
الشاعر أبو نؤاس والعلمانية
كامل سلمان
الأبيات الشعرية الشهيرة المنسوبة لأبي نؤاس الشاعر العباسي الذي أشتهر بالخمر والمجون
( دع المساجد للعباد تسكنها ، وقف على دكة الخمار واسقينا ) هي بالحقيقة عنوان للعلمانية المعاصرة بأجمل صورها ، فقط خصص الشاعر المساجد لمن أراد العبادة والاعتكاف لله وترك مجالات الحياة الأخرى حرة لمن شاء ممارستها ، بمعنى لا ترابط بين الدين ونشاطات الحياة الأخرى من سياسة وحرية شخصية وحتى التفكير . الحقيقة استغربت كثيراً وأنا أقرأ هذه الأبيات وتساءلت لماذا لم يبادر مثقفوا ذلك الزمان إلى ترجمة مثل هذا الاعتقاد المتداول عند الناس في زمانهم إلى واقع فلسفي فكري قانوني ودستوري طالما كان التوجه العام للناس ولقيادات الدولة هو أن حدود العبادة في المساجد وغيرهم لا يتقيدون بما يتقيد به المؤمن المتدين وكما يبدو أنها جزءاً من طبيعة الحياة أنذاك رغم علمنا بأن قادة الدولة في ذلك الزمان كانوا في النهار يلتحفون بعباءة الدين وفي الليل يسرحون في حانات الخمر والسهر مع نساء الليل أو ما يسمونهن انذاك ( بالجواري )، بمعنى كيانات الدولة كانت قائمة على الحرية الشخصية وإن لم تكن بمعنى الحرية الشخصية التي نفهمها هذه الأيام ، وإذا لم تكن بمفهوم الحرية الشخصية فهي إذاً نوع من أنواع النفاق الاجتماعي . العلمانية ليست نفاقاً ولا خداعاً للشعوب ، العلمانية نظام سياسي أخلاقي رفيع تحترم كيان الإنسان وتهتم ببناء المجتمع والدولة ، نعم كان بالأمكان أن تتنعم شعوبنا بالعلمانية ( فصل الدين عن الدولة ) قبل مئات السنين وقبل أوربا وأمريكا طالما كانت الأفكار العلمانية تتداول في عقول الناس لكن النفاق الأخلاقي كان الحاجز الأول لأي تطور ولأي أنفكاك بين الدين والسياسة فكان فقهاء الدين وعلماء الأمة يغضون الطرف عما يفعله الحاكم والناس من ممارسة الحرية بالخروج عن النص الديني أخر الليل طالما الجميع مقتنعون بأن هذا هو الشيء المباح لكل إنسان لكنهم يعودون في النهار نادمين . وقد يكون هذا هو السبب الذي جعل العلمانية لم ترى النور في تأريخنا قبل العلمانية التي رأت النور في أوربا والغرب ، جميعهم كانوا يعلمون بأن هذا هو الصحيح ( أن تفصل أمور العبادة والدين عن الحياة والدولة ) وكانوا يمارسونها بشكل عملي لكنهم بدل الاجهار وقولها علانية بأنهم يجب فصل المساجد عن باقي نشاطات الحياة كانوا ينكرونها لأنهم يشعرون بوخزة الضمير لسببين ، الأول هو الخوف من الدين والثاني هو الخوف على الدين وكلا السببين ظهرا لعدم وجود الحرص على تطوير مفهوم الدولة عند قادة الدولة في ذلك الزمان ، ربما لجهالتهم أو لخوفهم على الدين من الضياع ، للأسف كانت فرصة عظيمة لم تستغل قبل مئات السنين أن تتحول أحوال مجتمعاتنا إلى الرقي المبكر لكن ما حصل كان الأسوأ وللأسف أيضاً بأن الحال في هذا الزمان لم يتغير كثيراً عن الحال في ذاك الزمان وكأن الزمن متوقف عندنا لأن العقول لم تتغير بعد . رحم الله الشاعر أبو نؤاس الذي لم يبخل علينا بنقل هذه الصورة الرائعة من تراث الأمة .


