​السيدة خديجة بنت خويلد وحقيقة المعركة التي تخوضها نساؤنا اليوم

​السيدة خديجة بنت خويلد وحقيقة المعركة التي تخوضها نساؤنا اليوم

​خديجة طه النعمي

​في غمرة احتفائنا بالمولد النبوي الشريف، والبهجة التي تغمر القلوب بإشراقة نور المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم، ثمة سؤال عميق يفرض نفسه على وجداننا: أين تقع السيدة خديجة بنت خويلد عليها السلام في رحاب هذا النور؟
حين شاء الله تعالى لهذه الأرض أن تُشرق بمولد الهادي الأمين، اختار له منذ البدء البيئة والأسباب التي تصون هذه المسيرة، فكانت السيدة خديجة عليها السلام هي القلعة النفسية والسكن الروحي الأكبر الذي ادخره الله ليحوط هذا النور بالرعاية، والحب، والثبات.

​لم تكن السيدة خديجة مجرد رقم في تاريخ مكة، بل كانت امرأةً اختزلت أمة في وعيها ورجاحة عقلها؛ ففي مجتمعٍ جاهلي مكبل بالطبقية والمادية، وقفت كالجبل الشامخ، تدير التجارة والجاه بالحكمة، ونالت لقب “الطاهرة” و”سيدة نساء قريش” بعفافها وفرادة شخصيتها. وحين ردت أثرياء العرب وأشرافها لتختار محمد بن عبد الله صلوات الله عليه وآله لأمانته وخُلقه قبل البعثة، كانت تؤسس للمعيار الأخلاقي الأصيل الذي جاء الإسلام ليتممه: أن كرامة الإنسان وجوهره فوق كل مظاهر الترف الفاني.

​لقد كانت السيدة خديجة عليها السلام الشريكة الصادقة التي بذلت كل ما تملك من ثروة، ومكانة، وراحة؛ ليكون درعاً يحمي بيئة الدعوة وتماسكها. وحين حاصر الجاهليون أصل النبوة، لم تتردد في أن تترك رغد العيش وتتحمل مرارة الشِّعب برضى وثبات، لتصنع أروع ملحمة في الوفاء المطلق، ولتثبت أن البيوت العظيمة تُبنى بالصمود والرحمة لا بالبهرج المادي.

​واليوم.. ونحن نعيش بركات المولد النبوي الشريف، كيف يمكن لنا أن نحتفي بالنور ونحن نرى الظلمة تسري في واقع أجيالنا وبناتنا؟
إننا نعيش معركة وعي خطيرة جلبتها علينا الحرب الناعمة، استُهدف فيها البيت المسلم، وتُعرضت فيها فتياتنا لموجات من التجهيل الناعم وتجريف الهوية. لقد سُعي بضراوة لإزاحة هذه القمم الشامخة كالسيدة خديجة الطاهرة من ذاكرة فتياتنا، لتُستبدل بقدوات مستعارة من القاع، تتصدر الشاشات وتصنع من التفاهة والابتذال والتعري معياراً للنجاح والتمكين!
جُرّدت المرأة في هذا العصر من جوهرها الإنساني والفكري لتُحول إلى سلعة استهلاكية، بينما التمكين الحقيقي والرفعة التي تجسدت في السيدة خديجة عليها السلام برهنا على أن عظمة المرأة تُبنى بعقلها النافذ، وعفافها الصامد، ودورها القيادي في بناء الأمة وصيانة أسرها.

​إن إحياء ذكرى المولد النبوي الشريف لا يكتمل إلا بالعودة إلى هذه المنابع الصافية، وأن نجعل من سيرة السيدة خديجة (ع) مشروع حصانة فكرية لنسائنا، ودستوراً يربك مخططات المساس بوعيهن وعفافهن.
لتكن هذه المناسبة المباركة محطة إفاقة لنقول لأسرنا وبناتنا: إن العزة لا تُستجدى من صيحات العصر الهابطة، بل تُستمد من سيرة سيدة نساء العالمين بذات الوعي، وذات العفاف، وذات الثبات الذي احتضن نور النبوة وشاد أركان أمة.

​ختاماً..
المولد النبوي الشريف ليس مجرد موعدٍ على التقويم نشعل فيه الأخضر ونردد فيه المدائح، بل هو لحظة ميلاد جديدة لوعينا، ونداءٌ يتردد في أرجاء أرواحنا ليوقظ فينا حقيقة القيم التي اندثرت تحت ركام الماديات.
يا بناتنا ويا أجيالنا.. إن الأمم لا تسقط حين تُحاصر ثغورها، بل تسقط حين تُستلب قدواتها، وإن العزة التي تبحثن عنها وسط ضجيج الشاشات وزخرف القدوات المستعارة، قد أودعتها السيدة خديجة عليها السلام منذ أربعة عشر قرناً في كلمة واحدة: “الكرامة”.

​فلتشرق بيوتنا بنور النبوة، ولتستعِد أسرنا سكنها الروحي الأصيل، لنخرج من هذه الذكرى المباركة بعهدٍ صادق: أن نظل القلعة الصامدة التي تحمي الوعي، وتصون العفاف، وتربي أجيالاً تعرف طريقها نحو الفجر.. بذات الثبات، وذات الطهر، وذات الحب الذي احتضنت به السيدة خديجة نور الهُدى وشيدت به أعمدة المسيرة.

​#إتحاد_كاتبات_اليمن