الكاتب: نجم محيبس راضي
إخوتي الأعزاء،
اليوم نتحدث عن ملف يمس حياة كل مواطن عراقي، من البصرة إلى زاخو، ومن بغداد إلى أبعد قرية في العراق: ملف الكهرباء.
منذ عام 2003 وحتى اليوم، تعاقبت الحكومات والوزراء والخطط والمشاريع، وصُرفت مليارات الدولارات على قطاع الكهرباء، ومع ذلك ما زال المواطن العراقي يعيش معاناة الانقطاع، والمولدات، وارتفاع كلفة الطاقة، وتذبذب التجهيز.
وهنا يبرز السؤال الذي يستحق أن يُطرح بكل صراحة:
إذا كانت الأموال التي أُنفقت بهذا الحجم، فلماذا لم يحصل المواطن حتى الآن على خدمة كهرباء مستقرة على مدار الساعة؟
أولًا: أزمة التجهيز لم تنتهِ
رغم مرور أكثر من عقدين على تغيير النظام، ما زالت أزمة الكهرباء قائمة، خصوصًا خلال فصل الصيف عندما يرتفع الطلب إلى مستويات قياسية.
وتشير بيانات قطاع الكهرباء إلى وجود فجوة كبيرة بين الطلب الفعلي والقدرة المتاحة، فضلًا عن مشاكل الوقود والصيانة وشبكات النقل والتوزيع.
والأخطر أن المشكلة ليست فقط في إنتاج الكهرباء، بل في قدرة الشبكة على نقلها وتوزيعها إلى المواطن.
فحتى عندما تتوفر قدرة توليد إضافية، فإن الاختناقات في النقل والتوزيع والخسائر الفنية والتجارية تؤثر مباشرة في ساعات التجهيز.
ثانيًا: المواطن يدفع ثمن المشكلة مرتين
المواطن العراقي لا يدفع فاتورة واحدة للكهرباء.
هو يدفع أولًا من خلال الموازنة العامة وأموال الدولة، أي من النفط وإيرادات البلد.
ثم يدفع مرة ثانية من جيبه إلى صاحب المولدة الأهلية، ويشتري الوقود أو يدفع أجور الاشتراك، ويتحمل تكاليف الأجهزة الكهربائية التي تتضرر من الانقطاع والتذبذب.
وهكذا أصبح المواطن يعيش معادلة مؤلمة:
يدفع من الدولة… ثم يدفع من جيبه… وفي النهاية لا يحصل على خدمة مستقرة.
ثالثًا: الاعتماد على الوقود المستورد
من أكبر نقاط الضعف في منظومة الكهرباء العراقية استمرار الاعتماد على الغاز المستورد.
وتشير بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية إلى أن الغاز المستورد من إيران كان يمثل أكثر من 30% من توليد الكهرباء العراقية، ما يجعل أي اضطراب في الإمدادات ينعكس مباشرة على إنتاج الطاقة. (eia.gov)
وفي عام 2025، أشارت تقارير إلى أن جزءًا كبيرًا من الكهرباء العراقية كان يعتمد على الغاز الإيراني، وهو ما يوضح خطورة عدم تحقيق الاكتفاء المحلي من الغاز. (Reuters)
السؤال هنا:
كيف يمكن لبلد يمتلك هذه الثروة النفطية والغازية الهائلة أن يبقى بهذه الدرجة من الاعتماد على استيراد الوقود لتشغيل محطاته؟
رابعًا: المشكلة ليست في محطة توليد فقط
من الخطأ اختزال أزمة الكهرباء في بناء محطات جديدة.
العراق يحتاج إلى منظومة متكاملة:
غاز محلي → محطات توليد → خطوط نقل → محطات تحويل → شبكات توزيع → عدادات → جباية → صيانة.
إذا تعطلت حلقة واحدة من هذه السلسلة، فسوف يشعر المواطن بالمشكلة.
ولهذا فإن بناء محطة جديدة دون إصلاح شبكة النقل والتوزيع والجباية لن يكون حلًا كاملًا.
خامسًا: أين ذهبت مليارات الكهرباء؟
وفق ما أورده صندوق النقد الدولي، فإن حجم الإنفاق المرتبط بقطاع الكهرباء منذ عام 2003 قُدّر بأكثر من 80 مليار دولار. (IMF eLibrary)
كما أعلن مجلس النواب العراقي في يوليو 2026 أن المخصصات التشغيلية لوزارة الكهرباء ضمن الموازنة الثلاثية تجاوزت 48 تريليون دينار، إضافة إلى نحو 5.8 تريليون دينار للاستثمار خلال السنوات الثلاث. (Iraq Parliament)
هذه الأرقام وحدها تفرض علينا سؤالًا مشروعًا:
ما حجم الأموال التي صُرفت؟ وما حجم المشاريع التي أُنجزت فعليًا؟ وما مقدار الطاقة التي أضافتها هذه المشاريع؟ وما نسبة الأموال التي تحولت إلى خدمة حقيقية للمواطن؟
هذه ليست أسئلة سياسية فقط.
إنها أسئلة مالية وفنية ورقابية يجب أن تجيب عنها الجهات المختصة بالأرقام والوثائق.
سادسًا: الجباية والتجاوزات
لا يمكن تحميل وزارة الكهرباء وحدها كل المشكلة.
هناك أيضًا مسؤولية المواطن والدولة والمؤسسات والأحزاب والعشائر والجهات التي تستخدم الكهرباء دون دفع مستحقاتها.
التجاوز على الشبكة، وربط الكهرباء دون عداد، وعدم دفع الفواتير، كلها عوامل تؤدي إلى خسائر مالية وفنية وتزيد الضغط على الشبكة.
لذلك فإن إصلاح الكهرباء يجب أن يترافق مع:
عدادات ذكية + جباية عادلة + مكافحة التجاوزات + حماية الشبكة + محاسبة الممتنعين عن الدفع.
ولا يجوز أن يدفع المواطن الملتزم فاتورة استهلاكه، بينما يحصل آخرون على الكهرباء دون دفع.
سابعًا: الأثر النفسي والاجتماعي
وهنا نصل إلى الجزء الذي لا يظهر في جداول الموازنة.
الكهرباء ليست مجرد ميغاواط.
الكهرباء تعني:
* طالبًا يريد الدراسة في الليل.
* مريضًا يحتاج إلى جهاز كهربائي.
* عائلة تريد النوم في حرارة الصيف.
* صاحب محل يريد تشغيل عمله.
* مصنعًا يريد الاستمرار بالإنتاج.
* مستشفى يحتاج إلى طاقة مستقرة.
* مواطنًا يريد أن يعيش حياة طبيعية مثل بقية شعوب العالم.
عندما يعيش المواطن سنوات طويلة مع الانقطاع والمولدات والحرارة والقلق من توقف الأجهزة، فإن المشكلة تتحول من أزمة خدمية إلى ضغط نفسي واجتماعي مزمن.
وأين هو الحل؟
العراق لا يحتاج إلى وعود جديدة من نوع:
“السنة القادمة لن تكون هناك انقطاعات.”
العراق يحتاج إلى خطة كهرباء وطنية واضحة تمتد لعشر أو عشرين سنة، تتضمن:
1. استثمار الغاز العراقي بدل حرقه أو استيراد الغاز من الخارج.
2. تطوير محطات التوليد بكفاءة عالية.
3. تحديث شبكات النقل والتوزيع.
4. تقليل الخسائر الفنية والتجارية.
5. تركيب العدادات الذكية.
6. إصلاح نظام الجباية.
7. مكافحة التجاوزات والمحسوبية.
8. تنويع مصادر الطاقة.
9. الاستثمار الجدي في الطاقة الشمسية.
10. ربط العراق بشبكات إقليمية متعددة.
11. نشر جميع عقود ومشاريع الكهرباء أمام الرأي العام.
12. إخضاع المشاريع إلى تدقيق فني ومالي مستقل.
الخلاصة
المشكلة ليست أن العراق لا يملك المال.
والمشكلة ليست أن العراق لا يملك النفط والغاز.
والمشكلة ليست أن العراق لا يستطيع إنتاج الكهرباء.
المشكلة أن الأموال والموارد وحدها لا تكفي إذا لم ترافقها إدارة سليمة، وتخطيط طويل الأمد، ورقابة حقيقية، ومحاسبة واضحة.
المواطن العراقي لا يريد معجزة.
لا يريد كهرباء مجانية.
ولا يريد وعودًا جديدة.
يريد خدمة مستقرة مقابل ما يدفعه من أموال وضرائب ورسوم، ويريد أن يعرف أين ذهبت أموال بلده.
بعد أكثر من عقدين، أصبح السؤال أكبر من مجرد:
“متى تأتي الكهرباء؟”
السؤال الحقيقي هو:
“متى تتحول الأموال التي صُرفت على الكهرباء إلى خدمة حقيقية يشعر بها المواطن في بيته وعمله ومستشفاه ومدرسته؟”
حسبنا الله ونعم الوكيل.