اغتصاب الربيع العربي – حين أسقطت الشعوب الطغاة فأعاد الطامحون إنتاج الطغيان

بقلم: الباحثة كنانة خلف الكردي

لم تكن ثورات الربيع العربي خطأً تاريخياً، ولم تخرج الشعوب بحثاً عن الفوضى، بل خرجت لاستعادة الإنسان من الخوف، والدولة من قبضة الفرد والحزب والأجهزة، والسياسة من احتكار السلطة.

لكن المأساة بدأت حين سقط الحاجز الأول، وبدأ السؤال الأخطر: من يملك حق الحديث باسم الشعب؟ ومن يقرر نيابة عنه؟

هنا بدأ اغتصاب الربيع.

فالاستبداد لا يموت دائماً بسقوط المستبد؛ قد يسقط القصر وتبقى عقلية القصر، وتتغير الوجوه والشعارات بينما يبقى احتكار القرار، وتخوين المعارض، وتقديس القيادة، وتحويل السلطة إلى امتياز.

المستبد القديم كان يقول: «أنا الدولة»، ثم جاء من يقول: «أنا المحرر». لكن الفارق يصبح ضئيلاً حين تكون النتيجة واحدة: مجتمع مهمَّش، ومؤسسات ضعيفة، وقرار محتكر، ومعارضة تُعامل كخيانة.

والحقيقة التي يجب ألا تُنسى هي أن الشعب هو من صنع الثورة، وليس أفراداً يحق لهم امتلاكها. من شارك فيها يملك حقاً في الذاكرة، لا ملكية أبدية للدولة؛ ومن حمل السلاح لا يصبح فوق القانون، ومن عارض الاستبداد لا يحصل تلقائياً على حصانة من النقد.

فالديكتاتورية ليست شخصاً؛ إنها منظومة. ولهذا فإن تغيير الأسماء والرايات لا يعني تغيير النظام السياسي إذا بقيت أدوات السيطرة والعقلية ذاتها.

من الوكلاء إلى الدول

لم يحدث تعثر التحولات العربية في فراغ. فقد تحولت المنطقة إلى ساحة صراع إقليمي ودولي، واستفادت إيران من هشاشة الدول لبناء شبكات نفوذ سياسية وعسكرية عابرة للحدود.

لكن مواجهة النفوذ الإيراني لا ينبغي أن تكون حرباً مذهبية أو مشروع انتقام، بل مشروعاً لإعادة الاعتبار للدولة الوطنية: لا دولة تُدار من خارج حدودها، ولا ميليشيا تكون بديلاً عن مؤسساتها، ولا قوة إقليمية تملك حق تقرير مستقبل الشعوب.

وفي المقابل، فإن مواجهة التوسع الإسرائيلي لا تعني دفع المنطقة إلى حرب مفتوحة، بل بناء ردع متوازن ونظام أمني إقليمي يمنع تحويل التفوق العسكري إلى حق دائم في فرض الوقائع.

فالخروج من النفوذ الإيراني للوقوع تحت هيمنة قوة أخرى ليس استقلالاً؛ إنه مجرد تغيير للوكيل.

ما بعد الربيع: الدولة قبل الثورة

الدرس الأكبر أن إسقاط النظام ليس نهاية الثورة، بل بداية الامتحان الحقيقي.

فالنجاح لا يقاس بعدد الرؤساء الذين سقطوا، بل بقدرة المجتمع على بناء دولة تمنع عودة الاستبداد أياً كان اسمه:

دستور يحمي الجميع، جيش لا يتحول إلى حزب، أمن يخضع للقانون، قضاء مستقل، إعلام حر، وانتخابات تمنح الشعب حق الاختيار الحقيقي.

لقد أثبتت السنوات الماضية أن الثورة وحدها لا تكفي، كما أن القمع لا يصنع استقراراً دائماً.

لذلك لا تحتاج المنطقة إلى ثورات جديدة بقدر حاجتها إلى دولة جديدة.

دولة لا يحكمها وكيل، ولا ميليشيا، ولا زعيم مقدس، ولا قوة خارجية.

فالربيع العربي لم يكن وعداً بأن يصل الثوار إلى السلطة، بل كان وعداً بأن يصبح الإنسان صاحب القرار في حياته ومستقبله.

ومن هنا تبدأ المعركة الحقيقية:

ليست بين ثورة وثورة، ولا بين محور ومحور، بل بين شرق أوسط تحكمه الدول والشعوب، وشرق أوسط تحكمه الوصاية والسلاح والوكلاء.

فالربيع لم يمت؛ لكنه اختُطف.

والمهمة اليوم ليست إعادة الثورة، بل منع اغتصابها مرة أخرى.