضد طائفته .
• تلقي دعم مالي أو سياسي غير معلن من الجهات الخارجية المعادية لأبناء جلدته .
• الظهور بمظهر المدافع عن المذهب والمطالب بحقوقه… ؛ ومع كل ذلك، يظهر أمام الناس بمظهر البطل المذهبي، والمدافع عن مصالح شيعة العراق، ليوظّف هذا الخطاب ستارًا يخفي وراءه ما يُنسب إليه من عمالة وخيانة، مستغلًا سذاجة بعض البسطاء وحسن ظنهم.
والأخطر أن بعض هؤلاء يوظف الرموز الدينية والشعائرية، كالمجالس الحسينية، لتمرير أجندة مشبوهة لا علاقة لها بمصالح جمهوره وابناء طائفته .
ويمثل الارتهان للخارج المعادي أو بناء تحالفات مشبوهة مع أطراف إقليمية حاقدة ذات سجلّ معادي للعملية السياسية والاغلبية والامة العراقية هدرًا لحقوق المكون , وانتهاكا لمفهوم الوطنية، بصرف النظر عن المكون الذي ينتمي إليه السياسي… ؛ إن استغلال الشعارات المذهبية أو المظلوميات التاريخية لكسب ثقة القواعد الشعبية، ثم ممارسة سلوكيات سياسية تتناقض كليًا مع تلك الدعاوى، يُعد شكلًا من أشكال التضليل السياسي والنفاق الاجتماعي والديني الذي يستنزف مؤسسات الدولة ويُضعف حقوق المواطنين.
ثانيًا: دوافع الظاهرة
تعود هذه الظاهرة إلى عدة عوامل، أبرزها:
1. المصالح الشخصية والمالية: البحث عن نفوذ أو ثروة عبر الارتباط بالجهات الإقليمية والخارجية .
2. ضعف الحاضنة الشعبية: عدم امتلاك قاعدة انتخابية حقيقية يدفع إلى البحث عن غطاء خارجي.
3. الرهان الخاطئ على تغير موازين القوى: بعض السياسيين يراهنون على ضعف الدولة أو تغير النظام الإقليمي.
4. غياب المساءلة: ضعف التشريعات التي تجرم الارتباط بجهات معادية وخارجية .
ثالثًا: خطورة الظاهرة
لا يقتصر ضرر هذه الظاهرة على المكوّن الشيعي وحده، بل يمتد إلى الدولة العراقية ككل، إذ تؤدي إلى:
- إضعاف الثقة بين الناخبين والنخب السياسية.
• فتح أبواب التدخل الإقليمي في الشأن العراقي.
• تغذية الخطاب الطائفي المضاد.
• إهدار فرص بناء دولة المواطنة.
• تمكين أطراف خارجية من ابتزاز القرار السياسي العراقي.
رابعًا: معايير التمييز
لا يُحكم على السياسي بانتمائه المذهبي أو شعاراته، بل بسجله العملي:
• ماذا قدم لجمهوره ولمكونه؟
• هل كشف مصادر تمويله؟
• هل صوّت لصالح العراق في المفاصل الحساسة؟
• هل وقف ضد التدخل الخارجي أم سهّله؟
فالسياسي الذي يرفع شعار المظلومية ثم يهرول إلى من يدعم استهداف جمهوره، لا يمكن وصفه إلا بالانتهازية والازدواجية والنفاق السياسي .
والتاريخ السياسي العراقي حافل بأمثلة لشخصيات شيعية تبدّل مواقفها بتغيّر الرياح السياسية؛ فمع حكم البعث السابق تغلغل بعضهم في مؤسسات الدولة بأقنعة مختلفة، ومع سقوط النظام عام 2003 تسابقوا لإظهار ولاء شيعي … ؛ هذا التلون ليس انتهازية سياسية فحسب، بل هو تجسيد لـ”ثقافة البقاء” التي تضرب بعمق القيم الأخلاقية عرض الحائط… ؛ والمحصلة أن سيرتهم الذاتية تخلو من أي إنجاز ملموس يخدم المكون الشيعي ، بل يصل بهم الأمر إلى استقطاب كوادر سنية وتقديمهم على أبناء مكونهم في المناصب، وكأنهم يُسددون ثمناً للرعاية الخارجية السنية على حساب مصالح الاغلبية الشيعية التي يدعون تمثيلها …!!
والأخطر من ذلك هو الدعم الخارجي الذي يحظون به؛ فهم يحظون بغطاء سياسي وإعلامي من أنظمة سنية خارجية حاقدة … ؛ كلما تعرضوا لانتقاد أو محاولة إطاحة من قبل قوى شيعية منافسة… ؛ فلو كانوا ينتمون إلى مكون آخر كالتركمان أو السنة، لما نالوا هذه الرعاية التي تهدف بوضوح إلى خلق شرخ في البيت الشيعي وإبقاء العراق في حالة من الضعف والتبعية والتشرذم .
خامسًا: لماذا قد تدافع دول أجنبية عن سياسي عراقي؟
السؤال الأكثر أهمية ليس: «لماذا تحب هذه الدولة ذلك السياسي؟»، وإنما: ما المصلحة التي تجعل دولة أجنبية ترى أن بقاء هذا السياسي أو صعوده يخدم أهدافها؟
قد تكون هناك مصالح اقتصادية، أو أمنية، أو جيوسياسية، أو رغبة في التأثير في القرار العراقي، أو منع صعود خصوم سياسيين، أو الحفاظ على شبكة علاقات معينة… ؛ وهذه أمور طبيعية في حسابات الدول، لكنها تصبح خطرة عندما يتحول السياسي العراقي إلى أداة لتحقيقها على حساب المصلحة الوطنية.
ولهذا فإن على الإعلام والباحثين والبرلمان والأجهزة الرقابية أن يدرسوا علاقات السياسيين العراقيين الخارجية بصورة مؤسسية وشفافة، بعيداً عن التخوين الجماعي والتعبئة الطائفية.
العراق أولاً
إن الدفاع الحقيقي عن الأغلبية العراقية لا يكون باستبدال تبعية بتبعية، ولا بالانتقال من الارتهان لدولة إلى الارتهان لدولة أخرى، ولا باستخدام المذهب غطاءً لعلاقات سياسية غامضة.
الدفاع الحقيقي عن العراقيين يكون ببناء دولة قوية، وقضاء مستقل، ومؤسسات مهنية، وانتخابات نزيهة، واقتصاد قادر على حماية قراره، وسياسة خارجية متوازنة لا تجعل العراق تابعاً لأي محور.
ومن حق العراقي أن يسأل كل سياسي، أياً كان مذهبه وقوميته:
من أين تأتي قوتك السياسية؟
من الناخب العراقي أم من الخارج؟
هل قرارك يصدر من بغداد أم من عواصم أخرى؟
هل ولاؤك للدستور والدولة أم لشبكة المصالح التي أوصلتك إلى السلطة؟
هذه الأسئلة لا تستهدف الشيعي ولا السني ولا الكردي ولا المسيحي، وإنما تستهدف السياسي المرتَهِن أياً كان انتماؤه.
فالعراق لا يحتاج إلى سياسي يبدّل جلده كلما تبدلت موازين القوة، ولا إلى من يرفع شعار المذهب حين يخدمه ذلك، وشعار الوطنية حين يخدمه، وشعار المقاومة حين يخدمه، ثم يبحث عن سند خارجي عندما يشعر بأن كرسيه مهدد.
العراق يحتاج إلى سياسي يستطيع أن يقول للدول الإقليمية كلها، بلا استثناء: نحن نحترمكم، ونتعاون معكم، لكن قرار العراق عراقي.
فحين يصبح السياسي أداة في يد الخارج، تتحول الطائفة إلى ستار، والمذهب إلى شعار، والوطن إلى ورقة تفاوض.
وحين يستعيد السياسي استقلاله، يصبح المذهب عقيدةً لا سلعة، والوطن دولةً لا ساحة نفوذ، والمواطن ناخباً لا تابعاً.
المشكلة إذن ليست في أن يكون السياسي شيعياً أو سنياً أو كردياً أو مسيحياً؛ المشكلة أن يكون عراقياً في خطابه فقط، وخارجياً في قراره.
وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية للارتهان السياسي.
سادسًا: المعالجة المقترحة
لمواجهة هذه الظاهرة، لا بد من:
1. تشريعات صارمة تجرم التعامل مع جهات معادية أو تلقي تمويل خارجي غير معلن.
2. شفافية مالية تكشف مصادر تمويل الأحزاب والسياسيين.
3. رقابة شعبية وإعلامية تفضح الازدواجية وتوثق المواقف.
4. خطاب وطني جامع يتجاوز الاصطفافات الطائفية ويحاكم السياسي على أساس الأداء وخدمة ناخبيه لا على اساس الهوية العرقية والطائفية .
خاتمة
الولاء المزدوج لا يصنع دولة، والادعاء المذهبي لا يبرر الارتهان الخارجي… ؛ إن الحكم على أي سياسي يجب أن يكون بمواقفه وسجله، لا بشعاراته… , والمطلوب اليوم وعي شعبي يفرز بين من يعمل فعلًا لمصلحة العراق ومكونات الامة العراقية قاطبة ، ومن يتخذ من المذهب جسرًا للعبور إلى أجندات لا علاقة لها بمصلحة الأغلبية العراقية الاصيلة .
إن خلاصة القول إن هذه الظاهرة تمثل اختراقاً استراتيجياً للداخل العراقي لاسيما الاغلبية العراقية الشيعية من بوابة الهوية المذهبية ، وتستوجب مراجعة نقدية من قبل القوى الشيعية الفاعلة، لتمييز الغث من السمين، ورفض التوظيف الخارجي للقضية الشيعية، والعودة إلى مربع السيادة الوطنية والولاء للدولة والاغلبية والامة العراقية قبل أي ولاء آخر.